عِبر من إغراق فرعون وجنده
وفي إهلاك الله تعالى فرعون بالغرق من العبر ما يمكن ذكر بعضه:
1 - كسر شوكة فرعون وإظهار ضعفه وتكذيب ادِّعاءاته للألوهيَّة والملك والقدرة؛ فكلُّ من يجمع هذا لا يمكن أن يموت غرقًا وفي اليمِّ وليس في وسط البحر؛ فدلَّت هذه الخاتمة السَّيِّئة له على ضعفه وعدم قدرته على إنقاذ نفسه فضلًا عن أن يُعبَد من دون الله تعالى، وهذه سنَّة الله تعالى في كلِّ متجبِّر عنيد ظالم آيس البشر من التَّغلُّب عليه بجهد بشريٍّ، حينها يُهلكه الله تعالى بما لا يتخيَّله أحد؛ فالنَّمرود هلك بذبابة وهو من هو في الكبر والغرور، وعاد هلكت بالرِّيح، وثمود هلكت بالصَّيحة، وأصحاب الأيكة هلكوا بالظُّلَّة ثمَّ الرَّجفة ثمَّ الصَّيحة، وفرعون هلك بالماء والغرق، فلا ينبغي لمتكبِّر أن يظنَّ أنَّه يفلت بظلمه وبغيه وعدوانه، بل سينتقم الله تعالى منه بما لا يتمكَّن معه من الصَّدِّ والرَّدَّ والدِّفاع عن النَّفس.
2 - انتصار الحقِّ على الباطل مهما طال زمن استئساد الباطل واستضعاف الحقِّ؛ فقد نصر الله تعالى المستضعفين من بني إسرائيل مع نبيِّه موسى عليه السَّلام؛ جريًا على سنَّته تعالى الكونيَّة من نصر الحقِّ وغلبته وأن تكون العاقبة له: {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ * قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ} [الأعراف: 128-129] وهذا المعنى حاصل لكلِّ مؤمن مُستضعف يسعى للأخذ بأسباب رفع الظُّلم والبطش والجبروت بالهجرة والإعداد والقتال والجهاد والمدافعة على قدر المتاح له أو الممكن؛ قال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ} [الأنفال: 60] وقال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
3 - عناية الله تعالى بالمستضعفين في الأرض من بني إسرائيل حيث أمدَّهم بالنَّصر على عدوِّهم ومكَّن لهم في الأرض مع قلَّة حيلتهم وعدم امتلاك أدوات النَّصر؛ فهم قوم بلغ بهم الضَّعف مبلغًا عظيمًا لا يمكن معه فعل شيء، وبلغ الأمر بعدوِّهم من البطش والجبروت والقوَّة ما حمله على إعمال السَّيف فيهم قتلًا وتشريدًا وفسادًا وإفسادًا، فلا تناسب بين قوَّة مفرطة وضعف مفرط، حينها نصر الله تعالى نبيَّه موسى عليه السَّلام ومن معه من المؤمنين، فأغرق الله تعالى فرعون وجنوده؛ قال سبحانه: {وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} [البقرة: 50] وقال عزَّ وجلَّ: {فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ} [الأعراف: 136]
4 - قدرة الله تعالى على تغيير مجريات الحياة وأحداثها بين عشية وضحاها أو في ما هو أدنى من ذلك؛ فقد أهلك الله تعالى جبَّار مصر وعنيدها وفرعونها في موقف مواجهة مع جنديٍّ واحد من جنوده سبحانه وتعالى؛ حيث أغرقهم الله تعالى في ماء البحر، وهكذا سنَّة الله تعالى في إهلاك المكذِّبين عبر العصور والأزمان؛ فقد سلَّط الله تعالى الآيات الكونيَّة والجنود التي أودعها في الكون على الهالكين المكذِّبين؛ فأهلك بالرِّيح، وعذَّب بالصَّوت والصَّاعقة، وأمات بالماء والإغراق، وقتل بالهدم والزَّلزلة والتَّصدُّع، وأحرق بالبراكين والحرائق العاتية، وكلُّها آيات من آيات الله تعالى؛ قال سبحانه: {فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} [العنكبوت: 40]
5 - إغلاق الكفر للعقل فلا ترد إليه موارد الحكمة، وللقلب فلا ترد إليه موارد الإيمان، وهذا ما حصل لفرعون العنيد وجنوده المعظِّمين له؛ حيث أُغلقت عقولهم وقلوبهم أمام معجزة عظيمة لا يُمكن أن يُمرِّرها العقل السَّليم دون خضوع للحقِّ وإذعان له، فقد رأوا انفلاق البحر فكان كلُّ فرق كالطَّود العظيم مع مرور موسى عليه السَّلام ومن معه من بني إسرائيل من وسط البحر ومع ذلك لم يتَّعظوا أو ينزجروا أو يفهموا الرِّسالة، أو يتوقَّفوا عن الزَّحف ناحية من نجَّاهم الله تعالى أمام أعينهم بآية عظيمة ومعجزة إلهيَّة تخرج عن نطاق البشر والسِّحر، فاقتحموا البحر وهو على هذه الصُّورة المرعبة فأغرقهم الله تعالى، ولو أنَّهم أوتوا عقلًا أو حكمة أو إيمانًا لما وقعوا في الغرق؛ قال تعالى: {فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ * فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ * فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ} [الزخرف: 54-56]
6 - خبث بني إسرائيل وفساد نفوسهم وجبنهم الذي فاق كلَّ وصف؛ ويتمثَّل هذا في أنَّهم طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا وثنًا يعبدونه فور إنجاء الله تعالى لهم وخروجهم من البحر وإغراق فرعون، فلم يشكروا نعمة الله تعالى بالإيمان والاستسلام والانقياد والسَّمع والطَّاعة؛ بل طلبوا وثنًا يعبدونه؛ قال تعالى: {وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ * إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ * قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الأعراف: 138-140] ولم يكتفوا بهذا بل رفضوا الاستجابة لأمر موسى عليه السَّلام حين أمرهم أن يدخلوا القرية التي جعلها الله تعالى لهم وهي بيت المقدس، وبلغ بهم الجبن مبلغًا عظيمًا جعلهم يطلبون من موسى أن يُقاتل مع ربِّه هؤلاء الجبَّارين لعدم قدرتهم على قتالهم؛ قال تعالى: {يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ * قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ} [المائدة: 21-22] وقال جلَّ وعزَّ: {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ} [المائدة: 24] وبلغ من عنادهم وكفرهم أنَّهم عبدوا العجل واتَّخذوه من دون الله تعالى في زمن مناجاة موسى عليه السَّلام لربِّه؛ قال تعالى: {وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ} [البقرة: 51] ثمَّ تمادوا في غيِّهم وكفرهم وتطاولهم فطلبوا أن يروا ربَّنا عيانًا بيانًا؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} [البقرة: 55] وقال جلَّ شأنه: {يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا} [النساء: 153]
ومع كلِّ هذا أكرمهم الله تعالى بالتَّوبة والعفو والبعث من الموت بعد أن عاقبهم بالأخذ والهلاك جزاء كفرهم، ورزقهم الطَّعام والخير وأمرهم ألَّا يطغوا فيه وألَّا يدَّخروا فعصوا وعاندوا، وطلبوا من موسى عليه السَّلام أن يدعوا الله تعالى أن يرزقهم البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل، واستبدلوا الخبيث بالطِّيب والرَّديء بالحسن والذي هو أدنى بالذي هو خير؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ} [البقرة: 61] وأمرهم الله تعالى بأمور فخالفوها وعكسوها عنادًا وكفرًا؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ * فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ} [البقرة: 58-59] م ولم يتوقَّفوا عن المخالفة والعصيان؛ فلعنهم الله تعالى وطردهم من رحمته ونبذهم، وسلَّط عليهم الجبابرة؛ قال تعالى: {فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ * وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ * وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [الأعراف: 166-168].