ترجمة الإمام يحيى بن معين
التَّعريف بالإمام، ومشتملات التَّعريف [1]
اسمه:
هو الإمام الحافظ الجهبذ شيخ المحدِّثين أبو زكريَّا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام. وقيل: اسم جده: غياث بن زياد بن عون بن بسطام الغطفاني, ثم المري مولاهم البغدادي أحد الأعلام رحمه الله. [2] وكان والده من نبلاء الكتَّاب؛ قال العجليُّ رحمه الله: "كان أبوه معين كاتبًا لعبد الله بن مالك" وقال ابن عديٍّ رحمه الله: "حدَّثني شيخ كاتب ذكر أنَّه قرابة يحيى بن معين، قال: كان معين على خراج الرَّيِّ، فمات فخلَّف ليحيى ابنه ألف ألف درهم، فأنفقه كلَّه على الحديث حتى لم يَبق له نعل يلبسه" [3]
مولده:
ولد سنة ثمان وخمسين ومائة؛ قال الحسين بن فهم رحمه الله: "سمعت يحيى بن معين يقول: ولدتُّ في خلافة أبي جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة في آخرها" [4]
وفاته:
وتوفِّي وهو متوجِّه إلى مكَّة المكرَّمة يُريد الحجَّ وكان ذلك في المدينة المنوَّرة سنة: (233ه) قال أحمد بن أبي خيثمة: "مات يحيى لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وقد استوفى خمسًا وسبعين سنة ودخل في الست، ودُفن بالبقيع" [5] وغُسِّل على الأعواد التي غُسِّل عليها النَّبيُّ ﷺ ثمَّ حُمل وصُلِّيَ عليه ونودي في النَّاس: "هذه جنازة يحيى بن معين ذابِّ الكذب عن رسول الله ﷺ" [6] والنَّاس يبكون، واجتمع في جنازته خلق لا يُحصَون، ودُفن بالبقيع؛ قال محمد بن يوسف البخاري رحمه الله: "كنَّا في الحجِّ مع يحيى بن معين رحمه الله، فدخلنا المدينة ليلة الجمعة، ومات من ليلته، فلمَّا أصبحنا تسامع النَّاس بقدومه وبموته، فاجتمع العامَّة، وجاءت بنو هاشم، فقالوا نُخرج له الأعواد التي غُسِّل عليها رسول الله ﷺ فكُره، وكثُر الكلام، فقالت بنو هاشم: "نحن أولى بالنَّبيِّ ﷺ وهو أهل أن يُغسَّل عليها، فغُسِّل عليها، ودفن يوم الجمعة في ذي القعدة" [7]
شيوخه:
أكثر الإمام يحيى بن معين رحمه الله من الشُّيوخ والمحدِّثين، قال الخطيب البغداديُّ رحمه الله: "سمع من: عبد الله بن المبارك، وهُشيمًا، وعيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة، وغندرًا، ومعاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبد الرَّحمن بن مهديٍّ، ووكيعًا، وأبا معاوية في أمثالِهم" [8] وقال الحافظ ابن عساكر رحمه الله: "قدم دمشق فسمع بها من أبي مسهر وروى عنه، وعن معتمر بن سليمان، ووهب بن جرير، وقريش بن أنس، وحجَّاج بن محمد الأعور، وغندر، وأبي حفص عمر بن عبد الرحمن الأبَّار، وهشام بن يوسف، وعبد الصَّمد بن عبد الوارث، وزكريَّا بن يحيى بن عمارة، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وهشيم، وعيسى بن يونس، ومعاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد الأمور، وعبد الرَّحمن بن مهدي، ووكيع، وأبي معاوية، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وحفص بن غياث، وعبدة بن سليمان، ومروان بن معاوية، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وقراد أبي نوح، وعبد الملك بن قُريب الأصمعي، وحكَّام بن سلم الرَّازيِّ..." [9]
ومن بركة العلم تلاقيه عن منابعه، ومن عظيم توفيق الله تعالى لعبده أن ييسر له سبل الأخذ والتَّلقِّي عن المعتنيين بالشَّأن من أهل العلم، والمتتبِّع لسيرة الإمام الأشمِّ يحيى بن معين رحمه الله يرى أنَّه أكثر من الشُّيوخ، مع جلالة قدره عند شيوخه، ممَّا يشهد له بالنُّبوغ في مجاله، وإكرام العلماء له؛ حتى إنَّهم كانوا يحدِّثون من معه كرامة له، لما له عندهم من الحظوة والمكانة.
تلاميذه:
وروى عنه الحديث كبار الأئمَّة منهم: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريُّ، وأبو الحسين مسلم بن الحجَّاج القشيريُّ، وأبو داود السِّجستانيُّ، وغيرهم من الحفَّاظ، وكان بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل من الصُّحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور. [10] وقال الذَّهبيُّ رحمه الله: "روى عنه: أحمد بن حنبل، ومحمَّد بن سعد، وأبو خيثمة، وهنَّاد بن السَّريِّ، وعدَّة من أقرانه، والبخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، وعبَّاس الدُّوريُّ، وأبو بكر الصَّاغانيُّ، وعبد الخالق بن منصور، وعثمان بن سعيد الدَّارميُّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإسحاق الكوسج، وإبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، ومعاوية بن صالح الأشعريُّ، وحنبل بن إسحاق، وصالح بن محمَّد جزرة، وأحمد بن أبي خيثمة، وأبو بكر أحمد بن عليٍّ المروزيُّ، والمفضَّل بن غسَّان الغلابيُّ، وأبو زرعة النَّصريُّ، وأحمد بن محمد بن عبيد الله التَّمَّار، وعبد الله بن أحمد، ومحمد بن صالح كيلجة، وعليُّ بن الحسن ماغمة، وعبيد العجل، وحسين بن محمد، ومحمد بن وضَّاح، وجعفر الفريابيُّ، وموسى بن هارون، وأبو يعلى الموصليُّ، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبَّار الصُّوفيُّ، وخلائق" [11]
وإنما كثر طلَّابه الآخذون عنه لجلالة قدره، وعلوِّ كعبه في العلم؛ فالمورد العذب كثير الزِّحام؛ وكثرة طلَّاب العالم دلالة على شيئين: سعة علمه، وسعة شهرته، وقد جمع الله تعالى للإمام الكبير يحيى بن معين رحمه الله سعة العلم بشهادة أقرانه ومعاصريه وأئمَّة النَّقد كما سيأتي، كما رُزق الشُّهرة حتى طبَّقت الدُّنيا.
وقد توفَّر في هذا الزَّمن خيار أهل العلم، وكانت المجالس تزدحم بهم، ولا يخلو مكان وإن قلَّ أهله من وجود العلماء ووفرتهم فيه؛ حيث كان العلم هو شعار أهل هذه الأزمان المباركة، مع قوَّة في اللِّسان، وصلاح في النُّفوس، وقرب من العهد النَّبويِّ الشَّريف، وسلامة في العادات والتَّقاليد، وجودة في القرائح والعقول؛ فأنتجت كلُّ هذه العوامل أعدادًا كبيرة من العلماء ازدان بهم التَّاريخ، وتزيَّنت بهم الأيَّام، واستبشرت بهم اللَّيالي، وكانوا علامة كبيرة بارزة في دنيا النَّاس؛ لما قدَّموه للبشريَّة من علوم، ومعارف، وسيرة حسنة تُسطَّر بمداد طاهر شريف.
ونظرًا لكثرة العلماء الصَّالحين وتوافرهم في هذه الأزمان فقد حصل إقبال النَّاس على بعضهم دون البعض الآخر لأسباب كثيرة منها ما يلي:
1 - اختلاف المذهب: فإنَّ أهل كلِّ مذهب يكتفون في تحمُّل دينهم بمن وافق مذهبهم من العلماء؛ سواء كان الاختلاف عقديًّا أو فقهيًّا؛ ومنه قول ابن سيرين رحمه الله: "إنَّ هذا العلم دين؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم" [12] فالنَّاس في كلِّ زمان يتعلَّمون ممَّن وافقهم، ويتركون ما عداه؛ للتَّخصُّص في مذهب فقهيٍّ، أو خشية تلبيس المذهب العقديِّ.
2 - عزلة العالم: سواء فرضها على نفسه، أم فرضها نظام الحكم في هذا الزَّمن؛ لاختلاف ما بينهما في شيء من المسائل المتعلِّقة بنظام الدَّولة، وهذا من أهم أسباب اشتهار البعض دون البعض؛ فكم في الزَّوايا من خبايا، وكم في النَّاس بقايا، والمغمور من أهل العلم أكثر بكثير من المشهورين؛ فالشُّهرة فيه نادرة الحصول إلَّا لمن سلك أسبابها.
وكان الأكثرون في تلك الأزمان الفاضلة يهربون من الشُّهرة، ويحرصون على الخمول؛ قال محمَّد بن الحسن بن هارون: "رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطَّريق يكره أن يتبعه أحد" وقال الحسن البصريُّ رحمه الله: "كفى بالمرء شرًّا أن يُشار إليه بالأصابع" وقال الذَّهبيُّ رحمه الله: "إيثار الخمول والتَّواضع وكثرة الوجل من علامات التَّقوى والفلاح" وكانوا يعُدُّون الشُّهرة من البلايا التي يُبتلى بها المرء؛ قال المروزيُّ رحمه الله: "قال لي أحمد: "قل لعبد الوهَّاب: "أخمل ذكرك؛ فإنِّي أنا قد ابتليت بالشُّهرة" [13]
3 - الورع في التَّصدُّر للتَّعليم: خشية الوقوع في الكذب في النَّقل؛ كما حصل مع الزُّبير بن العوام رضي الله عنه فعن ابنه= عبد الله قال: قلت للزُّبير: "ما لي لا أسمعك تحدِّث عن رسول الله ﷺ كما يُحدِّث فلان وفلان؟" قال: "إنِّي لم أفارقه منذ أسلمت، ولكنَّني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النَّار" [14] فقد كان يرى أنَّه مهما بلغت قوَّة حافظته لا يقوى على تحمُّل النَّصِّ وأدائه من غير تصرُّف؛ وعن عبد الرَّحمن ابن أبي ليلى رحمه الله قال: "قلنا لزيد بن أرقم حدَّثنا عن رسول الله ﷺ" قال: "كبرنا ونسينا والحديث عن رسول الله ﷺ شديد" [15]
وربَّما يكون الورع من التَّصدُّر راجعًا للوفرة الظَّاهرة في العلماء؛ فلم يرغب كثير من العلماء الظُّهور على ساحة الرِّواية والنَّقل وقد كُفوا بغيرهم؛ احتياطًا، وركونًا إلى خمول الذِّكر والتَّفرُّغ للعبادة أو التَّحصيل؛ فإنَّ للشُّهرة ضريبة كبيرة؛ حيث يكون وقت المشهورين ليس لهم فيه حقٌّ كبير، حيث يلزمهم الوفاء بما فرضته الشُّهرة من اتِّساع دائرة معرفة النَّاس به، وإقبالهم عليه بُغية الاستفادة من علمه.
