الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الشُّورى مبدأ إسلاميٌّ خالص

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده.

وبعد: فإنَّ إحياء مبدأ الشُّورى والمناصحة= منهج عامٌّ جعله الإسلام ليتواصل أفراد المجتمع بما يعود بالنَّفع على مجموعهم؛ فإنَّ رأي الجماعة أقرب إلى الصَّواب من رأي الفرد؛ لما يحمله من تعدُّد وجهات النَّظر النَّاتجة على اختلاف الثَّقافات والمعارف وتنوُّع الأفكار والمطالعات، فينتج رأي الجماعة النَّاتج عن الشُّورى والمناقشة، ويأخذ من القوَّة والصِّدق والموافقة ما يكون للمجموع من قوَّة عدديَّة وعلميَّة وقانونيَّة؛ من هنا حثَّ الإسلام كلَّ فرد على اعتماد مبدأ الشُّورى في الأمور التي تحتاج إلى ذلك؛ قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ ‌شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38] فقد بيَّنت الآية الكريمة مكانة الشُّورى حين وسَّطت الأخذ به بين شعيرتين عظيمتين من شعائر الإسلام؛ فقد سبقها إقامة الصَّلاة، ولحقها إخراج الزَّكاة، وهما من أعظم أركان الإسلام؛ فالصَّلاة عبادة سماويَّة يحصل من خلالها اتِّصال بين العبد وربِّه سبحانه وتعالى عن طريق العبادة والأذكار، والزَّكاة عبادة أرضيَّة يحصل بها اتِّصال المسلم بإخوانه من الفقراء عن طريق العطاء، وإنَّما وقعت الشُّورى بين العبادتين لبيان أهمِّيَّتها؛ ففيها شقٌّ سماويٌّ حيث يستجيب المسلم من خلالها إلى تعاليم الإسلام وأوامر الله تعالى، وفيها شقٌّ أرضيٌّ حيث يتواصل المسلم من خلالها مع إخوانه من الصَّالحين لمعرفة رأيهم حول قضيَّة معينة؛ فينتج عنها من الودِّ والتَّآخي ما يُحقِّق المقاصد العُليا للتَّشريع.

الشُّورى أصل من أصول الحكم

ولأهميَّة الشُّورى سُمِّيت سورة كاملة من سور القرآن الكريم باسم هذا المبدأ العظيم من مبادئ الإسلام؛ لأنَّه يُعدُّ أصلًا من أصول السِّياسة في نظام الحكم الإسلاميِّ، وقد سبق الإسلامُ الحضاراتِ الشَّرقيَّة والغربية إليه، فالشَّورى التي قرَّرها الإسلام ودعا إليها تعني: "طلب الرَّأي ممَّن هو أهل له" أو: "استطلاع رأي الأمَّة أو مَن ينوب عنها في الأمور العامَّة المتعلِّقة بها" نتقدَّم أبا بكر" [1]

هدف الشُّورى وما يترتَّب عليها

فالشُّورى بهذا المعنى تهدف إلى معرفة رأي الفرد أو الجماعة فيما يتعلَّق بهم من مصالح وقضايا عامَّة تمسُّ الجميع؛ كالشُّورى حول قرار عامٍّ يتناول الحرب أو السِّلم أو المصالحة ونحوها، وكذلك التَّحاور فيما يتعلَّق بفرد منهم على سبيل الاستشارة للخبير العليم بموضوع الاستشارة؛ كالعودة إلى المختصِّين لمعرفة رأيهم حول قضيَّة تخصُّصيَّة يرغب المرء في معرفة وجه الصَّواب فيها مِن عارف مُتبحِّرٍ في شئونها، وتعتبر الشُّورى "أصلًا مهمًّا من أصول النِّظام السِّياسيِّ الإسلاميِّ، بل امتدَّت لتشمل كلَّ أمور المسلمين؛ وتأسيسًا على ذلك فإنَّ الدُّولة الإسلاميَّة تكون قد سبقت النُّظم الدِّيمقراطيَّة الحديثة في ضرورة موافقة الجماعة على اختيار مَن يقوم بولاية أمورها ورعاية مصالحها وتدبير شئونها؛ ممَّا يؤكِّد قيمة وفاعلية الإجماع عند المسلمين" [2]

الحكمة من التَّوجيه إلى الشُّورى

والحكمة من تقرير مبدأ الشُّورى أنَّ المرء ضعيف بنفسه قويٌّ بإخوانه، ولن يستطيع فرد واحد إدراك كلَّ التَّفاصيل المتعلِّقة بالأمور المختلفة، فكان الرُّجوع إلى العارفين المختصِّين من أهمِّ ما يضمن سلامة القرار واستقامة المسار، وفي المشاورة من التَّواضع ولين الجانب والاستماع إلى الآخرين ما يُحدِث الودَّ والصَّفاء المجتمعيَّ؛ فكان منهج الإسلام العظيم في التَّوجيه لاعتماد الشُّورى كمنهج حياة ممَّا يسلم به الفرد من الكبر والطُّغيان والانفراد بالقرار، لاسيَّما إن كان القرار ممَّا يتعلَّق بمصير مجموعة من النَّاس قلَّوا أو كثُّروا، فحينئذ يعظم قدر المشاورة، وتشتدُّ الحاجة إليها؛ لأنَّ الاستقلاليَّة في اتِّخاذ القرار العامِّ ممَّا يُفسد ويُّربك؛ لأنَّ القرار يخضع للهوى والمزاج، فيخرج متأثِّرًا بحالة صاحبه النَّفسيَّة والمزاجيَّة والتَّأثُّريَّة، فإذا لم يجد من يُقوِّم القرار ويُصوِّبه ويُوجِّهه للطَّريق الأصوب فإنَّ مفاسده تعظم وتتفاقم؛ لذا كان الأمر بالشُّورى للنَّبيِّ  وهو أعظم وأعقل وأفضل من يتَّخذ قرارًا صالحًا؛ فهو المؤيَّد بالوحي الإلهيِّ؛ قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ * إِنۡ هُوَ إِلَّا ‌وَحۡيٞ ‌يُوحَىٰ} [النجم: 2: 4] فقد دانت له  الممالك والجيوش، واستطاع أن يُحوِّل العرب في الصَّحراء من شَتات لا قيمة له إلى قادة وعظماء وأمراء يفخر بهم التَّاريخ، ومع هذا قال الله تعالى له: {فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ ‌وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] فقد أمر الله تعالى نبيَّه محمَّدًا  أن يُشاور الصَّحابة ويستمع إلى آرائهم؛ لما في ذلك من إشعارهم بمكانتهم منه  وأهمِّيَّتهم لديه، ولا يخفى ما في ذلك من التَّدريب على الاستماع للغير؛ فالنَّبيُّ ﷺ بمشاورته لأصحابه يُرسِّخ لمبدأ الشُّورى الذي يُحارِب العِنديَّة والاستقلاليَّة فيما يتعلَّق بشئون العامَّة، فإذا كان النَّبيُّ المعصوم  يُشاور غيره فحريٌّ بمن دونه  أن يُحاور ويُناقش ويُشاور حتَّى يتحقَّق النَّفع من خلال المشاورة.

النَّبيُّ القدوة يُشاور أهله

لقد امتثل النَّبيُّ  لأمر ربِّه تعالى فشاور الصَّحابة رضي الله عنهم واستمع لآرائهم وأقوالهم؛ ومن ذلك ما حصل منه  حين شاور أمَّ المؤمنين أمَّ سلمة رضي الله عنها فأشارت عليه بقول سديد وفعل رشيد؛ فعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ  قال: «يا أيُّها النَّاس، ‌انحروا ‌واحلقوا» قال: فما قام أحد، قال: ثمَّ عاد بمثلها، فما قام رجل، حتَّى عاد بمثلها، فما قام رجل، فرجع رسول الله  فدخل على أمِّ سلمة رضي الله عنها فقال: «يا أمَّ سلمة، ما شأن النَّاس؟» قالت: "يا رسول الله، قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تُكلِّمنَّ منهم إنسانًا، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل النَّاس ذلك" فخرج رسول الله  لا يُكلِّم أحدًا حتَّى أتى هديه فنحره، ثمَّ جلس فحلق، فقام النَّاس ينحرون ويحلقون" [3]

مشاورة المرأة الرَّشيدة العاقلة

فمشاورة النَّبيِّ  لامرأته نموذج راق في التَّعامل مع الزَّوجة الحكيمة الرَّشيدة العاقلة؛ حيث يُشعر المرأة بقيمتها وأهمِّيَّتها، ولئن كانت المشاورة تتطلَّب أمينًا محبًّا فإنَّ الزَّوجة الصَّالحة العاقلة أولى النَّاس بالمشاورة في الموضوعات وإن كانت متعلِّقة بالأمَّة؛ فقد شاور النَّبيُّ  أمَّ المؤمنين أمَّ سلمة في أمر عظيم كادت تقع الفتنة العظيمة فيه حين خالف الصَّحابة رضي الله عنهم توجيه النَّبيِّ  لهم بالحلق والتَّحلُّل من العُمرة في أعقاب صلح الحديبية؛ فلم يستجب الصَّحابة رضي الله عنهم من غيظهم من بنود الصُّلح التي رأوها جائرة على المسلمين، حتَّى خاطبهم النَّبيُّ  ثلاث مرَّات بالتَّحلُّل دون أن يجد منهم من سرعة الامتثال ما كان يجده منهم قبل هذا الحدث، فدخل  على أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة مُتعجِّبًا من شأن أصحابه رضي الله عنهم ويستشيرها في هذا الموقف العصيب؛ فأجرى الله تعالى على لسانها من الحكمة ما كان سببًا في حقن الدِّماء، ومن جميل حكمتها أنها بدأت بالاعتذار عمَّا فعله الصَّحابة رضي الله عنهم من تأخير الامتثال في هذا الموقف؛ حيث بيَّنت حالتهم النَّفسيَّة التي وصلوا إليها من شعورهم بالظُّلم؛ لتعتذر لهم ليطيب قلب النَّبيِّ  من ناحيتهم، ثمَّ بدأت في بيان المشورة الرَّائدة في هذا الوقت؛ إذ نظرت إلى مكانة النَّبيِّ  من أصحابه ، وأنَّه في موضع القدوة والأسوة، وما عُهد عن الصَّحابة رضي الله عنهم أنَّهم يُخالفون هدي وسنته  أبدًا، فهُديت إلى أنَّ بدء النَّبيِّ  بالتَّحلُّل بنفسه دون الكلام معهم سيُبيِّن لعموم الصَّحب الكرام أنَّ الأمر جِدٌّ وليس فيه إلَّا ما وقع؛ فحينها يمتثل الصَّحابة رضي الله عنهم حال النَّبيِّ  الذي رأوه بأعينهم، وهذا ما حصل بالفعل؛ حيث قام الصَّحابة رضي الله عنهم وفعلوا مثل ذلك؛ وفي الحديث: "فلمَّا رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، ‌حتَّى ‌كاد ‌بعضهم يقتل بعضًا غمًّا" [4]

سبب الإعراض عن مشاورة الصَّحابة

وإنَّما لم يستشر النَّبيُّ ﷺ أحدًا من الصَّحابة رضي الله عنهم لأنَّهم كانوا على رأيٍّ واحد؛ حيث كانوا يرون أنَّه لا يصدُّهم أحد عن المسجد الحرام للاعتمار إلَّا قاتلوه من أجل الوصول للبيت الحرام؛ فعن ‌المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: "خرج النَّبيُّ  عام الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه رضي الله عنهم، فلمَّا أتى ذا الحليفة، قلَّد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خُزاعة، وسار النَّبيُّ  حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه، قال: "إنَّ قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت، ومانعوك" فقال : «أشيروا أيُّها النَّاس عليَّ، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدُّونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عزَّ وجلَّ قد قطع عينًا من المشركين، وإلَّا تركناهم محروبين» قال أبو بكر رضي الله عنه: "يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد فتوجَّه له، ‌فمن ‌صدَّنا ‌عنه قاتلناه" قال : «امضوا على اسم الله» [5]

الصُّلح ملزم بعدم القتال

وبعد عقد الصُّلح بين النَّبيِّ ﷺ وقريش لم يكن له أن يختار وجه القتال؛ إذ يُعدُّ هذا من باب التَّراجع والخيانة لبنود العقد والاتِّفاق، وهذا لا يقع من النَّبيِّ  فما خان ولا عرف طريق الغدر أبدًا ؛ فلمَّا أراد النَّبيُّ  أن يسمع إلى رأيٍّ آخر استشار أمَّ المؤمنين أمَّ سلمة فأشارت عليه  بما رأى فيه الفتح والتَّوفيق فأخذ بمشورتها دون مناقشة أو اعتراض؛ لأنَّ الموقف لا يتحمَّل التَّأجيل والتَّأخير، وبالفعل كان فيه من البركة ما كان سببًا في إخماد نار الفتنة التي كادت تقع بمخالفة الصَّحابة أمر النَّبيِّ ، وقد ندم الصَّحابة على هذا الموقف بعد ذلك لمخافتهم أمر النَّبيِّ  في بادئ الأمر؛ فعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: "‌اتَّهموا ‌رأيكم؛ رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردَّ أمر النَّبيِّ  لرددتُّه، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلَّا أسهلْنَ بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا" [6] وكان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتخوَّف من عاقبة ما قاله يوم الحديبية من قول فقال : "ما زلت ‌أصوم ‌وأتصدَّق وأصلِّي وأَعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلَّمت به يومئذ حتَّى رجوت أن يكون خيرًا" [7]

الشُّورى تشترط العقل والأمانة لا النَّوع

وهذا النَّصُّ الشَّريف يُبيِّن أنَّ الشَّورى لا تتوقَّف على جنس، بل يُشترط فيها أن يكون المستشار أمينًا وعاقلًا؛ فإذا توفَّرت الدِّيانة التي تحجزه عن الكذب والخيانة، والعقل الذي يحجزه عن الخطأ وفساد الرَّأي كان المرء أهلًا أن يُشاوَر سواء كان ذكرًا أم أنثى، فإنَّ في بعض النِّساء من الحكمة والرَّويَّة والاتِّزان والقدرة على اتِّخاذ القرار الصَّائب ما ليس في كثير من الرِّجال أصحاب المواقع والمسئوليَّة، وهذا الموقف من النَّبيِّ  يدلُّ على أنَّ الإسلام لم يظلم المرأة، وإنَّما قدَّرها، وأكرمها، وصانها، ورفع من مكانتها حتَّى شاورها النَّبيُّ  وقبِل منها ما أشارت به؛ لما فيه من الحكمة والمعالجة العاقلة لموقف كان كفيلًا بحصول فتنة عظيمة في الصَّفِّ المسلم؛ فالحكمة ضالُّة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ بها وأهلها، فلتُدرك المرأة مكانتها العظيمة التي جعلها الإسلام لها، ولا تنحدر مع المرجفين الذين يتشدَّقون بحرِّيَّتها وهم يستعملونها كسلعة رخيصة تُباع وتُشتَرى في سوق الفاحشة، لكنَّ الإسلام يأبى إلَّا أن يُظهر مكانتها التي تليق بها كأمٍّ عاقلة، وزوجة رشيدة، وبنت مؤدَّبة، لا يعرف أهل الانحراف والزَّيغ تضليلها؛ فالشُّورى مبدأ إسلاميٌّ لا يُفرِّق بين رجل وامرأة، ولا صغير ولا كبير، ولا حرٍّ ولا عبد، فالضَّابط= الصَّلاح والأهليَّة.

الشُّورى قاضية على جبروت الحاكم واستقلاليَّته

إنَّ اعتماد الشُّورى كأصل من أصول نظام الحكم يقضي على فكرة استقلاليَّة الحاكم بالتَّشريع والحكم؛ فلن يستطيع فرد واحد أن يختار الأمثل والأصوب في جميع الملفات التي يتعامل معها الحاكم على اختلاف موضوعاتها وتخصُّصاتها وما يترتَّب عليها، فكان لابدَّ من إنشاء هيئات متخصِّصة لبحث الموضوعات ذات الصِّلة بالتَّخصُّص؛ للخروج بالرَّأي السَّديد الصَّالح للعامَّة، وأمَّا الانفراد بالرَّأي في كلِّ المجالات فإنَّه يزرع الكبر ويغرس العُجب في نفس المرء، فينتج عن ذلك فرعون جديد، ومستبدٌّ طاغية؛ حيث ينفرد بكافَّة السُّلطات، ولا يسمح لأحد بالمشاركة في صناعة القرار؛ لتنفيذ فكره الأوحد ولا مانع عنده أن يفرضه بالقوَّة المفرطة، مع الحَجر على المخالفين، وإلحاق الأذى والتَّعذيب والنَّكال بهم وأُسرهم وأقاربهم، والتَّاريخ يُحدِّثنا عن كثير من النَّماذج السَّيِّئة التي تمسَّكت برأيها في الحكم والسِّياسة والسُّلطة فترتَّب على ذلك كثير من المفاسد؛ حيث أُزهقت نفوس وأُريقت دماء، وغرقت بلاد في الاختلافات والشِّتات والبلاء، ومُنع من الكلام العلماء، وحُجر فيه على الآراء، وكُسِّرت أقلام الأدباء والشُّعراء، وأكثر من هذا ناتج عن الجبروت والطُّغيان الذي يُعمِي أعينًا كانت مُبصرة، ويُصمُّ أذنًا كانت عامرة، ويُغلق قلوبًا أصبحت مُتحجِّرة؛ من أجل هذا كان نظام الشُّورى في الإسلام؛ ليضمن عدم شرود الحاكم عن الجماعة إلى الفرديَّة التي تسوقه إلى الطُّغيان والكبر والعُجب؛ وبذلك تهلك المجتمعات والأفراد.

الانفراد بالرَّأي منهج الجبابرة المستبدِّين

إنَّ منهج الجبابرة المستبدِّين في كلِّ زمان ومكان الانفراد بالرَّأي وعدم قبول الرَّأي الآخر؛ لقناعتهم بأفضليَّتهم على النَّاس، فلا يرون رأيًا يمكن أن يُقارن برأيهم، وهذا من الكِبر والعلوِّ بغير الحقِّ؛ قال تعالى: {قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ‌ٱلرَّشَادِ} [غافر: 29] فلقد كان فرعون نموذجًا للحاكم المتجبِّر العنيد الذي بلغ به الطُّغيان والاستبداد بالقوَّة مبلغًا عظيمًا جعله يُنصِّب نفسه إلهًا يُعبد من دون الله تعالى؛ قال سبحانه: {فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ * فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ} [النازعات: 21: 24] وهذه المرحلة من الطُّغيان التي رأى فيها أنَّه ربٌّ يعبده النَّاس وقعت حين أظهر منهجه في الحكم بأنَّه لا رأي يعدل رأيه، وأنَّه لا يقبل صوتًا يُخالفه في مُلكه ومملكته؛ لأنَّ رأيه هو الأصوب والأحسن؛ ففيه الهداية والرَّشاد؛ وهكذا كلُّ متكبِّرٍ عنيد جبَّار يرى النَّاس كأمثال الذَّرِّ لا قيمة لهم عنده، ولا وزن لهم لديه، فآراؤهم مهما عظُمت فهي ضعيفة، وقراراتهم مهما أُحكمت سخيفة، ويُصبح الحاكم وحيد عصره وفريد دهره، ويقبل منه النَّاس ذلك فيطغى عليهم طُغيانًا يحول بينه وبين الحقِّ والعدل، ويكره أن يُذكر أمامه أحد بالعلم والحكمة والإصابة؛ فالغِيرة دبَّت في قلبه، والعُجب سيطر على حياته، ولم يعد يُحبُّ أن ينصحه أو يعرض عليه رأيه أحد من الرَّعيَّة؛ حتَّى لا يَظهر أنَّه يتقبَّل من غيره؛ فمن علامات الاستقلال والانفراد والاستبداد أن يُحبَّ المرء ذكر الغير بالنَّقائص والعيوب في مجلسه، وأن يكره أن يُذكَر أحد عنده بخير وفضيلة، فينتقص من الآخرين ليرفع نفسه، ولا يقبل أن يظهر أحد بصورة أفضل منه، فلا يُقرِّب من هو أفضل منه في الدِّين أو العلم أو السِّياسة، ولا يأخذ برأيهم، ولا يسمح لهم بالمشاركات العامَّة، بل يحجب فضائل الآخرين ويكتم أخبارهم؛ خشية أن يَزهده النَّاس ويرغبون في غيره ممَّن يرونه أفضل منه وأحقَّ بالملك والحكم، فالنَّاس لا يحرصون إلَّا على من ينفعهم ويرون فيه الأمانة والرِّعاية والقيام بواجب المسئوليَّة.

من آثار ترك الشُّورى في الحكم والرِّياسة

ولايزال النَّاس بخير ما دامت فيهم المشاورة والبيعة، فلمَّا كثرت الأطماع على الرِّياسة والحكم ترك النَّاس المشاورة وانتقلوا إلى التَّعيين والإلزام لمن لا يصلح أن يتولَّى المسئوليَّة، فوقع خلل عظيم في المجتمعات بسبب تولِّي من لا يُحسن المسئوليَّة، وإهمال شعيرة الشُّورى في اختيار الحاكم الذي يُصلح الله تعالى به أمر المسلمين؛ وقد أخبر النَّبيُّ  بأنَّ الحكم يمرُّ بأكثر مِن مرحلة نتيجة طمع النَّاس في الملك والسُّلطة؛ ففي الحديث أنَّه  قال: «تكون النُّبوَّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثمَّ تكون خلافة على مِنهاج النُّبوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثمَّ تكون مُلكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثمَّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثمَّ تكون مُلكًا جبريَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثمَّ تكون خلافة على مِنهاج نبوَّة» ثمَّ سكت" [8]

واقع الأمَّة في اختيار القادة والمسئولين

وأمَّا ما نراه الآن في واقعنا من الانتخابات التي يُرشَّح لها من لا يُشترط فيه الدِّيانة والاستقامة، إنَّما يشترطون أمورًا أخرى في غالبها لا تُعين على القيام بواجب المسئوليَّة كما أراد الله تعالى وأمر، مع وقوع الغشِّ والتَّلبيس والتَّزوير الظَّاهر في نتائج هذه الانتخابات؛ حيث يتحكَّم في اختيار الحاكم أو الرَّئيس كثير من العوامل الدَّاخليَّة والخارجيَّة ما أدَّى إلى اعتبار الانتخابات الحاليَّة التي تجري في جلِّ بلاد المسلمين انتخابات شكليَّة، فارغة المحتوى، لا تدلُّ على وقوع الاختيار بالمشاورة؛ فكثير من النَّاس لا يعرف شيئًا عن المرشَّح للرِّئاسة والسُّلطة، وإنَّما يقع الاختيار بالتَّوجيه من الأفراد والتَّكتُّلات الحزبيَّة، فمن يرغب في اختيار أحد المرشَّحين يُوجِّه النَّاخبين إليه، ثمَّ لا يُضمن له أن يقع الاختيار عليه؛ فالاختيار يخضع لعدَّة عوامل، لا يحسمها الصُّندوق وحده، مع إمكانيَّة حصول التَّزوير والتَّدليس في النَّتائج لتوافق رغبة مَن يختار على الحقيقة مِن القُوى العُظمى، ومع هذا لا يخرج الاختيار عن إرادة الله تعالى؛ فالملك بيده وحده لا بيد أحد سواه، إنَّما هي أسباب؛ قال تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ‌ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ‌ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ‌ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} [آل عمران: 26]

الشُّورى في اختيار الحاكم حفظ للسُّلطة

إنَّ إحياء مبدأ الشُّورى في اختيار الحاكم، عن طريق طلب اختياره من أهل الحِلِّ والعقد من العلماء والعقلاء أمر من شأنه أن يحفظ السُّلطة من الوقوع في يد المجرمين المتسلِّطين على الحكم والرِّياسة؛ فإنَّ وصولهم يقع بسبب إسناد أمر اختيار الحاكم للجهَّال ممَّن لا يُحسن الاختيار، فيقع اختيارهم على أُسس لا تتَّفق مع روح الإسلام، وضوابط الشَّريعة، فيقع الفساد والإفساد؛ قال النَّبيُّ : «فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر السَّاعة» قال: "كيف إضاعتها؟" قال : «إذا ‌وُسِّد ‌الأمر إلى غير أهله فانتظر السَّاعة» [9] من أجل هذا يجب أن يكون الاختيار للعقلاء من النَّاس؛ ليكون بناءً على أُسسٍ وضوابط تضمن قدرة الحاكم على إقامة الدِّين والدُّنيا معًا؛ لأنَّ اختيار من لا يجمع بينهما يوقع المجتمع في حرج كبير؛ لأنَّ النَّاس في حاجة إلى إقامة الدِّين لتصحَّ علاقتهم بالله تعالى عن طريق العبادة، وإقامة الدُّنيا عن طريق توفير ما يحتاجون إليه في حياتهم كرواج التِّجارة والمعاملة الصَّحيحة التي من خلالها يتكسَّبون المال الحلال، والأمن والأمان، وتوفير الدَّواء والعلاج إذا ما مرضوا، وتهيئة بيئة للتَّعليم والاستفادة وتحصيل المعارف، وهكذا؛ فلابدَّ للحاكم الذي يقع عليه الاختيار أن يكون مناسبًا للمكانة التي يتولَّاها؛ فهو شرط أساس.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله