الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

شروط قبول الصَّدقة

وأمَّا عن شروط قبول الصَّدقة فمن أهمِّها:

1 - إسلام المتصدِّق؛ لأنَّ المسلم هو المخاطب بالتَّكاليف الشَّرعيَّة، وكلُّ عمل خلا من التَّوحيد فمردود على صاحبه وإن من أجلِّ القربات؛ قال الله : {وَلَقَدۡ ‌أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ} [الزمر: 65-66] وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهليَّة يصل الرَّحم، ويُطعم المسكين، فهل ذاك نافعُه؟ قال ﷺ: «لا ينفعه، إنَّه لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدِّين» [1]

2 - الإخلاص لله تعالى لا رياء ولا سُمعة؛ قال الله تعالى: {وَمَآ ‌أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} [التوبة: 31] وقال الله سبحانه: {وَمَآ ‌أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ} [البينة: 5] وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ‌ٱبۡتِغَآءَ ‌مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265] وقال الله جلَّ وعلا: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ ‌وَمَا ‌تُنفِقُونَ ‌إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ} [البقرة: 272] وهذا أسلوب حصر وقصر، وقال الله تعالى: {وَأَنفِقُواْ ‌فِي ‌سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [البقرة: 195] فليس قبول الأعمال مرهونًا بما حصل فيها من مجهود قلَّ أو كثُر، بل بما وقع فيها من الإخلاص، فرُبَّ إنسان ليس له من طول النَّصب في العمل إلَّا المشقَّة والتَّعب بسبب سوء نيَّته، وفساد قصده، وزهده في الإخلاص وما أدَّى إليه من عظيم الأجر، وطمعه في الرِّياء وما يجرُّه من ضياع الجهد.

أهمِّيَّة الإخلاص في العمل

والإخلاص روح العبادة، وسرُّ القبول، وسبب الإعانة، وخُلاصة العمل، ولا يقبل الله تعالى عملًا من غير صدق وتجرُّد وإخلاص، فأسرع طرق المعالجة تصحيح النِّيَّة بتوجيهها إلى الله تعالى، دون إشراك كلِّيٍّ (كفر) أو جُزئيٍّ (رياء) أو ذاتيٍّ (عُجب) والمرء مأمور شرعًا بالإخلاص، فليس منَّةً من العبد أو تفضُّلًا؛ بل من شروط العبادة، وأركان السَّعادة، وممَّا يُساعد عليه أن تخفي العمل والصَّدقة؛ وإن كان يجوز أن تُظهرها بضابطين: (أن تأمن الفتنة على نفسك، وأن ترجو أن يُقتدَى بك في ذلك) قال الله تعالى: {إِن ‌تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} [البقرة: 271] وقول النَّبيِّ : «ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» [2] محمول على كمال الإخلاص من المتصدِّق حتى إنَّه يكاد يجهل قيمة ما أخرجه؛ قال التِّرمذيُّ : "صدقة السِّرِّ أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية، وإنَّما معنى هذا عند أهل العلم لكي يأمن الرَّجل من العُجب، لأنَّ الذي يسِرُّ العمل لا يُخاف عليه العُجب ما يُخاف عليه من علانيته" [3]

صدقة المرائي مردودة

وأمَّا من نافق بصدقته فليُبشر بعدم القبول، وليتذكَّر ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله  يقول: «إنَّ أوَّل النَّاس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استُشهد، فأُتِي به فعرَّفه نعمه فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشهدتُّ، قال: كذبت، ولكنَّك قاتلتَ لأن يُقال: جريءٌ، فقد قيل، ثمَّ أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى أُلقِي في النَّار، ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتِي به فعرَّفه نعمه فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العلم وعلَّمته وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنَّك تعلَّمت العلم ليُقال: عالِم، وقرأت القرآن ليُقال: هو قارئ، فقد قيل، ثمَّ أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى أُلقِي في النَّار، ورجل وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتِي به فعرَّفه نعمه فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تحبُّ أن يُنفَق فيها إلَّا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبت، ولكنَّك فعلتَ ليُقال: هو جوَاد، فقد قيل، ثمَّ أُمِر به فسُحِب على وجهه، ثمَّ أُلقِي في النَّار» [4]

3 - أن تكون الصَّدقة من أموال طيبة غير خبيثة؛ قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ : «أيُّها النَّاس، إنَّ الله طيِّب لا يقبلُ إلَّا طيبا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلِين، فقال: {يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلرُّسُلُ ‌كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} [المؤمنون: 51] وقال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌كُلُواْ ‌مِن ‌طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ} [البقرة: 172] ثمَّ ذكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديه إلى السَّماءِ، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُه حرامٌ، ومشرَبُه حرامٌ، ومَلبسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجابُ لذلك؟» [5]

4 - أن تكون الصَّدقة من أفضل مالك؛ قال الله تعالى: {لَن ‌تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ} [آل عمران: 92] وفي الصَّحيحين من حديث أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحبُّ أمواله إليه بيرحاء، وكانت مُستقبلة المسجد، وكان رسول الله  يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّب، فلمَّا أُنزلت هذه الآية: {لَن ‌تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ} [آل عمران: 92] قام أبو طلحة إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله، إنَّ الله يقول: {لَن ‌تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ} [آل عمران: 92] وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنَّها صدقة لله، أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله : «بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّه. [6]


(1) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الإيمان) باب: (الدَّليل على أنَّ من مات على الكفر لا ينفعه عمل) برقم: (214).

(2) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الأذان) باب: (من جلس في المسجد ينتظر الصَّلاة) برقم: (660) وكتاب: (الزَّكاة) باب: (الصَّدقة باليمين) برقم: (1423) وكتاب: (الحدود وما يحذر من الحدود) باب: (فضل من ترك الفواحش) برقم: (6806) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الزَّكاة) باب: (فضل إخفاء الصَّدقة) برقم: (1031) والنَّصُّ الكامل: «سبعة ‌يُظلُّهم ‌الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه: الإمام العادل، وشابٌّ نشأ في عبادة ربِّه، ورجل قلبه معلَّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إنِّي أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفى حتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه».

(3) يُنظر: الجامع، لأبي عيسى التِّرمذيِّ (5/30).

(4) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الإمارة) باب: (مَن قاتل للرِّياء والسُّمعة استحقَّ النَّار) برقم: (1905) والنَّسائيُّ في سننه، كتاب: (الجهاد) باب: (مَن قاتل ليُقال: فلان جريءٌ) برقم: (3137).

(5) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الزكاة) باب: (قبول الصَّدقة من الكسب الطَّيِّب وترتيبها) برقم: (1015) والتِّرمذيُّ في جامعه، أبواب: (تفسير القرآن) باب: (ومن سورة البقرة) برقم: (2989).

(6) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الزَّكاة) باب: (الزَّكاة على الأقارب) برقم: (1461) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الزكاة) باب: (فضل النَّفقة والصَّدقة على الأقربين والزَّوج والأولاد) برقم: (998).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله