الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الإبداع في التَّعليم القرآنيِّ

(التَّعريف، والأهمِّيَّة والضَّوابط)

الإبداع لغة:

هو: الإتيان بشيء ما، لا نظير لهُ فِيه جودة وَإِتقَانًا.

أركان التَّعريف: الاجتهاد - الابتكار - الجودة - المهارة.

ومنه البدعة، وهي في اللُّغة: "كُلُّ أمرٍ جديدٍ مختَرَع على غير مثال سابق، وعند إطلاقها تعني ما استُحْدِث من الأمور والأفعال، سواءً كان ذلك في الدِّين أو في غيره؛ قال ابن فارس رحمه الله: "الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشَّيء وصنعه لا عن مثال... كقولهم: أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا: إذا ابتدأته لا عن سابق مثال؛ والله بديع السَّماوات والأرض، والعرب تقول: ابتدع فلان الركي: إذا استنبطه، وفلان بدع في هذا الأمر؛ قال الله تعالى: {قُلۡ مَا كُنتُ ‌بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡ} [الأحقاف: 9] أي: ما كنت أول" [1] ويقول ابن كثير رحمه الله: "مبدع السموات والأرض وخالقهما ومنشئهما ومحدثها على غير مثال سبق... ومنه سميت ‌البدعة بدعة؛ لأنه لا نظير لها فيما سلف" [2]

والبدعة في الاصطلاح:

فعند الجمهور تعرَّف بأنَّها: "ما ابتُدع وأُحدث من الأمور حسنًا كان أو قبيحًا" [3]

ولفظ البدعة إذا أُطلق دون تقييد فإنَّه يُراد به البدعة المذمومة شرعًا - غالبًا - وقد يُراد بها معناه اللُّغوي الاستحداث والإيجاد، وعليه يعرّف البعض البدعة بأنها: "ما استُحدث في الدِّين ممَّا لم يدُل عليه دليل شرعيٌّ، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، ولا يدخل تحت القواعد والمبادئ العامَّة للإسلام، أو أُحدث على ما يُخالف شيئًا منها" [4] وقال تعالى: {وَرَهۡبَانِيَّةً ‌ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] قال الطَّاهر بن عاشور: أي أحدثوها؛ فإنَّ الابتداع الإتيان بالبدعة، والبدع وهو ما لم يكن معروفًا، أي أحدثوها بعد رسولهم؛ فإنَّ ‌البدعة ما كان محدثًا بعد صاحب الشَّريعة" [5]

والإبداع اصطلاحًا:

هو: القدرة على توليد الأفكار الجديدة النَّافعة، وطرح الحلول والبدائل للتَّحدِّيات القائمة، باستثمار الإمكانيَّات والقدرات الذَّاتيَّة بطريقة فريدة ومختلفة عن السَّائد بشرط عدم الشُّذوذ أو معارضة الحقِّ والأقوم.

وتعليميًّا هو: إرادة التَّطوير والرَّغبة في التَّجديد وتحقيق التَّميُّز في الحلقة القرآنيَّة إداريًّا، وعلميًّا، وفنِّيًّا، حتى يظهر أثر ذلك على جميع المشاركين.

أهمِّيَّة الإبداع:

تكمن أهمِّيَّة الإبداع في:

1 - معالجة التَّقليديَّة والرُّوتينيَّة الضَّيِّقة والخروج إلى فضاء الإبداع.

2 - تطوير العمل والعاملين للارتقاء بالمشروع التَّعليميِّ إلى سماء العطاء.

3 - البقاء والاستمراريَّة في سوق التَّعليم والثَّقافة؛ فمن لم يتطوَّر يموت.

4 - ظهور مساحات التَّميُّز بين العاملين والأعمال تسهِّل التَّقييم والتَّقويم.

5 - تحسين الخدمة التَّعليميَّة المقدَّمة من العمل والعامل فيزيد الإقبال عليه.

6 - تحقيق معنى التَّنافس بين الأفراد والمؤسَّسات في خدمة القرآن الكريم.

7 - تقديم صورة عمليَّة تقبل المحاكاة والمتابعة، فينشط الآخرون بذلك.

8 - القضاء على المشكلات التَّعليميَّة بطرق إبداعيَّة واستثنائيَّة فتتلاشى.

ضوابط وعلامات المعلِّم المبدع الإيمانيَّة:

(الإخلاص والصِّدق، والأمانة والمراقبة، والصبر والتَّحمُّل، الهمُّ والمسئوليَّة)

1- الإخلاص والصِّدق:

فالمعلِّم المبدع هو المخلص لله تعالى في القصد، فلا يُرائي بعمله، ولا يسعى لتنبيه عيون النَّاس بالنَّظر، أو تحريك ألسنتهم بالثَّناء، ولكنَّه يدخل ميدان التَّعليم القرآنيِّ وقد أدرك عِظم مكانة معلِّم النَّاس الخير، ومنزلة معلِّم القرآن الكريم عند الله تعالى، فيسعى للظَّفر بما أعدَّه الله تعالى له من جزيل الأجر وعظيم الثَّواب، وليس له طمع في الدُّنيا أو ملذَّاتها؛ فغايته إرضاء الله تعالى، والقيام بمهمَّة تربية الأجيال على مائدة القرآن الكريم، من خلال توجيههم والإحسان إليهم؛ لتخرج نماذج مشرقة تحمل الرَّاية من بعده، والمخلِّصون ثمارهم متحقِّقة، وأثارهم في الأجيال متدفِّقة، فالله الله في الإخلاص والتَّجرُّد والاحتساب أيُّها المعلِّم المبدع، ولا تنس حديث أول من تسعَّر بهم النَّار.

2- الصَّبر والتَّحمُّل:

فالمعلِّم المبدع هو من يصبر على طلَّابه ويتحمَّل منهم الخطأ دون أن يُمرِّر المواقف دون توجيه بما يتناسب مع الموقف، فيشجِّع، ويُحفِّز، ويُعاتب، ويلوم، وينتقد، ولا يتحامل على طلَّابه بسبٍّ، أو شتم، أو إهانة، أو احتقار، بل يعمل على تنمية ثقتهم بأنفسهم، ويُعالج قصورهم بالتي هي أحسن، دون أن يُحوجهم إلى إذلال أنفسهم، أو يضطرُّهم إلى التَّحايل والكذب للهروب من ردَّة فعله، والصَّبر على مستوى الطَّالب هو السَّبب في ارتقائه، وبدونه فلا استمراريَّة، وليست المهارة أن تصبر على تعليم العباقرة، فتعليمهم سهل ميسور، ولكنَّ الصَّبر على الطَّالب الضَّعيف من أعظم المكاسب التي ينتفع بها المعلِّم وعموم النَّاس.

3- الأمانة والمراقبة:

فالمعلم المبدع هو الأمين صاحب الرِّسالة، الذي يبذل طاقته لإنجاز المهامِّ العظيمة، وإنجاح الأعمال الجسيمة، ولا ينظر إلى أيِّ اعتبار دنيويٍّ يمكن أن يُثني عزيمته، أو تفتر به قوَّتُه، بل يتَّخذ من التَّحدِّي والحواجز قوَّة دافعة نحو التَّميُّز والإبداع والتَّرقِّي، فيكثر عطاؤه يومًا بعد يوم، ويتحسَّن مستواه، وتزداد معارفه، وتظهر على يديه من النَّتائج ما لا يظهر على يد غيره؛ لأنَّ العطاء على قدر النِّيَّة، وإنَّ العبد ليُحرَم الرِّزق بسوء نيِّته، فليست النَّائحة الثَّكلى كالنَّائحة المستأجرة.

إنَّني لا أقصد من ذلك أنَّ من صفات المعلِّم المبدع أنَّه يعمل من غير أجر أو بأجر زهيد، غاية ما أقصده أنَّ المخلص يتكيَّف مع ظروف البيئة التَّعليميَّة القرآنيَّة، ويأخذ من الأجر ما يكفيه بالمعروف، واحتسابه الحقيقيُّ في أمانته ورعايته لطلَّابه، وتفانيه في تقديم خدمة تعليميَّة تربويَّة متميِّزة، فهو يصنع العقل والقلب والجوارح من خلال مهمَّته التَّعليميَّة التَّربويَّة التي تُعدُّ امتدادًا صادقًا لمهمَّة الأنبياء والمرسلين، غير أنَّه ليس نبيًّا أو رسولًا، وإنَّما يسير على طريقهم، ويُكمل مسيرتهم، ويُوجِّه الخلق إلى الله تعالى بعلم وحكمة ووعي بعظم المسئوليَّة.

4- الهمُّ والمسئوليَّة:

فالمعلم المبدع هو صاحب الهم الذي يتخذ التعليم رسالة لا وظيفة؛ فإن كان نابغًا صرف نبوغه كلَّه للارتقاء بالعمليَّة التَّعليميَّة وإفادة طلَّابه، وإن لم يكن كذلك حرَّكه همُّه وشعوره بالمسئوليَّة نحوَ التَّعلُّم واكتساب خير خبرات الآخرين؛ فليس من يعمل بحبٍّ ورغبة وإحساس بقيمة ما يقُدِّم كمن يعمل لأجل النَّاس أو الرَّاتب أو التَّعالي على الآخرين؛ فالأوَّل نشيط مجدٌّ لا يملُّ من التَّعليم فيُسارع في نفع نفسه بصدق النِّيَّة، ونفع غيره بنقل المعرفة بأمانة وتجرُّد واحتساب، وأمَّا الآخر فكسول محبط متضجِّر أفسد نيَّته بطلب الدُّنيا فقصر في نقل العلم وتأدية الأمانة لما يعقده من مقارنات بين الرَّاتب الممنوح، والوقت والجهد؛ فالمعادلة لديه= الجهد ÷ الرَّاتب، فإذا زاد الرَّاتب زاد الجهد والعكس، ومراقبته لعيون مديريه أكثر.

ضوابط وعلامات المعلِّم المبدع الفنيَّة:

(الطُّموح والتَّرقِّي، اليقظة والنَّباهة، التَّعاون والاحتواء، التَّحفيز والنَّصيحة، الاجتماعيَّة).

1- الطُّموح والتَّرقِّي:

المعلِّم المبدع هو دائم التَّرقِّي في تحصيل العلوم، واقتناص الفوائد، واصطياد المعارف، من خلال مواصلته لإتمام بناء العلم والمعرفة لديه؛ فلا يكتفي بما تحقَّق له من حفظ النَّصِّ، بل يسعى للتَّزوُّد من العلم بما يخدم العمليَّة التَّعليميَّة القرآنيَّة، فيقرأ التَّفسير على يد شيخ محرِّر، ويدرس العربيَّة على يد لغويٍّ مقرِّر، ويتعمَّق في الفقه على يد فقيه مدقِّق، ويتوسَّع في العقيدة على يد عالم محقِّق، وكلُّ هذه العلوم تُصهر في بوتقة واحدة ينتج عنها معلِّم مبدع يُسهِّل على طلَّابه العلوم والمعارف التي تضمَّنها النَّصُّ الشَّريف؛ فيمنح طلَّابه جملًا من الفوائد والنِّكات والمعارف لا تتحقِّق لقرينه المتابع مع معلِّم آخر؛ فمستويات الطُّلَّاب تحكي أمانة ومعارف وعلوم الأساتذة، فالطَّالب في تعلُّمه صورة مصغَّرة للمعلِّم، وفي تعليمه صورة مطابقة له.

2- اليقظة والنَّباهة:

المعلِّم المبدع هو اليقظ أثناء عرض طلَّابه بما يمنحهم الثِّقة في انتباهه وتركيزه، ويُشعرهم بالأمان تجاه الخطأ، فسوف يردُّهم المعلم ويُصوِّب لهم ما وقعوا فيه من أخطاء، ولا يسمح بتمرير الخطأ مهما دقَّ ورقَّ تحت أيِّ سبب؛ فالمبدع أمين في النَّقل لا ينام في أثناء العمل، ولا يشرد بفكره متعمِّدًا، ولا ينشغل مع غيره، ولا يتكاسل عن الرَّدِّ حين يظهر له الخطأ، بل يُسارع في الرَّدِّ والتَّصويب إيمانًا بعظم المسئوليَّة، واحتسابًا للأجر بدقَّة النَّقل، واعترافًا بأنَّ التَّهاون خيانة تقضي على الأجيال كلِّها؛ وانتشار الخطأ في ألسنة طلَّاب المعلِّم أكبر دليل على خيانته للأمانة، وعدم رعايته للمسئوليَّة، وعدم القيام بما يجب عليه.

3- التَّعاون والاحتواء:

المعلِّم المبدع هو من يُحسن التَّواصل مع الجهة الأعلى ليستمدَّ منها النُّصح والتَّوجيه والإرشاد، مع دقَّته وأمانته في رفع التَّقارير التي تجعلها حاضرة في البيئة التَّعليميَّة القرآنيَّة، فالمبدع لا يستقلُّ بإدارة الحلقة القرآنيَّة، ولكنَّه يتعاون مع المسئولين عن العمل في الوصول به إلى مراحل التَّميُّز ومدراج الإبداع، ولا تطغى عليه أعماله الأخرى عن التَّفاعل مع التَّكليفات العلميَّة أو الإداريَّة، بل يُسارع ويُجاهد، ويُسدِّد ويُقارب، مع تطوير العمل بصبغته الإبداعيَّة التي تُميِّزه عن غيره.

والمعلِّم المبدع هو من يُعين طلابه على مواصلة التعلُّم والاستمرارية بحسن معاملته، وجميل احتوائه، ولطيف فعاله، وروعة بيانه، وقوَّة شخصيَّته، فيُطوِّع كلَّ مهاراته في تثبيت الطَّالب على طريق العلم، ولا يكون سببًا في نفرة الطَّالب من بيئة التَّعلُّم بسبب غلظة، أو قسوة، أو إهمال، أو تعالٍ، أو تفريط، أو إفراط، فلا يُذكر له في تاريخ تعليمه الطَّويل أنَّه كان حاجزًا بين النَّاس والقرآن، أو أنَّ طالبًا ترك التَّعلُّم وهو تحت رايته، فهذا ممَّا يطعن سمعته بخنجر مسموم، لاسيَّما إذا تفلَّت منه إلى بيئة الانحراف والمعصية، حينها يكون النَّدم رفيقًا للمعلِّم عمره؛ لأنَّه كان سببًا في نفرته، فإذا لم يكن سببًا فهذا من تنقية البيئة التَّعليميَّة القرآنيَّة.

التَّحفيز والنَّصيحة:

المعلِّم المبدع هو من يُحفِّز طلَّابه بأطيب كلمات التَّحفيز، ولا يبخل عليهم بمعرفة، أو فائدة، أو معلومة تبني فيهم الطَّموح، وتزرع فيهم الأمل؛ لأنَّه يُدرك أنَّ استمراريَّة الطَّالب في التَّعلُّم تأتي مع كثير من المجاهدات لما يواجهه في الطَّريق من الانشغالات والقيود التي تحول بينه وبين ذلك؛ وبناءً عليه قد يقع منه التَّقصير، أو تنتابه ساعات الملل والكسل، ولا يجد وقودا يبلِّغه إلا تحفيز المعلم الماهر المبدع؛ فإنَّ كلمة الثَّناء والدَّفع تخرج من المعلِّم في أشدِّ حالات اليأس والملل فتقع على القلب فتبدِّد جبال الهمِّ، وتُفتِّت ركام الكسل الذي يمنع من التَّرقِّي والمواصلة، ولما كان لكل جواد كبوة، وجب على الفارس المغوار أن يُتابع جواده الذي يصل به إلى وادي التَّميُّز، فلا يبخل المعلِّم على طالبه بالدَّفع والتَّحفيز.

الاجتماعيَّة:

المعلِّم المبدع هو من يتواصل مع طلابه خارج البيئة التعليميَّة القرآنيَّة ليطمئن ويُواسي ويساعد وينصح ويُوجِّه، وأنبغ المعلِّمين هو من يبني جسرًا من الثِّقة بينه وبين طلَّابه فيرجعون إليه في الملمَّات الحياتيَّة، والنَّوازل المجتمعيَّة، والنَّكبات الأسريَّة؛ ليستضيئوا بنور توجيهه نحو الأفضل، معتمدين رأيه وقوله في ذلك؛ لثقتهم بعلمه، ومعرفته، وخبرته، وأمانته، وحرصه على نفعهم؛ وهذا أمر يستوجب من المعلم أن يكون على قدر المسئوليَّة والثِّقة والحدث، بأن يدرس من العلوم والمعارف ما يقوِّي فكره وعقله، ويُنمِّي قدرته على التَّواصل مع الآخرين، كما يُحتِّم عليه أن يكون عارفًا بمجريات الواقع الذي يعيش فيه طلَّابه؛ ليكون قادرًا على تكييف المشكلات تكييفًا واقعيًّا، ومن ثَمَّ يُوصِّف العلاج الصَّحيح بطريقة صحيحه.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله