الأسباب الذَّاتيَّة النَّفسيَّة للإفراط في الشَّهوات
لا تزال الشَّهوة الكامنة في النَّفس البشريَّة مستقرَّة هادئة لا تُحدِث للإنسان قلقًا ما لم يسع لاستثارتها وتأجيج نيرانها بما يفعله من بعض السُّلوكيَّات والإجراءات الَّتي تنشِّطها وتنعشها؛ والأسباب الَّتي تُسهم بدور كبير في زيادة ضرر الشَّهوة كثيرة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
الأوَّل: أسباب خارجيَّة:
وهي الحاصلة نتيجة توافر عوامل خارجيَّة عن ذات الإنسان في بيئته تؤزُّه على فعل المعصية، وتزيِّن له الشَّهوة، وهذه الأسباب يمكن للمرء تجنُّبها إذا أراد أن يسلم من أذاها، ويتجنَّب ويلاتها، ومهما عظمت فصدق إرادة المرء في التَّخلُّص من آثار الفتنة، ونيران الإفراط في الشَّهوة يغلبها ويُعين عليها؛ ويُمكن ذكر تلك الأسباب الخارجيَّة في مقال لاحق.
الثَّاني: الأسباب الدَّاخليَّة:
وهي المعينات على التَّعدِّي والتَّجاوز والإسراف والتَّوسُّع في الحرام واستثارة النَّّفس إلى تحطيم القيود الحاصلة من داخل الإنسان بإعانة النَّفس عليها، ودعوتها إليها؛ ويمكن ذكر تلك الأسباب - ليحذر منها المرء - فيما يلي:
أوَّلًا: التَّفكير في الشَّهوة إرضاءً للنَّفس:
فإنَّ التَّفكير في الشَّيء يجدِّده في النَّفس، ويرغبها في مواقعته؛ لذا كان من أعظم أسباب جموح الشَّهوة والإفراط فيها؛ قال الإمام ابن الجوزيِّ رحمه الله: "ومتى لم تزجر النَّفس عن الهوى هجم عليها الفكر في طلب ما شغفت به؛ فاستأنست بالآراء الفاسدة، والأطماع الكاذبة، والأماني العجيبة، خصوصًا إن ساعد الشَّباب الَّذي هو شعبة من الجنون وامتدَّ ساعد القدرة إلى نيل المطلوب" [1] فإنَّ المرء حين يستعرض في نفسه ومخيِّلته صورًا لامرأة رآها تتحرَّك النَّفس شوقًا لما رأت، الأمر الَّذي تنشط معه الشَّهوة وتثور، ويسعى المرء لتلبية رغبته في فعل الشَّيء المحرَّم؛ لكونه فكَّر فيه؛ قال الحكيم للملك: "إنَّ الشَّهوة من نتاج الفكر" [2]
إنَّ الانشغال بالتَّفكير في الأمور المتعلِّقة بزوايا الشَّهوة من شأنه أن يُثير الإنسان ليصل به إلى مرحلة من إشعال نار الشَّهوة في النَّفس لا تكاد تهدأ معه إلَّا بتلبية مطلبها المتمثِّل في القيام بإشباع الرَّغبة في فعل ما أثارها؛ فالمرء حين يفكِّر كثيرًا ويتطلَّع لما ليس عنده من الطَّعام فإنَّ شهوة الجوع تتغلَّب عليه حتَّى تجبره على الإقدام على سدِّ جوعه وتحصيل ما تمنَّى من الطَّعام ولو بالسَّرقة والسَّطو على حقوق الغير! وكذلك لو أدمن المرء التَّفكير في شهوة الفرج وما يتعلَّق بذلك من لذَّة الجماع فإنَّه قد يسعى للمواقعة في الحرام؛ طلبًا لراحته وتلبية لرغبته في قضاء شهوته، وما لم يفعل ذلك فإنَّه يبقى في إحساس بالألم النَّفسيِّ ما لم يستجب لشهوته؛ وقد حثَّنا القرآن الكريم على عدم الميل إلى النَّفس فإنَّها تسعى للحثِّ على ارتكاب المعصية ومُقارفة الذَّنب؛ قال الله تعالى: {وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [يوسف: 53] "والمراد أنَّها كثيرة الميل إلى الشَّهوات مستعملة في تحصيلها القوى والآلات" [3] فالنَّفس سبب من أعظم أسباب إدمان الحرام والوقوع فيه؛ فبها يشقى الإنسان أو يسعد؛ "وأمر النَّفس بالسُّوء يبعث على ارتكابه في كلِّ الأوقات إلَّا وقت رحمة الله عبده، أي رحمته بأن يُقيِّض له ما يصرفه عن فعل السُّوء، أو يُقيِّض حائلا بينه وبين فعل السُّوء" [4]
ثانيًا: شبع البطن وامتلاؤها:
فالبطن منفذ سريع للقلب؛ فإذا امتلأت بالطَّعام أثقلت الجوارح عن العبادة بسبب التُّخمة أو السِّمنة، وأقعدت القلب عن الطَّاعة، وفتحت على الإنسان بابًا للمعصية؛ قال الإمام ابن الجوزيِّ رحمه الله: "اعلم أنَّ القلب في أصل الوضع سليم من كلِّ آفة، والحواسَّ الخمس توصِّل إليه الأخبار فترقم في صفحته؛ فينبغي أن يَستوثِق من سدِّ الطُّرق الَّتي يُخشى عليه منها الفتن؛ فإنَّه إذا اشتغل بشيء منها أعرض عمَّا خلق له من التَّعظيم للخالق والفكر في المصالح، ورُبَّ فتنة علَق به شباها فكانت سببًا في هلاكه" [5] فالبطن إذا شبعت زادت الشَّهوة وتحكَّمت في صاحبها، وجرَّت عليه كل بليَّة؛ "والبطن على التَّحقيق يُنبوع الشَّهوات، ومنبت الأدواء والآفات؛ إذ يتبعها شهوة الفرج وشدَّة الشَّبق إلى المنكوحات، ثمَّ تتبع شهوةَ الطَّعام والنِّكاح شدَّةُ الرَّغبة في الجاه والمال اللَّذين هما وسيلة إلى التَّوسُّع في المنكوحات والمطعومات، ثمَّ يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرُّعونات وضروب المنافسات والمحاسدات، ثمَّ يتولَّد بينهما آفة الرِّياء وغائلة التَّفاخُر والتَّكاثُر والكبرياء، ثمَّ يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد والعداوة والبغضاء، ثمَّ يُفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء، وكلُّ ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولَّد منها من بطر الشِّبع والامتلاء، ولو ذلَّل العبد نفسه بالجوع وضيَّق به مجاري الشَّيطان لأذعنت لطاعة الله عزَّ وجلَّ ولم تسلُك سبيل البطر والطُّغيان ولم ينجرَّ به ذلك إلى الانهماك في الدُّنيا وإيثار العاجلة على العُقبى" [6] فكم من بليَّة كانت البطن أصلها، والباعث الكبير عليها؛ فمن ملك بطنه كان على غيرها أقدر؛ لأنَّها منفذ عظيم من منافذ الشَّهوة، فالإهمال فيها بإقحام الطَّعام على الطَّعام والشَّراب على الشَّراب يُهلك البدن، ويُقوِّي الشَّهوة، ويُقعد عن العبادة، ويفتح المنافذ الواسعة للمنكرات، هذا إذا أسرف في أكل المباح، فإنَّ أكل حرامًا فالبلاء مُضاعف، والشَّقاء حاصل؛ لذا جاء النَّهي عن الإفراط في شهوة البطن، وهذا ما تتناوله الدِّراسة في الفصل الأوَّل.
ثالثًا: التطلُّع إلى الحرام من خلال وسائل الإعلام:
فإنَّ ما نشاهده من تطوُّر في وسائل الإعلام المرئيَّة والمسموعة الحديثة من الفيسبوك، والانستجرام، واليوتيوب، وتويتر، وغيرها، يمكن أن يكون سببًا في جموح شهوة الإنسان؛ فالإعلام سلاح ذو حدَّين؛ حيث حرص كثير من النَّاس على الاستفادة من هذا التَّطوُّر الهائل في الوسائل المختلفة بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وعلى النَّقيض تمامًا نرى البعض يستخدم هذا التَّطوُّر التُّكنولوجيَّ في وسائل التَّواصل بطريقة تمكِّنهم من إشباع رغباتهم وشهواتهم عن طريق العكوف على المقاطع الإباحيَّة، أو إدمان الصُّور الجنسيَّة، أو عمل حسابات وهميَّة لتكسُّب المال من الحرام، أو بثِّ الكذب، والخداع، والتَّرويج للكذب في برامج تُبثُّ عبر تلك الوسائل، ونحو ذلك ممَّا لا يخفى على بصير.
وكلُّ هذه الإجراءات الَّتي يقوم بها البعض تُؤدِّي بهم وبغيرهم من متابعيهم إلى جُموح الشَّهوات، وازدياد نيران الهوى، واشتعال لهيب المعصية من خلال استثارة الكوامن الخفيَّة في النَّفس البشريَّة، مما يُؤدِّي إلى إغراق المجتمعات لاسيَّما الشَّباب في براثن الشَّهوة، فلا يتركون بابًا من أبواب الشَّهوة إلَّا طالعوه؛ فأثمرت المتابعة المرئيَّة والمسموعة تحرُّك غوائر الشَّهوة في النُّفوس، ومن ثمَّ يسعى هؤلاء إلى تلبية رغبة النَّفس، واتِّباع هواها، فيُصبح المجتمع في مستنقع من الرَّذيلة النَّاتجة عن مُطالعة الحرام، ولو أنَّ المرء أغلق هذا الباب على نفسه لمنع كثير من البلاء الواقع في المجتمعات؛ إذ تسلم النُّفوس من الإثارة وجموح الشَّهوات؛ فينتج عن ذلك سلامة الفرد والمجتمع.
والمتتبِّع لمنهج القرآن الكريم يرى أنَّه قرَّر أن يمتنع المرء عن الاقتراب من الحرام؛ والحرام ما مُنع المرء من فعله بأيِّ وسيلة، وعُبِّر عن الممنوع بالحرام لاعتباره حرمًا لا يجوز للمرء الاقتراب منه؛ وفيه إشارة إلى ضرورة البعد عن كلِّ محرَّم؛ لما فيه من قوَّة تجذب إليه، والمرء بطبعه ضعيف لا يقوى على مواجهته؛ فإنَّ النَّفس ضعيفة، والفتنة خطافة؛ قال تعالى: {وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} [الإسراء: 32] نهى عن القرب دون المواقعة؛ ليُشير إلى أنَّ مجرَّد الاقتراب مُؤذنٌ بالوقوع في المعصية، فنهى عن كلِّ ما يُوصِّل إليها؛ "فالله تعالى يعمد إلى الطَّريق الَّتي تؤدي إلى الفاحشة فيسدُّها وينهانا عن الاقتراب منها، ويُهذبنا ويُؤدِّبنا بأدبه العالي؛ فينهانا عن الاقتراب من ساحتها، فلا يكتفي بالنَّهي عن الزِّنا فحسب، بل ينهانا عن القُرب فيقول سبحانه: {وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ} [الإسراء: 32] فكثيرًا ما نحذِّر أولادنا عن الأشياء المخوِّفة فنقول: (لا تقربوا النَّار) لأنَّنا نعلم أنَّهم عند الاقتراب منها تلهب ثيابهم ولا يشعرون" [7] فالشَّهوة تجذب المرء إليها إذا عالج أسبابها واقترب منها؛ "فمنطقة الشَّهوة مثل منطقة تيار كهربائيِّ قوَّته= (8000) فولت، فمجال هذا التَّيَّار ثمانية أمتار، من دخل في مجاله أصبح فحمة سوداء من قوَّة جذبة؛ ولهذا يضعون أسلاكًا شائكة حوله بمقدار المجال، وزيادة في الاحتياط يضعون دائرة ثانية من الأسلاك ويكتبون عليها: (ممنوع الاقتراب) ومن هنا منعت الشَّريعة الاقتراب من المنطقة المحيطة بالفاحشة" [8] وفي هذا المعني يقول النَّبيُّ ﷺ: «كراع يرعى حول الحمى، يُوشك أن يُواقعه، ألا وإن لكلِّ ملك حمى، ألا إنَّ حمى الله في أرضه محارمه» [9] "ومعناه: أنَّ ملوك العرب وغيرهم يكون لكلِّ ملك منهم حمى يحميه عن النَّاس ويمنعهم دخوله؛ فمن دخله أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه فلا يُقارب ذلك الحمى خوفًا من الوقوع فيه، ولله تعالى أيضًا حمىً وهي محارمه؛ أي المعاصي الَّتي حرَّمها الله عزَّ وجلَّل كالقتل، والزَّنى... فكلُّ هذا حمى الله تعالى، من دخله بارتكابه شيئًا من المعاصي استحقَّ العقوبة، ومن قاربه يُوشك أن يقع فيه، فمن احتاط لنفسه لم يقاربه ولم يتعلَّق بشيء يقرِّبه من المعصية فلا يدخل في شيء من الشُّبهات" [10]
إنَّ الانفتاح التُّكنولوجيَّ الَّذي أتاح للشَّباب الحصول السَّهل على موادِّ الإغراء من مقاطع إباحيَّة، ومناظر خليعة، وصور عارية، ممَّا أنتج إثارة كوامن الشَّهوة الحارقة في النَّفس؛ ممَّا يُؤدِّي إلى سعيه لإخمادها دون جدوى، فلا يجد أمامه في وقته - الَّذي أُغلقت فيه عليه منافذ العقل - إلَّا السَّير في طريق الحرام، فيتمسَّك به تمسُّك الحمار بالجيفة، فما يفيق إلَّا وقد أفسد نفسه، وغيره، وساهم في دمار المجتمع بفاحشته؛ لذا نهانا الله تعالى في القرآن الكريم عن مجرَّد اتِّباع خطوات الشَّيطان؛ والَّتي منها تذليل الصُّعوبات في طريق المعصية، وتزيينها للمرء عن طريق إثارتها وتحسينها في عينه ليُواقعها؛ قال الله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ} [العنكبوت: 38] "والمراد زيَّن لهم أعمالهم الشَّنيعة فأوهمهم بوسوسته أنَّها حسنة" [11] "والتَّزيين جعله محبوبًا للنَّفس مُشتهًى للطَّبع وإن لم يكن في نفسه كذلك، وهذا إمَّا بمعنى خلق الميل في النَّفس والطَّبع، وإمَّا بمعنى تزويقه وترويجه بالقول وما يُشبه كالوسوسة والإغواء" [12] فهذا التَّزيين والتَّحلية والتَّجميل من الكذب والتَّضليل؛ "وشياطين الجنِّ والإنس يجرون النَّاس إلى النَّظر، ويهوِّنون لهم من خطره، وهم يعلمون أنَّه عظيم، وأنَّه لا سلامة لهم بعد النَّظر" [13] فالتَّخدير الحاصل للمرء عند المعصية بسبب قوَّة الفتنة والتَّلبيس والتَّزيين.
رابعًا: الغفلة عن الطَّاعة:
سبب رئيس في الإفراط في الشَّهوات؛ فالغافل مغيَّب عن وعيه، وما وقعت الغفلة إلَّا جرَّت على الإنسان سيلًا جرَّارًا من الخطايا والأوزار، وهي فرصة الشَّيطان الكبرى الَّتي يسعى لاستثمارها في إغواء الإنسان وإيقاعه في شَرَك المعصية، ومع الغفلة تتحرك كوامن الشَّهوة في النَّفس؛ فيفرط المرء في استخدامها وتوجيهها إلى الحرام، وهي من أمارات الخذلان والضِّياع؛ لذا كان الموفقون لا يغفلون عن الله تعالى طرفة عين؛ قال تعالى: {وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} [الكهف: 28] "وقوله تعالى: {وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ} فيه وجهان: أحدهما: في شهواته وأفعاله. والثَّاني: في سؤاله وطلبه التَّمييز عن غيره" [14] "وقوله تعالى: {وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ} أي مراده في طلب الشَّهوات" [15] والمعنى: "ولا تطع في تنحية الفقراء عن مجلسك من جعلنا قلبه غافلًا عن ذكر الله تعالى، لسوء استعداده، واتِّباع شهواته، وإسرافه في ذلك غاية الإسراف، وتدسيته نفسه، حتَّى ران الكفر والفسوق والعصيان على قلبه، وتمادى في اجتراح الآثام والأوزار" [16] وكم من معصية ارتكبها الإنسان تحت تأثير الغفلة فلمَّا أفاق من غفلته، واستيقظ من نومته؛ عضَّ أصابع النَّدم على ما فرط وأحدث، ولولا أن تمكنت منه الغفلة لما عصى؛ "فلا نوم أثقل من الغفلة، ولا رقَّ أملك من الشَّهوة، ولولا ثقل الغفلة لم تظفر بك الشَّهوة" [17] فالإفراط في الشَّهوة على قدر التَّعمُّق في الغفلة؛ فزيادة الغفلة توصِّل إلى التَّوسُّع في الإفراط في السَّيِّئات والشَّهوات، ومع اليقظة والتَّنبُّه في السَّير إلى الله تعالى يقلُّ الإفراط ومظاهر وآثار التَّمادي في الحرام؛ فالعدوُّ ينتظر غفلة النَّفس حتَّى يُوقع العبد؛ قال الله تعالى: {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗ} [النِّساء: 102]
خامسًا: اتِّباع الهوى:
وهو مُسقط لصاحبه في بؤرة الهلاك؛ "والهوى ما تدعو إليه النَّفس وشهوتها، والهوى من الهُوِيِّ - بضمِّ الهاء وكسر الواو وتشديد الياء - بمعنى السُّقوط؛ لسقوط صاحبها وانكبابه إلى ما يهويه" [18] وهو أصل كلِّ شرٍّ وفتنة وبلاء؛ واتِّباعه سبب في عدم الاستجابة للحقِّ والتَّمادي في طريق الباطل؛ قال تعالى: {فإنَّ لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ ممَّن ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [القصص: 50] وما ذكره الله إلَّا مذمومًا؛ قال عبدالله ابن عبَّاس رضي الله عنهما: "ما ذكر الله عزَّ وجلَّ الهوى في موضع من كتابه إلَّا ذمَّه" [19]
وصاحب الهوى ضعيف العقل، لا يتمكن من النَّظر في عواقب الأمور؛ فيتَّبع هواه بمجرَّد دعوته إلى فعل الحرام، ولو اعتمد على إيمان في قلبه، أو حكمة في عقله لما استجاب لداعية هواه؛ قال الإمام ابن حبَّان رحمه الله [20]: "والعقل والهوى متعاديان، فالواجب على المرء أن يكون لرأيه مُسعفًا، ولهواه مسوِّفًا، فإذا اشتبه عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه؛ لأنَّ في مُجانبته الهوى إصلاح السَّرائر، وبالعقل تُصلح الضَّمائر" [21] فالهوى إله يُعبد من دون الله عند كثير من النَّاس؛ قال تعالى: {أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا} [الفرقان: 43] فصاحب الهوى متَّبع لما يُوافق هواه وإن كان حرامًا؛ فمقياس الحرمة والحلِّ عنده ما وافق الهوى؛ قال قتادة: "إنَّ الرَّجل إذا كان كلَّما هوي شيئًا ركبه، وكلَّما اشتهى شيئًا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى؛ فقد اتَّخذ إلهه هواه" [22] ومن اتَّبع هواه فإنَّه يسوقه إلى الرَّذائل، ويقوده إلى القبائح؛ فلا يترك سبيلًا من سبل الحرام إلَّا اقتحمه، وفي اتِّباع المرء لهواه هلاك له ولغيره؛ قال النَّبيُّ ﷺ: «ثلاثٌ مُهلكات: فشحٌّ مطاع، وهوىً متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه» [23] وقد حذَّر النَّبيُّ ﷺ أمَّته من الهوى؛ فقال: «وإنَّه سيخرج من أمَّتي أقوام تُجارى بهم تلك الأهواء، كما يُتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عِرق ولا مفصَّل إلَّا دخله» [24] ويزداد الهوى حين يقترب المرء من المعصية، ويتهاون في اقتحام أسبابها؛ "وأصل غلبة الهوى مُقاربة الشَّهوات، فإذا غلب الهوى أظلم القلب، وإذا أظلم ضاق الصَّدر، وإذا ضاق الصَّدر ساء الخلق، وإذا ساء الخلق أبغضه الخلق، وإذ أبغضه الخلق أبغضهم، وإذا أبغضهم جفاهم، وإذا جفاهم صار شيطانًا رجيمًا" [25] وصاحب الهوى منهزم باتِّباعه لهواه؛ ولو كان قويًّا ما تمكَّن الهوى منه؛ "فالمغلوب بموافقة الهوى والنَّفس مقهورٌ؛ ولذلك تجد في نفسه ذلًّا لمكان القهر، وغالب الهوى ذو صولة؛ ولذلك وقع عظيم في الشَّرع وعند الخلق" [26]
ومن هنا يظهر أنَّ اتِّباع الهوى من أعظم أسباب الإفراط في الشَّهوات، وصاحبه مشبَّه بالكلب؛ لكونه يتَّبع غيره قال سبحانه: {وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] "والمعنى: إن زجرته لم ينزجر وإن تركته لم يهتدِ، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب إن طُرد وحُمل عليه بالطَّرد كان لاهثًا، وإن تُرك ورُبض كان لاهثًا. قال القتيبيُّ رحمه الله: كل شيء يلهث إنَّما يلهث من إعياء أو عطش إلَّا الكلب فإنَّه يلهث في حال الكلال وحال الرَّاحة وفي حال العطش، فضربه الله مثلًا لمن كذَّب بآياته، فقال: إن وعظته فهو ضالٌّ وإن تركته فهو ضالُّ كالكلب إن طردتَّه لهث، وإن تركته على حاله لهث" [27]
سادسًا: الاستهانة بالمعصية، والجهل بعواقب الذُّنوب:
فما ابتُلي المرء ببلاء أعظم من استخفافه بالله تعالى، واستهانته بنظره إليه، واطِّلاعه عليه، فيُواقع الذُّنوب والمعاصي دون خوف أو توبة؛ لأنَّه جاهل بعاقبة الذَّنب؛ وغرَّه حلم الله تعالى عليه، فلا يُؤاخذه الله تعالى بذنوبه وخطاياه، ولو فعل لما بقي على ظهر الأرض من إنسان؛ قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} [النحل: 61] وقال سبحانه: {وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فإنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرَۢا} [فاطر: 45] والاستهانة سبب كلِّ بليَّة؛ ومنشؤها الاستخفاف بمقام الله تعالى؛ قال جلَّ وعزَّ: {يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا} [النِّساء: 108] وقد حذَّر النَّبيُّ ﷺ من استصغار الذَّنب واستحقاره والاستهانة به؛ فقال ﷺ: «إيَّاكم ومحقِّرات الذُّنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرَّجل حتَّى يهلكنه» [28] "ومقصود الحديث الحثُّ على عدم التَّهاون بالصَّغائر ومحاسبة النَّفس عليها، وعدم الغفلة عنها، فإنَّ في إهمالها إهلاكه، بل ربَّما تغلب الغفلة على الإنسان فيفرح بالصَّغيرة، ويتبجَّح بها، ويَعدُّ التَّمكُّنَ منها نعمةً، غافلًا عن كونها - وإن صغرت - سببًا للشَّقاوة، حتَّى إنَّ من المذنبين من يتمدَّح بذنبه لشدَّة فرحه بمقارفته فيقول: أمَّا رأيتني كيف مزَّقت عرضه. ويقول المناظر: أمَّا رأيتني كيف فضحته وذكرت مساوئه حتَّى أخجلته، وكيف استخففت به وحقَّرته. ويقول التَّاجر: أمَّا رأيت كيف روَّجت عليه الزَّائف، وكيف خدعته وغبنته. وذلك وأمثاله من المهلكات" [29]
واستهانة العبد بالمحرَّمات دليل على ضعف الإيمان في قلبه؛ فالمؤمن لا يستهين بذنبه بل على العكس يستعظم الصَّغير، ولا يستصغر الذَّنب إلَّا منافق؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنَّه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه" [30] وقال الإمام الغزاليُّ [31]: "وإنَّما يعظم الذَّنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله فإذا نظر إلى عِظم من عصى به رأى الصَّغيرة كبيرة" [32] فاستشعار عظمة الله تعالى يُخوِّف المرء من الاجتراء على المعصية؛ وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "إنَّكم لتعملون أعمالًا، هي أدقُّ في أُعينكم من الشَّعر، إن كنَّا لنعدُّها على عهد النَّبيِّ ﷺ من الموبقات" [33] "إذ كانت معرفة الصَّحابة رضي الله عنهم بجلال الله أتمَّ، فكانت الصَّغائر عندهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى من الكبائر، وبهذا السَّبب يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل، ويُتجاوز عن العامِّيِّ في أمور لا يُتجاوز في أمثالها عن العارف؛ لأنَّ الذَّنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالف" [34] والاستهانة بالمعصية واستصغار الذُّنوب تحصل ممَّن ألف الذَّنب وأدمنه وتأثَّر قلبه به؛ "لأنَّ استعظامه يصدُر عن نفور القلب عنه وكراهيَّته له، وذلك النُّفور يمنع من شدَّة تأثُّره به، واستصغاره يصدر عن الإلف به، وذلك يُوجب شدَّة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطَّاعات والمحذور تسويده بالسَّيِّئات" [35] ومن العجب أن تصل الاستهانة بالبعض إلى درجة التَّفاخر بالمعصية؛ وإلى هذا النَّوع أشار النَّبيُّ ﷺ بقوله: «كلُّ أمَّتي مُعافى إلَّا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرة أن يعمل الرَّجل باللَّيل عملا، ثمَّ يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» [36] فالتَّباهي بالإفراط في الشَّهوات معصيٌة؛ لما فيها من معنى الإصرار والتَّعمُّد والفخر بفعلها؛ وهذا من علامات انطماس الفطرة، وانسداد القلب عن أنوار الحكمة، وانغلاق العقل عن إدراك الفكرة، فيُصبح المرء فرحًا بالمعصية، مستبشرًا بالسَّيِّئات، حزينًا في وقت الطَّاعة، ومستثقلًا ما يقضيه فيها من أوقات، وهذا من آثار الاستهانة بالمعصية والجهل بآثارها على الجوارح.
والاستهانة بالمعصية سبب في جموح الشَّهوات، واقتراف المعاصي والسَّيِّئات؛ وهذا من أعظم ما يُهدِّد الأمن والسِّلم المجتمعيَّين؛ فالاستهانة بسفك الدَّم يُشيع في المجتمع الخوف على النُّفوس من التَّلف، والاستهانة بالسَّرقة يجعل كلَّ فرد في المجتمع في قلق على ماله وممتلكاته، والاستهانة بالفاحشة والزِّنا يُهدِّد عرض المجتمع كلِّه؛ فلا أمان لأحد، والاستهانة بالمسكرات والمخدِّرات يُفسد عقول الشَّباب؛ فلا تبقى للمجتمع قوَّة ولا حُرمة؛ فشبابه غارق في أوحال الخمور والمخدِّرات؛ من أجل هذا حرَّم الإسلام القتل حفظًا للنَّفس، وحرَّم السَّرقة حفظًا للمال، وحرَّم الزِّنا وجرَّم القرب منه حفظًا للعِرض، وحرَّم المسكرات وما جرى مجراها حفظًا للعقل، وكلُّ هذا يُقوِّي من دين المسلم؛ ويُعرَف بالضَّرورات الخمس، أو الكلِّيَّات الخمس. [37]
سابعًا: الفراغ والبطالة:
فالفراغ سبب من أسباب جموح الشَّهوات في النَّفس، ممَّا يصل بالمرء إلى الإفراط في استخدامها على حسب المتاح له والممكن؛ فالفراغ فرصة الشَّيطان الكبرى؛ ففيها يقوم بالوسوسة والإغواء؛ ويتمادى معه المرء في التَّفكير والاستجابة لداعي الحرام؛ فينتج عن ذلك وقوعه في شَرَك المعصية.
وتُشير إحصائيَّات رسميَّة إلى ارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشَّباب في المجتمعات، وهذه من أعظم ما يُهدِّد الجميع؛ فما ارتفعت أسهم البطالة في مجتمع إلَّا ارتفعت معه مؤشِّرات الجريمة والفاحشة؛ فالعلاقة بين البطالة والجريمة طردية؛ [38] كلَّما ارتفعت إحداهما ارتفعت الأخرى معها؛ لذا جاءت الدِّراسات تؤكِّد على أهمِّيَّة التَّغلُّب على مشكلة البطالة من أجل انحسار الجريمة وتلاشيها في المجتمعات.
إنَّ البطالة والفراغ من أعظم الأسباب المؤجِّجة للشَّهوات، والدَّاعية إلى ارتكاب الخطايا والسَّيِّئات؛ فالنَّفس البشريَّة أمَّارة بالسُّوء كما قال تعالى: {وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [يوسف: 53] ويعظُم خطرها في الدَّعوة إلى المعصية حين يحصل الفراغ في الوقت، والبطالة وقلَّة العمل؛ ممَّا قد يصل بصاحبه إلى الانهيار الأخلاقيِّ، ومن ثَمَّ تناوُل المسكرات، وتعاطي المخدِّرات، وارتياد الأماكن المشبوهة والمنحرفة، وإدمان الجنس فعلًا ومشاهدة، وربَّما تسوقه نفسه إلى السَّرقة أو سفك الدَّم البرِّيء من أجل الحصول على المال لاستجلاب المسكرات، أو ممارسة الفحشاء، أو نحو ذلك؛ من أجل هذا حثَّنا النَّبيُّ ﷺ على ملأ الفراغ بالطَّاعة من باب إشغال النَّفس بالحقِّ، وبيَّن أنَّه من أجلِّ نعم الله تعالى على العبد أن يُفرِّغ قلبَه من متعلِّقات الدُّنيا، وجوارحه من أشغالها؛ ليجتهد في العبادة لله تعالى؛ قال ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من النَّاس؛ الصِّحَّة والفراغ» [39] فالنَّفس إن لم تُشغل بالحقِّ شُغلت بالباطل، والفراغ قتَّال للمواهب والملكات؛ فكلُّ صاحب موهبة يحتاج إلى تنميتها والعمل على تطويرها؛ وأعظم أسباب تطوير الذَّات والمواهب أن يجد المرء وقتًا ليستثمره في ذلك؛ من هنا نعلم أنَّ علاج الفراغ في استثماره في شيءٍ نافع ومفيد؛ كالقراءة والمطالعة، والقيام بالأعمال المفيدة للفرد والمجتمع؛ كمساعدة المحتاجين، وإعانة الضُّعفاء، وتعلُّم الصِّناعات والحرف، واكتساب الخبرات، وما لم يسع المرء إلى سدِّ الفراغ النَّاجم عن البطالة فإنَّ أبواب الشَّرِّ ستُفتح عليه، وسيتقلَّب في الشَّهوات ما دام مُتفرِّغًا؛ ولذا دعا النَّبيُّ ﷺ إلى اغتنام أوقات الفراغ في كلِّ عمل مشروع؛ حتَّى لا يُساق المرء إلى الحرام سوقًا فقال النَّبيُّ ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هَرمك، وصحَّتك قبل سقمك، وغِناك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك» [40]
ثامنًا: تناول ما يثير الشَّهوة ويبعث كوامنها؛ من الأدوية والعقاقير:
فمع التَّقدُّم التُّكنولوجيِّ الهائل الَّذي يشهده العالم في مجالاته المتعدَّدة تظهر على السَّاحة العلاجيَّة مجموعة كبيرة من العقاقير الَّتي تُعنى بتنشيط دائرة الجنس عند المتزوِّجين الَّذين يُعانون من ضعف جنسيٍّ؛ فالمقصد منها علاج ضعف الجنس عند المتزوِّجين، لكنَّ غير المتزوِّجين قاموا بشرائها واستخدامها، ممَّا أدَّى إلى تأجُّج نيران الشَّهوة عندهم، ولَمَّا لم يكونوا متزوِّجين - فلا محلَّ لتفريغ تلك الطَّاقة الهائلة الَّتي أحدثتها تلك العقاقير فيهم - سعوا للبحث عن محلٍّ ولو عن طريق الحرام؛ فظهرت حالات الاغتصاب، والزِّنا، وراجت تجارة الجنس؛ لتفتح أمام هؤلاء المنافذَ الَّتي يُمكنهم فيها صبُّ وقود طاقاتهم الشَّهوانيَّة في محلٍّ لا يحلُّ لهم، وازدهرت تلك التَّجارة الرَّخيصة الَّتي تجعل المرأة سلعةً رخيصةً تُباع وتُشترى، بل وصلت المهانة بالمرأة في ظلِّ تلك التَّجارة المحرَّمة إلى هوَّة سحيقةٍ ما وصلت إليها المرأة حين استُرِقَّت ومُلِّكت؛ فحينها كان الاستمتاع بها من حقِّ سيِّدها وحده، أمَّا هنا فالاستمتاع بها حقٌّ لكلِّ من دفع ثمن فراشها، وهو ثمن بخس= دراهم معدودة!.
ومن التَّطوُّر في صناعة العقاقير والأدوية ما ظهر من عقاقير تحتوي على موادٍّ مخدِّرة تُغيِّب العقل عن شهود حقائق الأمور، كالمخدِّرات والمسكرات الَّتي يتعاطاها المدمنون، ومنها ما صُنع لأغراض طبيَّة بحتة، لكن ساء استخدامُه من الجماهير، وبتساهل من الصَّيادلة أو الباعة حرصًا على التَّكسُّب وجلب المال بغضِّ النَّظر عما يُحدِثه التَّهاونُ في إتاحة تلك العقاقير لغير مستحقِّيها، فقد أثبت الواقع الميدانيِّ إدمان شريحةٍ عريضةٍ من المجتمع لتلك العقاقير الَّتي غابت بسببها العقول؛ فنتج عن ذلك وقوع كثير من حالات الاغتصاب، والسَّرقة، والقتل؛ بهدف إشباع الشَّهوة، أو جلب المال لاستجلاب العقاقير والمخدِّرات، مما وصل بالمجتمع إلى حالة يُرثى لها.
ومن العقاقير والأدوية ما يكون سببًا في حصول ثورة غضب لدى من يتعاطاها تتسبِّب تلك الثَّورة في كثير من المشكلات؛ كالانفعال الزَّائد الَّذي يترتَّب عليه حصول المشاجرات الَّتي قد تصل في نهايتها إلى سفك الدَّم المحرَّم بغير وجه حقٍّ، مع ما يتخلَّل ذلك من بطشٍ باليد، وسبٍّ باللِّسان، وتعدٍ على الحقوق والحرمات، وكلُّ هذا من الإفراط في الشَّهوات؛ ولو أنَّ المرء ابتعد عن أخذ هذه الجرعات الدَّوائيَّة لسلم من الوقوع في التَّهوُّر، وكان فردًا صالحًا لا يأتي منه إلَّا الخير.
خاتمة
وبعدُ فهذه جملةٌ من الأسباب الذَّاتيَّة الَّتي تُؤدِّي إلى الإفراط في الشَّهوات الكامنة في النَّفس البشريَّة، وهي الأسباب النَّاتجة من داخل الإنسان؛ فهو سببٌ في حصولها، ولتجنُّب الوقوع في الفواحش والمنكرات، واستعمال الشَّهوة استعمالًا سيِّئًا يُفضي إلى وقوع كثير من الآثار السَّلبيَّة الَّتي تعود بالضَّرر على الفرد والمجتمع، لابدَّ من إصلاح الفرد وتقويمه وِفق منهج السَّماء؛ ليكون عبدًا ربَّانيًّا يُؤثر رضاء الله تعالى على شهواته وملذَّاته؛ رغبة في نعيم الآخرة، وهربًا من سوء عاقبة التَّمادي في الغيِّ والانحراف في الدُّنيا بفساد الحياة، وفي الآخرة بالعذاب وسوء المنقلب، ولا يزال المرء بخير إذا تقلَّب بين الخوف والرجاء، والرَّغبة والرَّهبة؛ قال تعالى: {إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ} [الأنبياء: 90] وقال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ} [المؤمنون: 60]
(1) ذم الهوى، لجمال الدين أبي الفرج عبدالرَّحمن بن علي بن محمد الجوزي، تح: خالد الشبع العلمي، ط.1، سوريا، دار الكتاب العربي، سنة: 1418هـ/1998م، (1/36).
(2) ذم الهوى، لابن الجوزي، (1/30).
(3) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لشهاب الدِّين محمود بن عبدالله الحسينيَّ الألوسيِّ، تح: علي عبدالباري، ط.1، بيروت، دار الكتب العلمية، سنة: 1415هـ، (7/4).
(4) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، (13/5).
(5) ذم الهوى لابن الجوزيِّ، ص: (63).
(6) إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزاليِّ، ط.1، بيروت، دار ابن حزم، سنة: 1426هـ/2005م، (3/80).
(7) في رحاب القرآن؛ لإبراهيم بن عمر بن بابا بن إبراهيم بيوض الجزائريِّ، مختصر تفسير سور: (الحج، والمؤمنون، والنور) اخ: الناصر بن محمد المرموري؛ ط1، مكتبة خاصة، سنة: (1420ه/2000م، ص: (315).
(8) الإنسان والشهوة، د. محمد راتب النابلسي، محاضرة على اليوتيوب على قناة: (يوسف محمد) ورابطها: https://youtu.be/HhVUhPFkB6Y
(9) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الإيمان) باب: (فضل من استبرأ لدينه) برقم: (52) ومسلم في صحيحه، كتاب: (المساقة) باب: (أخذ الحلال وترك الشبهات) برقم: (1599).
(10) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، (11/28).
(11) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، (20/249).
(12) روح المعاني للألوسي، (4/143).
(13) في رحاب القرآن، إبراهيم بيوض، ص: (322).
(14) النكت والعيون، لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصريِّ البغداديَّ، الماورديِّ، تح: السيد عبدالرحيم، د.ط، بيروت، دار الكتب العلمية، (3/302).
(15) معالم التنزيل في تفسير القرآن، لأبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغويِّ الشافعيِّ، تح: عبدالرزاق المهدي، ط.1، بيروت، دار إحياء التراث العربي، سنة: 1420هـ، (3/189).
(16) تفسير المراغي، لأحمد بن مصطفى المراغي، ط.1، القاهرة، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، سنة: 1365هـ/1946م، (15/143).
(17) ذمُّ الهوى، لابن الجوزيِّ، ص: (1/29).
(18) لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح، لعبدالحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاريِّ الدِّهلويِّ الحنفيِّ (ت:1052هـ، تح: د. تقي الدين الندوي، ط.1، سوريا، دار النوادر، سنة: 1435هـ/2014م، (1/496).
(19) ذم الهوى لابن الجوزيِّ، ص: (1/12).
(20) ابن حبَّان: محمد بن حبَّان بن أحمد بن حبَّان بن معاذ بن معبد ابن تميم التميمي البستي، ولد عام: 270هـ، ومن شيوخه: الحسين الهروي, وأبو خليفة الجمحي, وأبو عبدالرَّحمن النسائي، وغيرهم، ومن طلابه: الحاكم النيسابوري، وأبو الحسن الزوزني، وغيرهما، ومن مؤلفاته: تفسير القرآن، والتقاسيم والأنواع، والجرح والتَّعدِّيل، وغيرها الكثير، وتوفي سنة: 354 هـ. يُنظَر: الوافي بالوفيات، للصفدي (2/236)، وتذكرة الحفاظ، لشمس الدين أبي عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، ط.1، بيروت، دار الكتب العلمية، سنة: 1419هـ/1998م، (3/89، ت:879).
(21) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، لأبي حاتم محمد بن حبَّان بن أحمد بن حبَّان بن معاذ بن مَعبد، التميمي، الدارمي، البُستي، تح: محمد محي الدين عبدالحميد، د.ط، بيروت، دار الكتب العلمية، (1/19).
(22) أضواء البيان، للشنقيطي، (6/330).
(23) حسن لغيره: رواه الطبراني في الأوسط، حرف: (الميم) برقم: (5754) وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ط.1، السعودية، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، سنة: 1421هـ/2000م، (1/356).
(24) حسن: رواه أبو داود في سننه، كتاب: (السنة) باب: (شرح السنة) برقم: (4597) وحسنه الشيخ الألباني في الترغيب والترهيب، (1/12).
(25) ذمُّ الهوى، لابن الجوزيِّ، (1/29).
(26) المرجع السَّابق، (1/53).
(27) معالم التَّنزيل، للبغويِّ، (2/252).
(28) حسن: أخرجه أحمد في مسنده، مسند: (المكثرين من الصحابة) مسند: (عبد الله بن مسعود) برقم: (3818) والبيهقي في شعبه، شعبة: (معالجة كل شيء بالتوبة) فصل: (في محقرات الذُّنوب) برقم: (6881) وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم: (2687) وفي صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2470) وفي سلسة الأحاديث الصَّحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ط.1، السعودية، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، سنة: 1415هـ/1995م، برقم: (389).
(29) فيض القدير شرح الجامع الصَّغير، لزين الدين محمد عبدالرؤوف ابن زين العابدين الحدَّاديّ المناويِّ، ط.1، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، سنة: 1356هـ، (3/128) نقلًا عن العلائي.
(30) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الدعوات) باب: (التوبة) برقم: (6308) والترمذي في جامعه، أبواب: (صفة القيامة والرقائق والورع) باب: (باب) برقم: (2497).
(31) الغزاليُّ: أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، ولد عام: 450هـ، ومن شيوخه: أبو المعالي الجويني، وأحمد الرادكاني، وغيرهما، ومن طلابه: أبو منصور العطاري، وأبو بكر بن العربي، وعبدالقادر الجيلاني، وغيرهم، ومن مؤلفاته: إحياء علوم الدين، والمنقذ من الضَّلال، وتهافت الفلاسفة، وغيرها الكثير، وتوفي سنة: 505هـ. يُنظَر: سير أعلام النبلاء لأبي عبدالله الذهبي، (19/322، ت:204)، والوافي بالوفيات، للصَّفدي (1/211، ت:3).
(32) إحياء علوم الدِّين، للغزاليِّ، (4/32).
(33) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الرقاق) باب: (ما يتقى من محقرات الذُّنوب) برقم: (6492) وأحمد في مسنده، مسند: (المكثرين من الصحابة) مسند: (أنس بن مالك) برقم: (12604).
(34) إحياء علوم الدِّين، للغزاليِّ، (4/32).
(35) المرجع السَّابق، نفسه.
(36) متَّفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الأدب) باب: (ستر المؤمن على نفسه) برقم: (6069) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الزهد والرقائق) باب: (النَّهي عن هتك الإنسان ستر نفسه) برقم: (2990).
(37) الكليَّات الخمس: مصطلح يُطلقه الأصوليُّون والمقاصديُّون على ما جاء الإسلام بحفظه ورعايته وصيانته، ومن أجله حدَّ الحدود، وقدَّر العقوبات، وبه تصلح حياة المكلَّف في الدارين؛ وهذه الكلِّيَّات متَّفق عليها بين كافَّة الشَّرائع والأديان والمذاهب؛ لأنها متعلِّقة ببقاء الإنسان وحفظه؛ وهي: (حفظ الدِّين، والنفس، والنسل= العرض، والمال، والعقل) فجميع هذه الأمور لا يستغني عنها حيٌّ؛ لذا جاء الإسلام بتقريرها وحفظها؛ يقول الشاطبي: "فقد اتفقت الأمة - بل سائر الملل - على أن الشَّريعة وُضعت للمحافظة على الضَّروريَّات الخمس، وهي: (الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل) وعلمها عند الأمة كالضَّروريِّ، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معيَّن، ولا شهد لنا أصل معيَّن يمتاز برجوعها إليه، بل عُلمت ملاءمتها للشَّريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد" يُنظَر: الموافقات للشاطبي، (1/31).
(38) العلاقة الطَّرديَّة: هي العلاقة بين متغيِّرين على مسار واحد من الزِّيادة والنقصان؛ فكلما زاد أحدهما بمقدار معين يزيد الآخر بزيادة تتناسب مع زيادة الأوَّل، والعكس صحيح، فالشَّيئان يسيران على ذات المسار، وفي اتِّجاه واحد متوافق والزِّيادة في أحدهما تترتَّب عليها زيادة في الآخر، وسُميت بهذا الاسم لأنها ترمز إلى المطاردة بين اثنين. عكس العلاقة الطردية هو العلاقة العكسيَّة، بحيث ينقص أحد المتغيرين بزيادة الآخر، ويُعبَّر عن العلاقات بين الأشياء بهذه المصطلحات اختصارًا.
(39) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الرقاق) باب: (لا عيش إلا عيش الآخرة) برقم: (6412) والترمذي في جامعه، أبواب: (الزهد) باب: (الصِّحَّة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس) برقم: (2304) وابن ماجه في سننه، كتاب: (الزهد) باب: (الحكمة) برقم: (4170).
(40) صحيح: أخرجه النسائي في سننه الكبرى، كتاب: (المواعظ) برقم: (11832) والبيهقي في شعبه، شعبة: (الزهد وقصر الأمل) برقم: (9767) والحاكم في مستدركه، كتاب: (الرقاق) برقم: (7846) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي في التلخيص.