الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

ردُّ الشُّبهات

ما وجه استنكار حديث قطع الصَّلاة بالمرأة؟

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

سؤال:

وبعد: فقد وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: ما وجه استنكار عائشة رضي الله عنها حديث: أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "‌يقطع ‌الصَّلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ" [1]

وللجواب أقول:

إنَّ استنكار أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها صحيح ثابت، وله دلالات يمكن بيانها:

منها: تصحيح أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها للرِّواية لفظًا أو معنًى بالاستدراك على بعض الرُّواة، لما لها من طول صحبة للنَّبيِّ ، واختصاص بما ليس لغيرها ممَّا يتعلَّق بالنَّبيِّ كزوج نبيٍّ رسول يُشرِّع الأحكام التي يُقتدى به فيه، فنقلت من ذلك الشَّيء الكثير، وكانت تستدرك على بعض الرُّواة بعض مرويَّاتهم؛ ليس اتِّهامًا بالكذب أو الوضع، بل للتَّحرِّي والضَّبط؛ فعندها مزيد حجَّة وعلم بمقدِّمات وخواتيم كثير من المرويَّات، ولذلك كانت تعتذر عن بعضهم قبل الاستدراك عليهم. [2]

ومنها: أنَّ استدراك أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها على الرِّواية القوليَّة جاء برواية الفعل النَّبويِّ الذي رأته بنفسها من النَّبيِّ في بيته، فأشارت رضي الله عنها بذلك إلى زاوية من زوايا المسألة تُؤكِّد عدم اشتراك المرأة مع الكلب والحمار في الحكم؛ مستدلَّة على ذلك بصلاة النَّبيِّ ، فلو كان الحديث المرويُّ على وجهه لما فعل النَّبيُّ ذلك، وفعله دالٌّ على الجواز، أو تأويل معنى القطع، أو عدم صحَّة الحديث الآخر.

ومنها: الإشارة إلى عدم صحَّة الحديث لمخالفته فعل النَّبيِّ في بيته؛ لأنَّه لا يقع منه التَّناقض بين قوله وفعله ، وهو أبعد النَّاس عن الأمر بالشَّيء ومخالفته، فلمَّا ورد الحديث يُخالف في الظَّاهر فعله ، حكمت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها عليه بعدم الصِّحَّة لوهم الرَّاوي ونحوه، وهو ما يُعرَف بالعلَّة القادحة في قبول الحديث الشَّريف، والذي عليه المحدِّثون أنَّ الحديث صحيح وقد جمع العلماء بين الحديثين بأوجه حسنة.

ومنها: الإشارة إلى تضعيفها رضي الله عنها للحديث، وعدم القول بمضمونه، فكانت رضي الله عنها لا ترى ما يتضمَّنه الحديث من الحكم بقطع الصَّلاة أو بطلانها بمجرَّد مرور الكلب والحمار والمرأة بين يدي المصلِّي؛ للوقوف على علَّة تنقد المتن وتضعفه لمخالفته الظَّاهرة لما استقرَّ عندها من عمل النَّبيِّ من غير نسخ أو تصريح قوليٍّ أو فعليٍّ وصلها بالسَّماع أو بالرُّؤية مع طول صحبتها له ، واختصاصها بما لم يختصَّ به غيرُها؛ فحملها ذلك على الاستنكار والاعتراض على الرِّواية.

شبهة حطِّ قدر المرأة

ومنها: قد يُفهم من قولها رضي الله عنها: "شبَّهتمونا بالحمُر والكلاب" [3] وقولها رضي الله عنها: "إنَّ المرأة لدابَّة سوء" [4] الاعتراض على ما يُفهم منه الحطُّ من قدر المرأة بالجمع بينها وبين الكلب والحمار في جملة واحدة، واشتراكهم في الحكم، ووجه التَّشبيه بينهم انقطاع الصَّلاة بالكلِّ، وليس الأمر كذلك منها رضي الله عنها، فهي أعلى من أن تنظر إلى النَّصِّ بهذه النَّظرة، وإنَّما هي شبهة ألقاها وروَّج لها من أراد إقناع المرأة بظلم الإسلام لها بتسليط الضَّوء على أمثال هذه النُّصوص التي لا يجدون فيها ما يُقيم دعوتهم أو ينصر فكرتهم، ولكن حملهم عليه جهلُهم بالعربيَّة ولسانها، ونقمتُهم على الشَّريعة ونبيِّها، ورغبتُهم في الظَّفر بالمرأة وتحريرها من أجل أن يظفروا بما صانه الإسلام منها.

وأُجيب عن هذا بأنَّ الحديث لا يعني الحطَّ من المرأة، بل يتناول حكم مَن تنقطع الصَّلاة بمرورهم بين يدي المصلِّي، فلمَّا اشتركوا في الحكم جُمعوا في النَّصِّ جمع ذكر ومكان لا جمع قدر ومكانة؛ ومنه قوله تعالى: {وَٱلۡخَيۡلَ ‌وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: 8] فالخيل أعلى قدرًا من البغال والحمير، وجُمع معهما في سياق واحد لأنَّه ورد مورد بيان اشتراكهم في خدمة الإنسان بالرُّكوب والزِّينة، ولا يُراد التَّسوية بين كلِّ معطوفين في الرُّتبة، بل في إسناد الفعل والحكم فقط؛ نحو قولهم: "جاء الأمير والجنود" فلا يستوي الأمير بجنده إلَّا في المجيء، وقولهم: "رأيت الأستاذ وحمارَه" فلا يُنقص من قدر الأستاذ عطفُ الحمار عليه، بل يُراد الاشتراك في إسناد الفعل، فظهر أنَّ وجه الاشتراك بينهم حصولُ التَّشويش [5] بمرورهم بين يدي المصلِّي ممَّا يُؤدِّي إلى رفع الخشوع وانقطاع الصَّلاة؛ فالمرأة تفتن بجمالها واشتغال المرء بالتَّفكير فيها، والحمار يفتن بنهيقه وعلوِّ صوته واشتغال المرء به عن التَّدبُّر، والكلب يفتن بمباغتة الهجوم وترويع المصلِّي مع نفور النَّفس منه، وقد يتمثَّل الشَّيطان في صورته، فيشتغل المرء بالتَّرويع والخوف عن الخشوع والسَّكينة؛ وكأنَّ القاسم المشترك بينهم إشغال الجوارح الكبرى وصرفها عن الخشوع؛ فالمرأة تشغل القلب والفكر، والحمار يشغل الأذن بصوته المنكر، والكلب يشغل العين بالحذر من مباغتة الهجوم وأنَّه شيطان، فلم يبق للمرء ما يخشع به، فلمَّا اشتركوا في الصَّرف عنه جُمعوا في سياق واحد. [6]

ولاستنكار أمِّ المؤمنين فوائد جمَّة:

فمن فوائده: أنَّ العلم بين النَّاس تكامليٌّ، فلم يستوعب العلمَ كلَّه أحد، وإنَّما تفرَّق العلم بين الخلق ليحتاج بعضهم إلى بعض، واكتمال العلم في مسألة يحتاج إلى جمع مضامينه ممَّن يملكها من أهله المعروفين به، والتَّقصير فيه يجعل علم المرء بالمسألة ناقصًا غير مكتمل، ولـمَّا كان اطِّلاع البعض على ما لم يطَّلع عليه الآخرون ممكنًا أخبرت أمُّ المؤمنين رضي الله عنها بما رأته دون بقيَّة الصَّحابة رضي الله عنهم؛ لاختصاص الحكم بالبيت النَّبويِّ من الدَّاخل.   

ومن فوائده: التَّأثير على لخلاف الفقهيِّ في مسألة مرور المرأة بين يدي المصلِّي، فقد اعتُبرت روايتها دون تفرقة بين المعترض والمجاوز بين يدي المصلِّي؛ فحَملت من اعتبرها على القول بعدم بطلان الصَّلاة بالمرور بين يدي المصلِّي، واعتمدوا في معنى القطع إنقاصَ الثَّواب للانصراف عن الخشوع بالتَّفكير أو الافتتان أو التَّشويش [7]، وهذا يأخذ من الثَّواب بقدر ما يقع.

ومن فوائده: ذكر ما يُحتجُّ به للتَّشريع الإسلاميِّ على جميع الحملات النَّسويَّة الآثمة التي تسلِّط سليط لسانها وتصبُّ جام غضبها وتسخِّر كلَّ جهودها لتسليط الأضواء الإعلاميَّة على قضيَّتهم المكذوبة القائمة على ظلم الإسلام للمرأة، فقد طاروا بالحديث فرحًا وسرورًا مدَّعين أنَّه حجَّة لهم على افترائهم الكاذب، فجاء استنكار أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها لتذكر ما كان يفعله النَّبيُّ من الصَّلاة وهي مضطجعة أمامه، وليحمل العلماء على القول بأنَّ القطع لا يعني البطلان، بل يعني إنقاص الأجر لعلَّة التَّشويش الحاصل بمرور المرأة لجمالها وانشغال العقل بالتَّفكير فيها؛ فتبرأ ساحة الإسلام من زيف شبهتهم، وينقلب السِّحر على السَّاحر.

ومن فوائده: تبليغ أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها لصورة من صور صلاة النَّبيِّ في بيته ما كانت لتظهر للمسلمين دون أن تذكرها إحدى أمَّهات المؤمنين؛ لأنَّها من جملة الأحكام البيتيَّة الخاصَّة التي لم يطِّلع عليها إلَّا أهل بيت النُّبوَّة، وترتَّب على تبليغ أمِّ المؤمنين رضي الله عنها الحكم بجواز صلاة الرَّجل إلى زوجته وهي أمامه، وبدون هذا النَّصُّ لم يكن لأحد من أهل العلم أن يحكم لهذا بالجواز، وإنَّما يحملون هذا الفعل على حديث المرور فيمنعون؛ لعدم وجود نصٍّ من قول أو فعل أو تقرير مضاف إلى النَّبيِّ ؛ فمنه تُؤخذ الأحكام والتَّشريعات، وهذا الحديث من السُّنَّة الفعليَّة؛ لأنَّ أمَّ المؤمنين رضي الله عنها نقلت فعله ، وهو أيضًا من السُّنَّة التَّقريريَّة لأنَّها حين انسلَّت لم يُنكر عليها النَّبيُّ فكان بمثابة الإقرار، وهو لا يُقرُّ الباطل، ولا يخفى ما في هذا الاستدراك من تيسير على المسلمين؛ فقد يضيق البيت بأهله فيُحوج الرَّجل إلى الصَّلاة وزوجته مضطجعة أو جالسة أمامه لضيق المكان، ففيه التيسير والرَّحمة.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله