خصائص الشَّهوات:
تتَّسم الشَّهوات بما يلي:
1 - غريزيَّة فطرية:
فقد غُرِست الشَّهوة في النَّفس البشريَّة ولا سبيل لنزعها، فكلُّ النَّاس لا يستغني عن القدر الصَّالح منها؛ كالطَّعام والشَّراب، والنِّكاح، والذُّرِّيَّة، والمال، والقوَّة، ونحوها، لكن الطَّمع والجشع في الازدياد منها يُخرجها عن حدودها؛ فتزداد مثالبها وأضرارها؛ فحبُّ المال والبنين جُبِلت عليه النُّفوس؛ قال الله تعالى: {ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا} [الكهف: 46] لكن حين يسعى المرء للاستكثار من المال والبنين بهدف السَّطو والبطش والكبر والاستعانة بهما في المعصية فهذا إفراط لا يُقرُّ عليه، وهكذا كلُّ نعمة تحمل في طيَّاتها معنى النِّقمة؛ لأنَّ حقيقة النِّعمة= أن تُقرِّب العبد من الله تعالى، وتزيده تواضعًا واعترافًا بفقره وحاجته إلى الرَّبِّ الغنيِّ الصَّمد، فتُترجَم هذه المعاني إلى أثر في النَّفس يحمل المرء على بذل العبادة، ورحمة العباد، فإذا لم تتحقَّق هذه المعاني كانت نِعمةً في ظاهرها، نِقمةً في حقيقتها وجوهرها؛ لأنَّها لم تؤتِ ثمرتها المتمثَّلة في رُقِيِّ معاني الإيمان في النَّفس؛ وهذا ما يدلُّ عليه قوله تعالى: {وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ} [إبراهيم: 7] فكان من آثار النِّعم أن تلهج الجوارح كلُّها بالشُّكر والثَّناء على الله تعالى، كدليل على فرح المرء بالنِّعمة، ومعرفته قدر ما أنعم الله به عليه، ولا يكون الشُّكر في وقت الإنعام إلَّا ممَّن استقرَّ الإيمان في قلبه فتدرَّج في مدارج الكمال، وارتقى في درجات الإحسان؛ لأنَّ النعم صارفةٌ عن التَّذكُّر - غالبًا - فلا يشعر معها المرء بالحاجة؛ قال الله تعالى مبيِّنًا عادة الإنسان مع الله إقبالًا وإحجامًا: {وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا} [الإسراء: 83] من أجل هذا كان الشَّأن أن يعرف العبد ربَّه بالشُّكر والتَّضرُّع والثَّناء وقت النِّعم؛ فمن وقع منه هذا وقت الرَّخاء والسَّعة كان جديرًا به وقت الشِّدة والضِّيق؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إليه في الرَّخاء، يعرفْك في الشِّدَّة» [1]
2 - قابلة للإثارة والإخماد:
فجموح الشَّهوة لا يكون إلَّا بتعرُّض النَّفس لمثيرات داخليَّة أو خارجيَّة تُسهم بدور كبير في إثارتها وحركتها، وسبيل إخماد نيرانها عدم التَّعرُّض لتلك الأسباب والمثيرات؛ فالشَّهوة مغروزة في النَّفس البشريَّة وقوَّة ثورانها أو انطفاء نيرانها مُرتهن بعلاقة المرء بأسباب الشَّهوات؛ فمن تعرَّض لما يُثيرها أُثيرت وجمحت كالفرس الجامح؛ فتأسره الشَّهوة حتَّى لا يستطيع أن يتحكَّم فيها، أو يكبت جماحها، ومن تجنَّب مثيراتِها وآثر السَّلامة والنَّجاة تحقَّق له ما سعى له، ومن وسائل إخماد وكبح الشَّهوة الجنسيَّة حتَّى لا تُصرَف في غير مسارها= غضُّ البصر، وتجنُّب الاختلاط بالنِّساء، وترك فضول التَّفكير في العلاقات الجنسيَّة، والفرار من المواقع والمشاهد المثيرة، والبعد عن الأطعمة والأشربة والأدوية الَّتي تثير الشَّهوة وتؤَجِّجها، وإشغال الوقت بكلِّ نافع ومُفيد من علم وعمل وعبادة، فلو أنَّ رجلًا يُعاني من جموح الشَّهوة الجنسيَّة شغل نفسه عن النَّظر ومشاهدة ما يُذكِّره بشأن النِّساء فإنَّ أثر الشَّهوة يقلُّ ويضعُف؛ لعدم توفُّر محرِّكاته ومُثيراته، والبعيد عن العين والذَّاكرة لا يتأثَّر به المرء تأثُّرًا كبيرًا؛ والنَّفس إن لم تُشغل بالحقِّ شَغلت بالباطل.
ولو أنَّ رجلًا يُعاني من شهوة السُّلطة وحب الرِّياسة والتصدر هجر مُثيراتها بأن تعرَّف على حجم المسئوليَّة الَّتي يتحمَّلها كلُّ مسئول، وتصفَّح صفحات التَّاريخ لينظر عاقبة كلِّ حريص على السُّلطة لمجرد إشباع الشَّهوة، ورضي من ذلك بسلطة تتناسب مع قدراته وإمكانيَّاته، وإلَّا يمنِّي نفسه بمكانة لا تُناسبه ولا تتوافق مع ملكاته؛ لأنَّها أمانة، فإنَّه سينجو بمثل هذا؛ وقد حرص النَّبيُّ على بيان أنَّ السُّلطة والإمارة أمانة عظيمة لا يطلبها المرء بل يُطلَب لها؛ لأنَّ طلبها يدلُّ على شيء في النَّفس يحول بين طالبها وعون الله تعالى؛ لما اشتملت عليه نفسُه من ثقة واتِّكال على القُدرة الذَّاتيَّة؛ فعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على مِنكبي ثمَّ قال ﷺ: «يا أبا ذرٍّ، إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة، وإنَّها يوم القيامة خزيٌ وندأمَّة، إلَّا من أخذها بحقِّها، وأدَّى الَّذي عليه فيها» [2]
وهذا البيان النَّبويُّ الشَّريف في حقِّ من لم يكن قادرًا على القيام بأعباء هذه الأمانة وتكاليف هذه المسئوليَّة، فأمَّا من كان أهلًا لها يمتلك من القدرات والمؤهَّلات ما يُمكِّنه من قيادة الأمَّة في أي جانب من جوانب المسئوليَّة فلا يتأخر، وله في نبيِّ الله يوسف عليه السَّلام الأسوة والقدوة حين قال: {قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ} [يوسف: 55] فهو نبيٌّ مؤهَّلٌ للقيادة والمسئوليَّة المتمثَّلة في الأمانة والعلم والتَّهيئة النَّفسيَّة؛ "فهذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لاسيَّما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وأمَّا الخِزي والنَّدامَّة فهو في حقِّ من لم يكن أهلًا لها، أو كان أهلًا ولم يعدِل فيها؛ فيُخزيه الله يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما فرَّط، وأمَّا من كان أهلًا للولاية وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصَّحيحة" [3]
3 - متعدَّدة القنوات:
فإنَّ الَّذي أودع الشَّهوة في النُّفوس أوجد من المسارات الشَّرعيَّة ما يُمكن أن تُصرف فيه الشَّهوة في مسارٍ نظيفٍ وقناةٍ صالحةٍ؛ فشهوة الفرج حين تشتدُّ على الإنسان يُوجَّه بقضائها في حلال من خلال الزَّواج الصَّحيح أو ملك اليمين - بضوابطه -، وشهوة المال حين تتغلَّب على المرء فإنَّ الإسلام يوجِّهه إلى الحصول عليه من طرق مشروعة كالبيع والتَّجارة والتَّكسُّب من خلال الوظيفة، وشهوة السُّلطة حين تلحُّ على الإنسان يوجَّه إلى أخذها بحقِّها والقيام بحقِّ الله فيها من التَّأهُّل والاستحقاق، مع القيام بالأعباء الَّتي تطلبها المعاملة من رعاية ومتابعة ووفاء بالحقوق، وهكذا في كلِّ شهوة تضعُف معها النَّفس، فتجاوُزها للقنوات الشَّرعيَّة إلى القنوات المحرَّمة هو عين الإفراط الَّذي نُهينا عنه؛ فلو أنَّ رجلًا عالج جموح شهوته بتعدَّد الزَّواج - وكان أهلًا له - لم يكن إفراطًا، ولو نكح امرأة واحدة لا تحلُّ له في الحرام كان إفراطًا؛ ولو أنفق الرَّجل ماله كلَّه في الحقِّ والخير ووجوه الإحسان لم يكن مبذِّرًا مُسرفًا، ولو أنفق مُدًّا يسيرًا في الباطل والحرام والزور كان مبذِّرًا مبدِّدًا؛ فالإفراط لا يُقاس بعدده، بل يُقاس بوجهه الَّذي وقع فيه.
4 - ميزانٌ للاستقامة والاعتدال:
فالاعتدال في الشَّهوات مقياس يُستدلُّ به على اعتدال المرء واستقامته، والإفراط فيها دليل على انحرافه واعوجاجه؛ والتَّوسُّط في كلِّ شيء دليل اعتدال وكمال؛ لأنَّه يتوسَّط بين طرفين مُتناقضين؛ الإفراط والتَّفريط، وقد جاء الإسلام لتهذيب الشَّهوة وتوجيهها نحو مساراتها الصَّحيحة الَّتي تضمن توسُّط المرء في جميع أمور حياته، ولم يهدف الإسلام إلى التَّخلُّص من الشَّهوة عن طريق القضاء عليها؛ لأنَّها مُرتكزة في الإنسان، وغلبتها والإفراط فيها سبب فساد وهلاك، والقصور والتَّفريط سبب في مضارٍّ وإهلاك؛ من هنا كان الخير في أن تُوجَّه توجيهًا يضمن اعتدالها وسلامتها وتحقيق المنفعة المقصودة منها؛ فالزَّواج مسلكٌ قويمٌ لتوجيه الشَّهوة الجنسيَّة يهدُف إلى بقاء النَّسل الإنسانيِّ، وتحقيق العفَّة والطُّهر في المجتمع، ويُحارب الرَّذيلة والفاحشة، وتحصيل المال من الأوجه المشروعة عن طريق البيع والتَّجارة والعمل الحلال مسلك قويم لتوجيه شهوة المال يهدُف إلى استغناء المرء عن الآخرين بحصول الكفاف والكفاية، ومحاربة ظواهر التَّسوُّل والفقر والجريمة الَّتي تنجُم بسبب قلَّة المال، والأخرى الَّتي تنجم بسبب كثرته؛ فالنَّقص له مضارٌّ، والزِّيادة لها ضريبة، وفي التَّوسُّط السَّلامة والنَّجاة، وليس المعنى أن يزهد المرء في الغنى، ولكن للغنى ضريبة قويَّة حيث تتأثَّر به النُّفوس الضَّعيفة فتطغى وتتكبَّر وتمنع الحقوق؛ لأجل هذا كان الغنى في حقِّ الصَّالحين نعمة؛ لأنَّهم يقدرون على توجيهه والانتفاع به؛ حيث يُوجهونه إلى رفع شأن الأمَّة، ورعاية المحتاجين، والإنفاق في وجوه الخير؛ والمال الَّذي يرعى الآخرين لهو مال عظيم يُبارِكه الله ويُنميه، وعلى كلِّ مسلم أن يعمل على الاستكثار منه، فيتنافس المسلمون في السَّعي إليه والحصول عليه، ومن ثَمَّ استثماره وتسخيره في كلِّ ما يحقِّق للأمَّة المسلمة العزَّة والسِّيادة ورفعة الشَّأن والعيش الرَّغيد؛ قال الله تعالى: {قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} [الأعراف: 32] وفي هذا قول النَّبيِّ ﷺ: «نِعم المال الصَّالح للرَّجل الصَّالح» [4] فالشَّرع لا يمنع من جمع المال والتَّزوُّد منه، وإنَّما يُوجِّه على جمعه من أوجهه المشروعة، وإنفاقه في أوجهه المقرَّرة؛ قال الإمام ابن الجوزيِّ رحمه الله: "وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلَّق جهلة المتزهِّدين ويرون أنَّ المال مانع من السَّبق إلى الخير، ويقولون: إذا كان ابن عوف يدخل الجنَّة زحفًا لأجل ماله كفى ذلك في ذمِّ المال، والحديث لا يصحُّ؛ وحوشي عبدالرَّحمن المشهود له بالجنَّة أن يمنعه ماله من السَّبق، لأنَّ جمع المال مباح، وإنَّما المذموم كسبه من غير وجهه، ومنع الحقِّ الواجب فيه، وعبدالرَّحمن يُنزَّه عن الحالين، وقد خلَّف طلحة ثلاثمئة حمل من الذَّهب، وخلَّف الزُّبير وغيره، ولو علموا أنَّ ذلك مذموم لأخرجوا الكلَّ، وكم قاصٍّ يتشوَّق بمثل هذا الحديث الباطل يحثُّ على الفقر ويذمُّ الغنى، فلله درُّ العلماء الَّذين يعرفون الصَّحيح، ويفهمون الأصول" [5] وأمَّا زيادة المال في حقِّ غير الصَّالحين فنقمة لا يسلمون من فتنته؛ قال تعالى: {وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ} [الأنفال: 28]
5 - توجيهها مقصد الإسلام:
لم يحرص الإسلام على القضاء على الشَّهوة، بل سعى لتقنينها وتوجيهها من خلال صرفها في مصارفها الَّتي جعلها كقنوات آمنة تُقضى فيها؛ فالتَّوجيه بأن تُوضع في محلِّها الصَّحيح؛ ومن ذلك توجيه شهوة المال بتشريعات تُبيِّن الأوجُه الَّتي يُكتسب منها المال بالطَّريقة الشَّرعيَّة الصَّحيحة من خلال البيع والشِّراء والعمل المشروع؛ قال تعالى: {...ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْ} [البقرة: 275] كما بيَّنت الأوجُه الَّتي يُمنع من خلالها اكتساب المال كالرِّبا، والسَّرقة، والغشِّ والخداع، والطُّرق الملتوية الَّتي تُؤخذ بها أموال النَّاس ظلمًا وعدوانًا؛ يقول الله: {وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} [البقرة: 188] وحدَّ حدودًا لمن تعدَّى على مال النَّاس بغير حقِّ؛ فأمر بقطع يد السَّارق؛ قال تعالى: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [المائدة: 38] ومن ذلك قول النَّبيِّ ﷺ: «وفي بُضْع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟ قال ﷺ: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» [6]
6 - تعدَّد صورها وأشكالها حتَّى تعمَّ الجوارح:
إنَّ الشَّهوة لا تُختزل في شهوة الفرج أو العين بل تتعدَّد حتَّى تظهر في الجوارح كُلِّها؛ فللأذن شهوة السَّماع، وللِّسان شهوة الكلام، ولليد شهوة البطش، وللعقل شهوة الشَّطط في الفكر، وللقلب شهوة الهوى، وهكذا تكثر مراكز الشَّهوة الَّتي تنتج من خلالها الأفعال القبيحة الدَّالَّة على الإفراط في استعمال الشَّهوة في غير منفذها الصَّحيح، وهذا يُحتِّم على المرء أن يكون حريصًا على رعاية جوارحه من خلال مقام المراقبة لله تعالى، والسَّعي على توجيه الشَّهوة وترشيدها لتكون في منافذها المقرَّرة لها شرعًا، فإنَّ المرء بين وسطٍ وطرفين؛ والوسط هو ما أمر الله تعالى به، والشطط هو ما دون ذلك نقصًا وزيادة.
7 - الجميع أمامها سواء عدا المعصومين:
فالشَّهوة لا تحصل لطائفة دون طائفة، بل هي مغروسة في كلِّ نفس بشريَّة؛ ولا سبيل لمحواها تحت أيِّ اعتبار، ولكنَّ الشَّأن في توجيهها لتُصرف في مصارفها المشروعة، وقد تضعف في سنٍّ كالشَّيب وتقوى في سنٍّ كالشَّباب، وتزداد في ظروف كالقوَّة والصِّحَّة، وتقلُّ في ظروف كالضَّعف والمرض، وهذا في الغالب؛ فقد نرى شيخًا مفتونًا بالشَّهوة مُشتهرًا بالتَّمادي والإفراط، وشابًّا معصومًا من لظاها معروفًا بالاقتصاد والإيمان، والسَّبب ينحصر في تمسُّك المرء بدينه أو انسلاخه منه؛ فكلَّما قوي الإيمان سلِم المرء من جموح الشَّهوة على قدر قربه وطاعته؛ لذا كان الأنبياء والمرسلون أبعدَ البشر عن شطط الشَّهوة وجموحها، فهم معصومون بعصمة الله لهم ليكونوا أهلًا للرِّسالة، وأمَّا الملائكة الكرام فلا شهوة لهم.
8 - جعل الله لكلِّ شهوة مصرفًا حلالًا تسير فيه:
"ولما سُلِّطت عليه الشَّهوة والغضب والشَّيطان أُعين بجند من الملائكة وجُعل له محلٌّ من الحلال يُنفِذ فيه شهواته، وجُعل بإزائه أعداء له يُنفِذ فيهن غضبه؛ فما ابتُلي بصفة من الصِّفات إلَّا وجعل لها مصرفًا ومحلًّا يُنفذها فيه؛ فجعل لقوَّة الحسد فيه مصرفًا وهو المنافسة في فعل الخير، والغِبطة عليه، والمسابقة إليه، ولقوَّة الكبر مصرفًا وهو التَّكبُّر على أعداء الله تعالى وإهانتهم؛ وقد قال النَّبيُّ ﷺ لمن رآه يختال بين الصَّفَّين في الحرب: «إنَّها لمشية يُبغضها الله إلَّا في هذا الموطن» [7] وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالغلظة على أعدائه، وجعل لقوَّة الحرص مصرفًا وهو الحرص على ما ينفع كما قال النَّبيُّ ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» [8] وجعل لقوَّة الشَّهوة مصرفًا وهو التَّزوُّج بأربع والتَّسرِّي بما شاء، وجعل لقوَّة حبِّ المال مصرفًا وهو إنفاقه في مرضاته تعالى، والتَّزوُّد منه لمعاده، فمحبَّة المال على هذا الوجه لا تُذمُّ، وجعل لمحبَّة الجاه مصرفًا وهو استعماله في تنفيذ أوامره، وإقامَّة دينه، ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإعانة الضَّعيف، وقمع أعداء الله؛ فمحبَّة الرِّياسة والجاه على هذا الوجه عبادة، وجعل لقوَّة اللَّعب واللَّهو مصرفًا وهو لهوه مع امرأته، أو بقوسه وسهمه، أو تأديبه فرسه، وكلُّ ما أعان على الحقِّ، وجعل لقوَّة التَّحيُّل والمكر فيه مصرفًا وهو التَّحيُّل على عدوِّه وعدوِّ الله تعالى بأنواع التَّحيُّل حتَّى يُراغمه ويردَّه خاسئًا، ويستعمل معه من أنواع المكر ما يستعمله عدوُّه معه، وهكذا جميع القوى الَّتي رُكبَّت فيه جعل لها مصرفًا، وقد ركَّبها الله فيه لمصالح اقتضتها حكمته، ولا يُطلَب تعطيلها، وإنَّما تُصرف مجاريها من محلٍّ إلى محلٍّ، ومن موضع إلى موضع، ومَن تأمَّل هذا الموضع وتفقَّه فيه علم شدَّة الحاجة إليه وعِظم الانتفاع به" [9]
(1) صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند: (عبدالله بن العبَّاس بن عبد المطَّلب رضي الله عنهما) برقم: (2803) وصحَّحه الشَّيخ الألبانيُّ في صحيح الجامع الصَّغير وزياداته لأبي عبدالرَّحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودريِّ الألباني، نشر: د.ط، بيروت، المكتب الإسلامي، برقم: (2961).
(2) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الإمارة) باب: (كراهتها) برقم: (1825).
(3) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النوويِّ، ط.2، بيروت، دار إحياء التراث العربي، سنة: 1392هـ، (12/210).
(4) صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند: (الشاميين) حديث: (عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النَّبيّ ﷺ) برقم: (17763) وابن حبَّان في صحيحه، كتاب: (الزكاة) باب: (ذكر الإباحة للرَّجل الذي يجمع المال من حلِّه إذا قام بحقوقه فيه) برقم: (3210) وصحَّحه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند وقال: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
(5) الموضوعات لجمال الدين عبدالرَّحمن بن علي بن محمد ابن الجوزيِّ، تح: عبدالرَّحمن محمد عثمان، ط.1، السعودية، المكتبة السَّلفيَّة بالمدينة المنوَّرة، سنة: 1386هـ/1966م، (2/13).
(6) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الزكاة) باب: (بيان أنَّ اسم الصَّدقة يقع على المعروف) برقم: (1006).
(7) ضعيف: أخرجه البخاري في تاريخه الكبير، باب: (الخاء) حديث: (خالد بن سلمة المخزومي) برقم: (531) والطبراني في معجمه الكبير، باب: (السين) حديث: (سماك بن خرشة أبو دجانة الأنصاري) برقم: (6508) وقال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه" يُنظَر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لأبي الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، تح: حسام الدين القدسي، د.ط، القاهرة، مكتبة القدسي، د.ت، سنة: 1414هـ/1994م، (6/109).
(8) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (القدر) باب: (في الأمر بالقوَّة وترك العجز، والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله) برقم: (2664) وابن ماجه في سننه، أبواب: (السُّنة) باب: (في القدر) برقم: (79) وأبواب: (الزهد) باب: (التوكل واليقين) برقم: (4168).
(9) التِّبيان في أقسام القرآن، لشمس الدِّين ابن قيم الجوزيَّة محمد بن أبي بكر بن أيُّوب الزَّرعيِّ الدِّمشقيِّ، تص: محمد حامد الفقي، ط.1، القاهرة، مكتبة حجازي، سنة: 1933م، (1/415) بتصرف يسير.