مادة الشَّهوة في القرآن الكريم
ولأهمِّيَّة الشَّهوة مُصطلحًا ومضمونًا ورد لفظ الشَّهوة في القرآن الكريم بأكثر من صيغة؛ لأهمِّيَّة أمرها، وإشارة إلى ضرورة العناية بها عن طريق الوقوف على ما يجوز منها وما لا يجوز حتَّى يسلم المرء من شرِّها، وقد وردت الكلمة اسمًا مفردًا، ومجموعًا، وفعلًا مُضارعًا:
1 - الاسم المفرد:
وقد ورد في موضعين في القرآن الكريم:
أ - قوله تعالى: {إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ} [الأعراف: 81]
ب - قوله تعالى: {أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ} [النمل: 55] وإنَّما أُفردت الشَّهوة في موضعيها لإرادة شهوة مخصوصة من جملة الشَّهوات، وهي الشَّهوة الجنسيَّة الَّتي بها يميل الرِّجال إلى النِّساء والعكس؛ ولقوَّة تأثيرها فقد هلك بها أقوام، ومن أكثر من ابتكر وتفنَّن في الشَّهوة الجنسيَّة قوم لوط؛ حيث أتَوا بفاحشة لم يسبقهم أحد ممَّن سبقهم إليها، وكلُّ من جاء بعدهم اقتدى بهم فيها؛ فكان جرمهم لا يُقارَن بغيرهم لأنَّهم تولَّوا كِبرها وتحمَّلوا كِفلها.
والمتأمِّل في الموضعين يرى ختم الآيتين بوصفين دقيقين: (الإسراف والجهل) وهما مُتلازمان؛ فما حصل إسراف إلَّا بجهل وزهد في العلم، وما حصل جهل إلَّا بإسراف في التَّجهيل ونفور من المعرفة؛ وهذان الوصفان ما اجتمعا في أحد إلَّا هلك، وإنَّما استحقَّ قوم لوط هذا المصير؛ لأنَّ العقاب على قدر الجُرم؛ فلمَّا شذُّوا عن قانون الفطرة، وأتَوا بفاحشة لم يُسبقوا بغيرها، كانوا قدوة فيها لمن بَعدهم، فجاء العقاب على قدر الجِناية؛ ليكون تذكيرًا لمن سار في طريقهم أن ينتبه إلى أليم ما حلَّ بهم من عقاب؛ ليتعبر ويتَّعظَّ ويبتعد عن مظاهر الإفراط في شهوة الفرج باقتراف هذه الفاحشة المنكرة، ومن عجبٍ أنَّ البعض يدعو إليها ويُروِّج لها باسم الحرِّيَّة الجنسيَّة الَّتي بها تُستباح المحرَّمات الَّتي لا تتوافق مع النَّفس المستقيمة، والفطرة السَّليمة، والشَّريعة القويمة.
2 - الاسم المجموع:
وقد ورد في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم:
أ - قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ} [آل عمران: 14] وإنَّما جُمعت الشَّهوة في هذا الموضع لمناسبة تعديد صُورها الواردة في الآية؛ حيث ذكر الله تعالى من جملتها: (شهوة النِّساء، والبنين، والمال) وإنَّما خصَّها دون سواها لتعلُّق جميع النُّفوس بها دون سواها؛ فكلُّ النَّاس مجبولون على حبِّها وطلبها، فهي بمثابة الشَّهوات العامَّة؛ فالنَّفس تُحبّ شهوة الولد، والمرأة، والمال؛ فبذلك يحصل النَّعيم العاجل للعبد في دنياه، يبقى عليه أن يُراقب الله تعالى فلا يستخدم النِّعم في معصية الله عزَّ وجلَّ، وهذا بخلاف الشَّهوات الخاصَّة الَّتي تكون في أفراد دون المجموع؛ كشهوة السُّلطة لا يطمح كلُّ النَّاس فيها، وإنَّما يُحارب عليها بعض نفرٍ ممَّن يرون في أنفسهم الأهليَّة للمنافسة على هذا الأمر الَّذي يحتاج إلى قوَّة في العلم والجسم، فيحصل التَّنافس الَّذي قد يصل بالعباد والبلاد إلى الهلاك بسبب التَّصارع على الكرسيِّ بين مجموعة من النَّاس، ولو تصارع كلُّ النَّاس على السُّلطة لهلك الأخضر واليابس والحجر والشَّجر.
وإنَّما ذكر الله تعالى شهوة البنين دون البنات فلم يُعبِّر بالولد عامَّة؛ لأنَّ المجتمع الجاهليَّ الَّذي عالجه التَّنزيل ابتداءً كان يُفضِّل الذُّكور على الإناث، ولا يرى لهنَّ قيمةً من النَّاحية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة؛ بل كان ينظر إليها كمتاع يُنتقل بالإرث إلى الولد الأكبر إذا كانت زوجة أبيه، مع إيمانهم بأنَّ البنت جالبة للخزي والعار والهوان والمذلَّة إلى العشيرة عندما تتعرَّض للسَّبي، أو الاغتصاب، أو نحو هذا؛ وقد صوَّر القرآن الكريم ذلك فقال سبحانه: {وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ * يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ} [النحل: 57، 59] من أجل هذا الشُّعور الَّذي انتابهم قاموا بالتَّخلُّص من البنات عن طريق الوأد والتَّورية في التُّراب في محاولة للتَّخلُّص من العار الَّذي يلحقهم عن طريقهنَّ، وقد أنكر الإسلام كلَّ هذا فقال سبحانه: {وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ * بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ} [التكوير: 8، 9] ولم يتوقَّف الإسلام عند حدِّ الإنكار بل عمل على تكريمهنَّ والدَّعوة إلى الإحسان إليهنَّ أمًّا، وزوجة، وبنتًا، وعمَّة، وخالة، إلخ...
ب - قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا} [النِّساء: 27] وإنَّما جُمِعت في هذا الموضع لأنَّ الآية تتكلَّم عن طائفة من الَّذين اتبعوا الشَّهوات ويرغبون في إضلال المسلمين بكلِّ سبيل ليعمَّ الفساد والانحراف، فكان الجمع للإشارة إلى كثرتهم وتعاطيهم صور الشَّهوات المحرَّمة المختلفة، وأنَّ هدفهم تعميم الشَّهوات ونشرها بين النَّاس، فلا يسعون لنشر شهوة واحدة، بل ينشرون السُّمَّ كلَّه ويرمون الشِّباك في كلِّ مجال؛ ليفتنوا المسلمين بكلِّ ما أوتوا من قوَّة في كلِّ ميدان؛ حتَّى تضعف قوَّتهم، فالعدوُّ يتربَّص بنا عن طريق إثارة شهوة الفرج بالفواحش والموادِّ الجنسيَّة الَّتي ينشرونها عبر المواقع، ويُسهِّلون الرَّوابط الَّتي تسمح لكلِّ أحدٍ بالمشاهدة والتَّواصل؛ لتتحقَّق الفتنة، وفي سوق الماليَّات يسعون لنشر الرِّبا من خلال فتح أبواب البنوك واتِّساع دوائرها، وإتاحة القروض العالميَّة للأفراد والدول؛ حتَّى يغرق المسلمون في المعاملات الماليَّة المحرَّمة؛ ويقع من البلاء ما يُغرق الأمَّة في آثار محاربة الله تعالى ورسوله ، وهكذا تتعدَّد جهودهم، وتتنوَّع مجهوداتهم في سبيل إلحاق الأذى بالمسلمين؛ حتَّى يميلوا ميلًا.
ج - قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا} [مريم: 59] والجمع في هذا الموضع دليلٌ على أنَّ من ضيَّع الصَّلاة غرق في صنُوف الشَّهوات؛ فكانت الصَّلاة هي الحصن الحصين الَّذي يحول بين العبد وبين الإسراف على نفسه في الذُّنوب والمعاصي؛ قال تعالى: {ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ} [العنكبوت: 45] فالاعتصام بالصَّلاة نجاة وعصمة ووقاية من كلِّ انحراف في بؤرة المعصية وبحار الشَّهوة، والنَّاظر إلى دنيا النَّاس يُدرك أن تارك الصَّلاة مُعرِض عن حبل النَّجاة، وطريق الهداية؛ فالشَّيطان عليه أقدر، والشَّهوات تغلبه، والفتن تصرعه، وينتقل من معصية إلى أخرى حتَّى يهلك؛ بسبب تخلِّيه عن سبيل السَّلامة، وطوق الأمان الَّذي ينجو بسببه؛ ولهذا جاء الجمع ليُشير إلى أهمِّيَّة الصَّلاة في حصول النَّجاة.
3 - الفعل المضارع، وقد وقع في سبعة مواضع في القرآن الكريم:
أ - قوله تعالى: {وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ} [النحل: 57] والمقصود بقوله سبحانه: {مَّا يَشۡتَهُونَ} أي ما يرغبون في نسبته لأنفسهم من الذُّكور، فقد تجرَّأ هؤلاء على نسبة الذُّكور لأنفسهم، ونسبة الإناث إلى الله تعالى زورًا وبهتانًا، وهذا من الافتراء البيِّن والجرأة الكبيرة حيث يختارون ويُفاضلون بين المخلوقات، وينتقون من جملتها ما يرونه حسنًا فينسبونها لأنفسهم، وأمَّا ما يرونه سيِّئًا يجلب العار والفضيحة ينسبونه إلى الله تعالى!.
ب - قوله تعالى: {وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ} [سبأ: 54] والمقصود بقوله سبحانه: {يَشۡتَهُونَ} أي مُنعوا من الإيمان والتَّوبة والعودة إلى الحياة الدُّنيا ليُؤمنوا ويتوبوا جزاء كفرهم وعنادهم في الدُّنيا، كما حصل مع أمثالهم من الكفرة على مدى الأزمان؛ قال العلَّامة الطَّاهر بن عاشور [1]: "أي وحالَ زجُّهم في النَّار بينهم وبين ما يأملونه من النَّجاة بقولهم: {وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ} [سبأ: 52] وما يشتهونه هو النَّجاة من العذاب أو عودتهم إلى الدُّنيا فقد حُكي عنهم في آيات أخرى إنَّهم تمنَّوه: {فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمنِّينَ} [الأنعام: 27]" [2]
ج - قوله تعالى: {نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31] ومعنى قوله تعالى: {مَا تَشۡتَهِيٓ} ما تطلبه النَّفس من كلِّ كرأمَّة ولذَّة وشهوة ونعمة جزاء صبرهم في الدُّنيا على الطَّاعات فعلًا والمعاصي تركًا؛ يقول الإمام الطَّبريُّ: "ولكم في الآخرة عند الله ما تشتهي أنفسكم من اللَّذَّات والشَّهوات" [3] فاستحقُّوا ما حرموا أنفسهم منه في الدُّنيا؛ لأنَّها دار الاختبار والفتنة، فإذا ثبت على طاعة الله تعالى، وحرم نفسه من الملذَّات المحرَّمة عليه؛ إرضاءً لله تعالى وابتغاء وجهه الكريم، كان من جزاء الله تعالى أن يمنحه ما منعه عنه؛ إكرامًا وإنعامًا؛ فكان الجزاء من جنس العمل، وأمَّا من تجرَّأ على الحرام، واقتراف السَّيِّئات والآثام، فإنَّ الله تعالى يحرمه من ديمومة اللَّذَّة في الدُّنيا، ومن حصولها في الآخرة؛ فقد تعجَّل حظَّه في الدُّنيا؛ قال تعالى: {وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ} [الأحقاف: 20] فلمَّا سلكوا طريق الحرام بفعل ما نُهوا عنه؛ حُرموا من الحصول عليه يوم القيامة؛ فيا سعادة من ترك الفاني المؤقَّت من أجل الباقي الدَّائم.
د - قوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [الزخرف: 71] والمعنى أنَّ ما تطلبه نفوس أهل الجنَّة وتشتهيه يأتيهم إلى مكانهم، وفي أفضل صورة وأجمل هيئة؛ يقول القرطبيُّ: "أي لهم في الجنَّة أطعمة وأشربة يُطاف بها عليهم في صِحاف من ذهب وأكواب، ولم يذكر الأطعمة والأشربة؛ لأنَّه يعلم أنَّه لا معنى للإطافة بالصِّحاف والأكواب عليهم من غير أن يكون فيها شيء، وذكَر الذَّهب في الصِّحاف واستغنى به عن الإعادة في الأكواب كقوله تعالى: {وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ} [الأحزاب: 35]" [4]
ه - قوله تعالى: {وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ} [الطور: 22] والمعنى: ما تطلبه نفوسهم من الفواكه واللُّحوم أطيب مما يُشتهَى، وبمجرَّد حصول التَّفكير في شيء منه مع الزِّيادة فوق ما يطلبونه إمعانًا في الإكرام والإحسان؛ يقول ابن عطيَّة [5]: "إشارة إلى ما رُوي من أنَّ المنعَّم إذا اشتهى لحمًا نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة الَّتي اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنَّة لحم يخزَّن ولا يُتكلَّف فيه الذَّبح والسَّلخ والطَّبخ" [6] وهذا بسبب ما حرموا أنفسهم منه من لذَّة الشَّهوة، فأبدلهم الله تعالى به أفضل ما حصَّله الآخرون بجرأتهم على الله تعالى، وفيها إشارة إلى فضيلة من يحبس شهوته عن الحرام؛ طمعًا في عظيم فضل الله تعالى.
و - قوله تعالى: {وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ} [الواقعة: 20، 21] والمعنى: ينالون من الفواكه واللُّحوم ما يخطر ببالهم بمجرَّد حصوله، والنَّاظر في النَّصَّين السَّابقين يرى أنَّ الفاكهة قُدِّمت على اللَّحم فيهما، وتوجيه هذا أنَّهم يأكلون على سبيل التَّلذُّذ والتَّفكُّه والتَّنعُّم لا على سبيل الجوع والحاجة؛ فإنَّ الجائع يُقدِّم الدَّسم من الطَّعام لا ما خفَّ واستطاب؛ لأنَّ هدفه سدُّ حاجة النَّفس وحصول الشِّبع، وهذا حاصل لأهل الجنَّة، يقول العلَّأمَّة الآلوسيُّ [7]: "وتقديم الفاكهة على اللَّحم للإشارة إلى أنَّهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللَّحم كما في الجائع؛ فإنَّ حاجته إلى اللَّحم أشدُّ من حاجته إلى الفاكهة، بل هم بحالة تقتضي تقديم الفاكهة واختيارها كما في الشَّبعان فإنَّه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللَّحم" [8] وهذا ممَّا يدلُّ على سعة عطاء الله تعالى لأهل الجنَّة؛ فهم في شِبعٍ يجعلهم يأكلون ما يُتفكَّه به، ويُؤخِّرون اللَّحم وهو سيِّد الطَّعام، وله تهفو النَّفس، وتطرب البطن؛ فيُعطيهم الله تعالى ما يطعمون ويتفكَّهون به؛ فيا لها من عيشة سعيدة، وما أجهل من آثر الدُّنيا ولذَّتها الزَّائلة على الآخرة والجنَّة وخيراتها اللَّذيذة النَّافعة!.
ز - قول الله تعالى: {وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشۡتَهُونَ * كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [المرسلات: 42، 43] والمعنى: ما يتمنَّونه من أشكال النَّعيم الثَّابت الدَّائم المستقرِّ؛ إمعانًا في التَّنعُّم واللَّذة؛ يقول الإمام أبو السُّعود [9]: "أي مستقرُّون في فنون التَّرف وأنواع التَّنعُّم" [10]
وممَّا يُلاحظ في صيغة المضارع السَّابقة ما يلي:
1 - جُلُّ مواضعه - باستثناء الأُوليين - وردت فيما يتعلَّق بالآخرة، وبالأخصِّ في بيان نعيم أهل الجنَّة من مأكل ومشرب وشهوة؛ لأنَّهم هجروا التَّلذُّذ بحرامها في دنياهم طاعة وامتثالًا لأمر الله ورسوله فكان جزاء من تحمَّل نار الشَّهوة في الدُّنيا فترك الحرام مع قدرته عليه أن يُجازى في الآخرة بأن تُلبَّى له كلُّ مطالبه، وفيه تحفيز للنَّفس على اجتناب التَّجاوز في الشَّهوة، وصرفها في مواضعها المقرَّرة لها؛ طلبًا للنَّعيم الدَّائم واللَّذَّة الخالية من كلِّ ندامَّة وحسرة؛ فلذَّة الشَّهوة في الآخرة مُطعَّمة بالسَّعادة والأمن؛ لأنَّها مُكافأة على الصَّبر في زمن الاختبار في الدُّنيا.
2 - التَّبعيض في المواضع الثَّلاثة الأخيرة يحمل معنى التَّوسُّع في صنوف التَّلذُّذ بالنَّعيم؛ فليس النَّعيم قاصرًا على الحصول على الفواكه واللُّحوم وفقط، فهذه من جملة ما يشتهونه ويُحصِّلونه، فكلُّ سؤل مُجاب، وكلُّ طلب مُلبَّى، وكلُّ رغبة مُتحقِّقَة، وهذا غاية الإكرام، ومُنتهى النَّعيم إلَّا يقتصر على صنف مُعيَّن أو شيء مُحدَّد؛ يقول العلَّامة الطَّاهر بن عاشور: "فالتَّبعيض الَّذي دلَّ عليه حرف (من) تبعيض من أصناف الشَّهوات لا من أصناف الفواكه؛ فأفاد أنَّ تلك الفواكه مضمومة إلى ملاذٍّ أخرى مما اشتهوه" [11]
(1) الطَّاهر بن عاشور: محمد الطَّاهر بن محمد بن محمد الطَّاهر بن محمد بن محمد الشَّاذلي بن عبد القادر ابن عاشور، ولد عام: 1296هـ، ومن شيوخه: جده لأمه محمد العزيز بوعتور، ومحمد النخلي، وغيرهما، ومن طلابه: ابناه محمد الفاضل وعبدالملك، ومحمد الحبيب الخوجة، وغيرهم، ومن مؤلفاته: التحرير والتنوير، ومقاصد الشريعة الإسلامية، وغيرها الكثير، وتوفي سنة: 1393هـ. يُنظَر: الأعلام، للزركلي (6/174)، وشيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور حياته وآثاره، د. بلقاسم الغالي، ط.1، بيروت، دار ابن حزم، سنة: 1416هـ/1996م.
(2) تحرير المعنى السَّديد، وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، للعلامة محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التُّونسيِّ، د.ط، تونس، نشر: الدَّار التُّونسيَّة للنشر، سنة: 1984م، (22/245).
(3) جامع البيان لأبي جعفر الطَّبريّ، (21/468).
(4) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبدالله القرطبي، (16/111).
(5) ابن عطية: عبدالحقّ بن غالب بن عبدالرَّحمن بن عبدالرءوف بن تمام بن عبدالله بن تمام بن عطيّة المحاربيِّ، ولد عام: 480هـ، ومن شيوخه: والده، وأبو علي الغساني، وأبو المطرف الشعبي، وأبو القاسم المقبري، وغيرهم، ومن طلابه: أبو بكر الإشبيلي، وابن أبي جمرة، وأبو القاسم بن حبيش، وغيرهما، ومن مؤلفاته: المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، وفهرسة ابن عطية، وتوفي سنة: 541هـ. يُنظَر: سير أعلام النبلاء لأبي عبدالله الذَّهبيِّ، (19/588، ت:337)، وطبقات المفسرين للداودي (1/256، ت: 251).
(6) المحرِّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبدالحقِّ بن غالب ابن تمام بن عطيَّة الأندلسيِّ، تح: عبدالسَّلام عبدالشافي محمد، ط.1، بيروت، دار الكتب العلمية، سنة: 1422هـ، (5/190).
(7) الألوسي: شهاب الدين أبو الثَّناء محمود بن عبدالله الحسيني الألوسي، ولد عام: 1217هـ، ومن شيوخه: علي السويدي، وعبدالرَّحمن الكزبري، ويحيى العمادي، وغيرهم، ومن طلابه: محمد بن حميد الشرقي، وصالح الموصلي السعدي، وغيرهما، ومن مؤلفاته: روح المعاني، وغرائب الاغتراب، وكشف الطرة عن الغرة، وغيرها الكثير، وتوفي سنة: 1270هـ. يُنظَر: الأعلام، للزركلي (7/176)، والمسك الأذفر في نشر مزايا القرنين الثَّاني عشر والثَّالث عشر، لشهاب الدين محمود شكري الألوسي، تح: عبدالله الجبوري، ط.1، بيروت، الدار العربية للموسوعات، سنة: 1427هـ/2007م، (5).
(8) المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي، (5/190).
(9) أبو السعود: محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي، ولد عام: 898هـ، ومن شيوخه: مؤيَّد زاده، وابن كمال باشا، وسعدي جلبي وغيرهم، ومن طلابه: عبدالكريم زاده، وابن بزن، ومحمد النقيب، وغيرهم، ومن مؤلفاته: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، وتحفة الطلاب في المناظرة، وقانون المعاملات، وغيرها الكثير، وتوفي سنة: 982هـ. يُنظَر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لأبي الفلاح عبدالحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العَكريِّ الحنبليِّ، تح: محمود الأرنؤوط، ط،1، سوريا، دار ابن كثير، سنة: 1406هـ/1986م، (10/584)، والأعلام للزركلي، (6/59).
(10) إرشاد العقل السليم لأبي السعود محمد بن محمد بن مصطفى العماديِّ، د.ط، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت، (9/82).
(11) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، (29/443).