4 - قلَّة الطُّلَّاب النَّابهين لدى العالم: فإنَّ من كمال توفيق الله تعالى للعالم أن يرزقه بمن يحمل راية العلم منه، ويسعى في نشر ما تلقَّاه عنه؛ بذلك ينتشر علم العلماء؛ وهذا هو الأصل أن ينقل كلُّ راوٍ ما رواه عمَّن فوقه مع نسبته إليه؛ فكمال العلم في نقله، ودقَّة إحالته؛ وتاريخ العلوم يحدِّثنا عن أقران رُزق أحدهم نقلة نابهين، وحُرم الآخر منهم؛ وربَّما كان أكثر علمًا من الأوَّل؛ فاشتهر الأوَّل بطلَّابه؛ قالوا: "اللَّيث أفقه من مالك، إلَّا أنَّ تلاميذه ضيَّعوه" [16]
5 - عدم حصول التَّوفيق للعالم: وهو ما يسمُّونه بالحظِّ والحظوة، فقد يُرزق العالم بحظٍّ وتوفيق كبير فيشتهر علمه، وينتشر ذكره، ويمتدُّ صيته إلى الآفاق، فعن أبي يوسف رحمه الله قال: "قدمت المدينة فأتيت أبا الزِّناد، ورأيت ربيعة فإذا النَّاس على ربيعة، وأبو الزناد أفقه الرَّجلين، فقلت له: "أنت أفقه أهل بلدك، والعمل على ربيعة؟!" فقال: "ويحك؛ كفٌّ من حظٍّ خير من جراب من علم" [17] وعن اللَّيث بن سعد رحمه الله قال: "رأيت أبا الزِّناد وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه، وشعر، وصنوف، ثمَّ لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعة، وكان ربيعة يقول: "شبر من حظوة خير من باع من علم" [18]
إنَّ من العلامات البارزة التي يقف أمامها العلماء العلم الجوهرة إمام النَّاس في والحديث والأثر، والورع، والدِّين؛ فلقد أوتي من المكانة العالية والمنزلة السَّامية ما لم يؤت غيره من علماء الأزمان الغابرة والعابرة، الإمام يحيى بن معين رحمه الله، فمن بذل لهذا الدِّين رفعه الله تعالى فوق العالمين؛ قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11] وسوف أعمل في الصَّفحات القادمة على بيان قبس من ثناء العلماء على الإمام يحيى بن معين رحمه الله بما يُجلِّي قيمته ومكانته.
(1) مصادر ترجمته: طبقات ابن سعد (7/354) والتَّاريخ الكبير؛ لابن أبي خيثمة (8/3116) وتاريخ بغداد؛ للخطيب البغداديِّ (14/177) والإكمال؛ لابن ماكولا (7/313) ووفيات الأعيان؛ لابن خلِّكان (6/791) والعبر؛ للذَّهبيِّ (1/415) وتذكرة الحفَّاظ؛ للذَّهبيِّ (2/427) وميزان الاعتدال؛ للذَّهبيِّ (4/9639) وتهذيب التَّهذيب؛ لابن حجر (11/280) وشذرات الذَّهب؛ لابن العماد (2/79).
(2) سير أعلام النُّبلاء، للذَّهبيِّ (9/123).
(3) الكامل في ضعفاء الرِّجال، لابن عديٍّ (1/125) و: تاريخ بغداد؛ للخطيب (14/183).
(4) تاريخ دمشق، لابن عساكر (65/10).
(5) سير أعلام النُّبلاء، للذَّهبيِّ (9/137).
(6) تهذيب الكمال، للمزيِّ (20/235) وتاريخ بغداد؛ للخطيب (14/186).
(7) سير أعلام النُّبلاء؛ للذَّهبيِّ (9/134).
(8) تاريخ بغداد، للخطيب البغداديِّ (16/263).
(9) تاريخ دمشق، لابن عساكر (65/3).
(10) وفيات الأعيان، لابن خلِّكان (6/140).
(11) سير أعلام النُّبلاء، للذَّهبيِّ (9/123).
(12) صحيح مسلم، المقدِّمة، باب: (في أنَّ الإسناد من الدِّين وأنَّ الرِّواية لا تكون إلَّا عن الثِّقات وأن جرح الرُّواة بما هو فيهم جائز بل واجب وأنَّه ليس من الغيبة المحرَّمة بل من الذَّبِّ عن الشَّريعة المكرَّمة) برقم: (1).
(13) في جميعه سير أعلام النُّبلاء، للذَّهبيِّ (11/226).
(14) صحيح: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (العلم) باب: (التشديد في الكذب على رسول الله ﷺ) برقم: (3651) وابن ماجه في سننه، المقدمة: (افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة رضي الله عنهم والعلم) باب: (التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله ﷺ) برقم: (36).
(15) صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة: (افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة رضي الله عنهم والعلم) باب: (التَّوقِّي في الحديث عن رسول الله ﷺ) برقم: (25).
(16) سير أعلام النُّبلاء، للذَّهبيِّ (7/216).
(17) المرجع السَّابق (5/447).
(18) المرجع السَّابق نفسه.