الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

آداب الـمَجالس والـمُجالس

اعلموا - أدام الله بهجتكم وحرس مهجتكم وحفظ عقولكم - أنَّ كلَّ شيء له في ديننا آداب بحسن بفاعله أن يأتي بها حتى يُكتب له بالفعل الأجر والثَّواب، ومن ذلك الجلوس في المجالس، فإنَّ له آدابًا تُزيِّنه وتفرِّق بين أهل الحياء والخلق ومن دونهم من أهل الوقاحة والتَّردِّي، وإنِّي أذكر جملة من هذه الآداب.

رعاية الأعمار

أن يجلس المرء في مجلس الرِّجال حيث انتهى به المجلس، دون أن يتخطَّى الرِّقاب أو يتجاوز الأعناق؛ ففي المجلس من تقدَّم سنًّا وزمنًا؛ والأولويَّة في المجالس لكبار السِّنِّ والمقام؛ فلا تتقدَّموا ذا مقام أو شيبة إلَّا بإذنهما أو لعذر يمنعهما من التَّقدُّم، ولا تتصدَّروا المجالس في حضرة من هو أعلى منكم علمًا أو قدرًا أو عمرًا أو سلطانًا، ولا تبتدئ المجالس بالكلام بترحيب أو نحوه إلَّا أن تكون أصحابها، ولا تتعالوا على ضيوفكم بتحكُّم أو تسلُّط أو إساءة.

الإصلاح أو المفارقة

كذلك من آداب المجالس ألَّا تشرد بذهنك أو جسدك عن مجلس الرِّجال بأن تكون مع الجماعة فيما هم فيه من حديث أو نقاش ما لم يكن في ذلك فحش أو فتنة أو كذب أو غيبة أو نميمة، فإذا وقع ذلك فكن داعية خير بردِّ الغيبة والنَّميمة والبهتان؛ فمن ردِّ عن عِرض أخيه ردَّ الله عنه يوم القيامة، ومن نصر أخاه في موطن يحبُّ أن ينصره فيه نصره الله تعالى، فأصلح المجلس بموعظة رقيقة دقيقة تُراعي فيها الأدب وتحفظ فيها لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه؛ فلا يخوِّلك الخطأ الذي وقعوا فيه أن تُسيء إليهم أو تزجرهم؛ فهم أكبر منك وأعلى قدرًا وجلَّ من لا يُخطئ، فاغفر زلَّة الكريم والعليم.

فإن استطعت أن تزيل المنكر الواقع في المجلس فبها ونعمت، وإلَّا فزل عنه؛ قال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ ‌يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنعام: 68] فنجاة قلبك من الفتن أعظم منفعة تقدِّمها لنفسك؛ فلا تُعرِّض نفسك للافتتان بالبقاء في مجالس اللَّهو واللَّعب والبهتان والكذب؛ فإنَّ النَّفس تتمادى في غيَّها وتتابع مثل هذا، والمرء ابن بيئته، يُؤثِّر فيها ويتأثر بها، فكفَّها وامنعها تسلم.

رعاية الذَّوق العامِّ

كذلك من آداب المجالس ألا تمدَّ قدميك في وجوه جلسائك إلَّا لعلَّة من مرض أو كبر سنٍّ أو تساوي الرُّتب كأن يكونوا أقرانك وأترابك، ويُشترط في كلِّ هذا إذنهم؛ فقد كان من هو خير منِّي ومنك يجلس بأدب جمٍّ بين يدي جلسائه؛ فقد ثبت أنَّه  جاءه جبريل في صورة بشريَّة فجلس أمامه فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيَّه على فخذيه، فهذه جلسة المتأدِّب، فكن عليها أو على نحو جلسة التَّشهُّد فهذا أكمل في الأدب.

كذلك من آداب المجالس ألَّا تُعطي ظهرك أو جنبك لمن يُحدِّثك؛ لما في ذلك من إشعار بالإعراض وعدم الاعتناء، وهي من علامات الكِبر وأمارات التَّعالي، فأقبل بكلِّيَّتك على من تُحدِّثه أو يُحدِّثك وأشعره باهتمامك وإقبالك ولو كان صغيرًا أو ينقل كلامًا فقيرًا؛ فجبر الخاطر خلق عظيم.

كذلك من آداب المجالس ألَّا تجعل مجالسك للملأ وعلية القوم دون بقيَّة الخلق؛ فقد وجَّه الله تعالى نبيِّه  إلى مجالسة البسطاء الضُّعفاء فقال الله تعالى: {وَٱصۡبِرۡ ‌نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} [الكهف: 28]

اجعل مجلسك عامرًا بالذِّكر

ومن آداب المجالس أن تُعمِّره بالذِّكر؛ فما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يُصلُّوا على نبيِّه  إلا كان عليه تِرة وحسرة، ومن أعظم الذِّكر الاستغفار في بدئه واسطه ونهايته؛ فقد كان النَّبيُّ  يُعدُّ له في المجلس الواحد رب اغفر لي وتب عليَّ إنِّك أنت التَّوَّاب الرَّحيم سبعين مرَّة، وفي ختامه كان يقول : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلَّا أنت أستغفرك وأتوب إليك؛ فإنَّ هذا يمحو كلَّ سقط المجلس.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله