الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

مخارج الحروف العربيَّة

اعلم أنَّ مخارج الحروف من أهمِّ المباحث التَّجويديَّة التي يجدُر بالدَّارس الاعتناء بها؛ لتعلُّقها بذات الحرف العربيِّ القرآنيِّ؛ فهي بمثابة بناء الحرف العربيِّ بناءً سليمًا، وتهيئته للأحكام التَّركيبيَّة؛ ليصحَّ إخضاع الحرف للأحكام التَّركيبيَّة النَّاشئة عن وصله بما بعده؛ قال الإمام أبو عمرو الدَّاني: "إنَّ قطب التَّجويد، وملاك التَّحقيق؛ معرفة مخارج الحروف وصفاتها" [1] لذا عظُم اهتمام العلماء والقرَّاء بهذه الأبواب دراسة ومدارسة.

تعريف المخرج

المخارج لغة: جمع مخرج؛ وهو محلُّ خروج الحرف العربيِّ.

واصطلاحًا: الحيِّز المولِّد للحرف؛ ومكان خروجه وتمييزه عن غيره من الحروف.

فائدة: لمعرفة مخرج الحرف عليك اتِّباع الخطوات التَّالية:

1 - إثبات همزة وصل محرَّكة في البدء بأحد الحركات الإعرابيَّة الثَّلاثة.

2 - إثبات الحرف - المراد معرفة مخرجه - ساكنًا، أو مشدَّدًا موقوفًا عليه.

3 - تتبُّع صوت الحرف حتى ينقطع؛ فإذا انقطع فثمَّ مخرجه حيث انقطع.

تعريف الحرف

والحروف لغة: جمع حرف؛ وهو طرف الشَّيء.

واصطلاحًا: هو صوت واضح معتمد على مخرج محقَّق - أي معتمد على جزء معيَّن من أجزاء الفم - أو مقدَّر - أي لا يعتمد على جزء فمويٍّ؛ وهي حروف المدِّ -.

مذاهب العلماء في عدد الحروف

اختلف العلماء في عدد حروف الهجاء على ثلاثة مذاهب مشهورة:

الأوَّل: عدُّوها ثمانية وعشرين حرفًا؛ وهي الحروف المشهورة واعتبروا الهمز والألف حرفًا واحدًا.

الثَّاني: عدُّوها تسعة وعشرين حرفًا؛ واعتبروا الألف مغايرًا للهمز؛ فلكلِّ منهما أحكامه.

الثَّالث: عدُّوها ثلاثين حرفًا؛ حيث اعتبروا ما اعتبره أصحاب القول الثَّاني؛ وزادوا عليه اعتبار الغنَّة حرفًا له مخرجه الخاصُّ به؛ وهو الخيشوم.

أقسام المخارج

فائدة: لترتيب المخارج العامَّة طريقة من طريقتين:

الأولى: البدء بأبعد الحروف عن عضوي النُّطق= اللِّسان والشِّفتين؛ فيبدؤون بالحلق، وينتهون بالخيشوم مرورًا بالجوف، ثمَّ اللِّسان، ثمَّ الشَّفتين.

الثَّانية: البدء بأقرب الحروف لعضوي النُّطق؛ فيبدأ بالشَّفتين؛ وينتهي بالحلق مرورًا بالخيشوم، فاللِّسان، فالجوف.

تنقسم المخارج إلى قسمين:

الأوَّل: العامَّة: وهي التي يشتمل المخرج منها على مخرج خاصٍّ واحد فأكثر؛ وهي خمسة مخارج:

المخرج العامُّ الأوَّل

الخيشوم: خرق الأنَّف المنجذب من الدَّاخل؛ وهو مخرج صوت الغنَّة فقط.

المخرج العامُّ الثَّاني

الشَّفتان: وهما طرفا فتحة الفم ونهاية مجراه، وهو مخرج عامٌّ يتفرَّع منه ثلاثة مخارج فرعيَّة لأربعة أحرف؛ وهي الحروف الشَّفويَّة: (الفاء، والميم المظهرة، والباء، والواو) وهذا بيانها:

الأوَّل: باطن الشِّفة السُّفلى مع أطراف الأسنان العُليا: وهو مخرج حرف: (الفاء).

من الأخطاء التي يقع فيها بعض القرَّاء عند النُّطق بحرف الفاء ما يلي:

1 - إدخال الشِّفة السُّفلى للدَّاخل مع غرس أطراف الأسنان في ظاهر الشِّفة السُّفلى؛ والصَّواب التقاء أطراف الأسنان بباطن الشِّفة السُّفلى عند النُّطق بحرف الفاء.

2 - عدم الالتقاء الحقيقيِّ لأطراف الأسنان مع باطن الشِّفة السُّفلى، وانفتاح ما بين الشَّفتين، فتخرج الفاء ضعيفة، والصَّواب انغراس أطراف الأسنان في باطن الشِّفة السُّفلى.

الثَّاني: انطباق باطن الشِّفة السُّفلى على باطن الشِّفة العُليا: وهو مخرج فرعيٌّ يخرج منه حرفان:

1 - (الباء) ويخرج بانطباق أسفل باطن الشِّفة السُّفلى على باطن الشِّفة العُليا.

2 - (الميم) ويخرج بانطباق أعلى باطن الشِّفة السُّفلى على باطن الشِّفة العُليا.

الثَّالث: استدارة الشَّفتين مع ترك فرجة بينهما دون ضمِّها: وهو مخرج: (الواو السَّاكنة).

المخرج العامُّ الثَّالث

اللِّسان: وهو عضلة حرَّة الحركة في الفم، مثبتة من آخرها في الحنك السُّفليِّ ممَّا يلي الحلق، قابلة للتَّمدُّد والانكماش طوليًّا وعرضيًّا، وتتَّخذ أكثر من شكل.

فائدة 1: الوضع الطَّبيعيُّ للِّسان أن يملأ الفم السُّفليَّ بحيث يكون مفترشًا باطن الحنك السُّفليِّ.

فائدة 2: ظهر اللِّسان هو ما قابل الحنك الأعلى؛ وهو المتمِّم لعمليَّة الكلام، والطَّعام والشَّراب، ولا دخل لبطن اللِّسان في شيء من هذا.

فائدة 3: أجزاء اللِّسان خمسة؛ وهي التي تخرج منها الحروف؛ وبيانها كالتَّالي:

الأوَّل: طرف اللِّسان: من أوَّل رأس اللِّسان إلى وسطه؛ وهو مخرج فرعيٌّ به مخرجان خاصَّان:

أوَّلها: طرف اللِّسان مع اللِّثة العُليا: ويخرج منه الحروف النِّطعيَّة (الطَّاء، والدَّال، والتَّاء) وفيه ثلاثة مخارج يخرج منها ثلاثة أحرف:

1 - أقصى طرف اللِّسان مع أوَّل اللِّثة العُليا: وهو مخرج الطَّاء.

2 - وسط طرف اللِّسان مع مُنتصف اللِّثة العُليا: وهو مخرج الدَّال.

3 - أدنى طرف اللِّسان مع آخر اللِّثة العُليا: وهو مخرج التَّاء.

ثانيها: طرف اللِّسان بمحاذاة صفحة الأسنان الأماميَّة: ويخرج منه الحروف الأسليَّة: (الصَّاد، والزَّاي، والسِّين) وفيه ثلاثة مخارج يخرج منها ثلاثة أحرف:

1 - أقصى طرف اللِّسان بمحاذة الأسنان العُليا: وهو مخرج حرف: (الصَّاد).

2 - وسط طرف اللِّسان بمحاذة نقطة التقاء الأسنان العُليا بالسُّفلى: وهو مخرج: (الزَّاي).

3 - أدنى طرف اللِّسان بمحاذة الأسنان السُّفلى: وهو مخرج حرف: (السِّين).

الثَّاني: رأس اللِّسان: وهو مُنتهى طرفه؛ وهو مخرج فرعيٌّ به مخرجان خاصَّان:

أوَّلها: رأس اللِّسان مع اللِّثة العُليا: ويخرج منه الحروف الذَّلقيَّة: (الرَّاء، اللَّام، والنُّون) وفيه ثلاثة مخارج يخرج منها ثلاثة أحرف:

1 - رأس اللِّسان المدبَّبة - الرَّفيع - مائلة إلى ظهره قليلًا - أي غير ملتصق بالحنك الأعلى - مع ما يُحاذيها من الحنك الأعلى ممَّا يلي التَّجويف: وهو مخرج حرف: (الرَّاء).

2 - رأس اللِّسان المدبَّبة ملتصقة باللِّثة العُليا: وهو مخرج حرف: (اللَّام).

3 - رأس اللِّسان العريضة مع لثة الثَّنايا العُليا: وهو مخرج حرف: (النُّون).

فائدة 1: الفرق بين اللَّام والرَّاء في المخرج أنَّ اللَّام متمكِّنة من الالتصاق باللِّثة العُليا فلا تتحرَّك، بخلاف الرَّاء فغير متمكِّنة من الالتصاق؛ بسبب صفة التَّكرير.

فائدة 2: الفرق بين اللَّام والنُّون في المخرج أنَّ اللِّسان يكون عموديًّا على اللِّثة مع اللَّام، وأُفقيًّا مع النُّون، وبهذا يمتاز الحرفان.

ثانيها: رأس اللِّسان مع أطراف الأسنان العُليا: ويخرج منه الحروف اللِّثويَّة: (الظَّاء، الذَّال، الثَّاء) وفيه ثلاثة مخارج يخرج منها الثَّلاثة أحرف:

1 - أقصى رأس اللِّسان العريضة مع أطراف الأسنان العُليا: وهو مخرج حرف: (الظَّاء).

2 - وسط رأس اللِّسان العريضة مع أطراف الأسنان العُليا: وهو مخرج حرف: (الذَّال).

3 - أدنى رأس اللِّسان العريضة مع أطراف الأسنان العُليا: وهو مخرج حرف: (الثَّاء).

فائدة: من الأخطاء الشَّائعة التي انتشرت على ألسنة النَّاس عدم إخراج طرف اللِّسان في الحروف اللِّثويَّة ممَّا قد يضرُّ كثيرًا بالمعاني القرآنيَّة؛ كمن قرأ قوله تعالى: "فكثَّركم" بدون إخراج طرف اللِّسان فتحوَّل المعنى مع هذا النُّطق الخطأ إلى النَّقيض منه!.

الثَّالث: وسط اللِّسان: وهو ما يُحاذي منطقة التَّجويف من الحنك الأعلى= غار الحنك؛ وهو مخرج فرعيٌّ تخرج منه الحروف الشَّجريَّة: (الجيم، والشِّين، والياء السَّاكنة اللَّيِّنة) وهو مخرج فرعيٌّ به ثلاثة مخارج:

أوَّلها: أقصى وسط اللِّسان منطبقًا مع ما يُحاذيه من الحنك الأعلى: ويخرج منه: (الجيم).

ثانيها: منتصف وسط اللِّسان بالقرب مُقتربًا مع ما يُحاذيه من الحنك الأعلى: ويخرج منه: (الياء السَّاكنة اللَّيِّنة).

ثالثها: أدنى وسط اللِّسان مع ما يُحاذيه من الحنك الأعلى: ويخرج منه حرف: (الشِّين).

الرَّابع: حافَّة اللِّسان: وهو جانب اللِّسان الأيسر أو الأيمن، وتمتدُّ من طول اللِّسان من الجانبين من أقصى اللِّسان إلى أوَّل رأسه؛ وهو مخرج فرعيٌّ يخرج منه: (الضَّاد) ويخرج من أقصى حافَّتي اللِّسان، أو أحدهما مع ما يلي الأضراس اليُمنى أو اليُسرى أو من النَّاحيتين معًا.

المخرج العامُّ الرَّابع

الجوف: وهو الفراغ الدَّاخليُّ للحلق والفم؛ وهو مخرج عامٌّ وخاصٌّ؛ فلا يتفرَّغ منه مخرج آخر؛ ويخرج منه الحركات الإعرابيَّة، وكذا حروف المدِّ الثَّلاثة؛ وتُسمَّى الحروف الجوفيَّة الهوائيَّة.

فائدة 1: تشترك الحركات مع حروف المدِّ في المخرج لأنَّ أحدهما من الآخر؛ فالحركة بنت الحرف؛ قال العلَّامة ابن الجزريِّ: "والجمهور على أنَّ الفتحة من الألف، والضَّمَّة من الواو، والكسرة من الياء؛ فالحروف على هذا عندهم قبل الحركات"

فائدة 2: حروف المدِّ امتداد لصوت الحركة؛ فإشباع الحركة يُولَّد حرف مدٍّ من جنس تلك الحركة؛ أي أنَّ حرف المدِّ عبارة عن حركتين متتاليتين.

فائدة 3: كلُّ حرف محرَّك يخرج من مخرجين:

الأوَّل: محقَّق: وهو موضع خروج الحرف.

الثَّاني: مقدَّر: وهو موضع خروج الحركة؛ وهو الجوف.

المخرج العامُّ الخامس

الحلق: هو ما بين الصَّدر إلى اللَّهاة؛ ويخرج من الحروف الحلقيَّة: (الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء) وهو مخرج عامٌّ يتفرَّع منه ثلاثة مخارج فرعيَّة:

أوَّلها: أقصى الحلق: وهو ما يلي الصَّدر مباشرة؛ ويخرج منه حرف: (الهمزة، والهاء) والأوَّل أعلى من الثَّاني.

ثانيها: وسط الحلق: وهو الواقع بين أقصى الحلق وأدناه، ويخرج منه: (العين، والحاء) والأوَّل أعلى من الثَّاني.

ثالثها: أدنى الحلق: وهو الواقع بين وسط الحقِّ واللَّهاة؛ ويخرج منه: (الغين، والخاء) والأوَّل أعلى من الثَّاني.

الثَّاني: المخارج الخاصَّة: وهي التي يشتمل المخرج منها على مخرج واحد فقط؛ وقد يخرج منه حرف واحد، أو حرفان، أو ثلاثة؛ وقد اختلف العلماء في عددها على ثلاثة مذاهب:

الأوَّل: عدَّها سبعة عشر مخرجًا؛ وهو مذهب الخليل بن أحمد الفراهيديِّ، وأبي الخير ابن الجزريِّ، وبه قال الجمهور، وهو المختار وعليه العمل.

الثَّاني: عدَّها ستَّه عشر مخرجًا؛ وهو مذهب سيبويه، وأبي القاسم الشَّاطبيِّ؛ حيث ألغوا مخرج الجوف، ثمَّ أسندوا حروفه إلى ثلاثة مخارج:

1 - الشَّفتين؛ حيث جعلوا الواو المدِّيَّة تخرج من مخرج الواو السَّاكنة.

2 - وسط اللِّسان؛ حيث جعلوا الياء المدِّيَّة تخرج من مخرج الياء السَّاكنة.

3 - أقصى الحلق؛ حيث جعلوا الألف تخرج من مخرج الهمزة.

الثَّالث: عدَّها أربعة عشر مخرجًا؛ وهو مذهب الفرَّاء، وقطرب، والجرميِّ؛ حيث ألغوا مخرج الجوف أيضًا كما فعل أصحاب القول الثَّاني، وزادوا عليهم أن جعلوا مخرج اللَّام والنُّون والرَّاء مخرجًا واحدًا لا متعدِّدًا.

فائدة 1: يعود سبب اختلاف العلماء في عدِّ المخارج إلى اختلافهم في اعتبار بعض المخارج؛ مثل الجوف، أو في اجتماع حروف في مخرج واحد، أو انفرادها.

فائدة 2: ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ حصر المخارج الخاصَّة في هذه الأعداد السَّابقة من باب التَّقريب؛ فلكلِّ حرف مخرج مستقلٌّ لا يشترك مع غيره فيه.


(1) التَّحديد في الإتقان والتَّجويد، لأبي عمرو الدَّاني، ص: (104).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله