الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الغِيرة بين الإخوة وآثارها

أي بنيَّ، لقد ذكر القرآن الكريم نموذجين متفرِّقين للأخوَّة النَّسبيَّة يتَّفقان في أنَّ أحدهما ظالم والآخر مظلوم، والدَّافع على الظُّلم في كليهما واحد= وهو الحسد وعدم الرِّضاء بالنِّعمة؛ وهي بليَّة كلِّ زمن، ومصيبه كلِّ جيل؛ فكم من قاتل جرَّه للقتل تطلُّعه إلى ما عند أخيه، ودخول عينه إلى دقائق حياته، وعدم قناعته برزقه، وطمعه فيما في يد أخيه، وهذا بيان النُّموذجين المشار إليهما:

ابنا آدم عليه السَّلام وما وقع بينهما

فالنَّموذج الأوَّل منهما= ابنا آدم - قابيل وهابيل - فقد دَّبَّ الحسد في قلب القاتل لأجل طمعه فيها لا يحلُّ له من الزَّواج بأخته توأمته؛ لأنَّها أجمل من توأمة المقتول، ولم يكن هذا جائزًا في شريعتهم؛ فحسد المقتول، وأساء تقديم اختيار القربان؛ فلم يُتقبَّل منه؛ فتوعَّد أخاه بالقتل، فقتله فاستحقَّ الغضب، وما دم يُراق ظلمًا إلَّا كان على ابن آدم القاتل كفل من دمه؛ لأنَّه أوَّل من سنَّ القتل وبدأ سفك الدَّم المحرَّم.

أبناء يعقوب عليه السَّلام وما وقع بينهم

والنَّموذج الثَّاني منهما= إخوة يوسف بن يعقوب عليه السَّلام؛ فقد أحزنهم وأشعل فتيل الحسد في قلوبهم زيادة محبَّة أبيه له - لأسباب حدت بنبيِّ الله يعقوب عليه السَّلام لذلك؛ كإرثه النُّبوَّة، ويُتمه وهو صغير، وانفراده مع بنيامين من أمِّ واحدة مع ضعف الصِّغر وقوَّة وعصبة إخوته - فكادوا له.

من النَّماذج الأخويَّة الصَّالحة

إنَّ من النَّماذج الإيمانيَّة القرآنيَّة في الأخوَّة النَّسبيَّة نموذج النَّبيَّين الكريمين الصَّالحين موسى وهارون عليهما السَّلام ؛ فقد أبان لنا القرآن الكريم عن الصِّفات التي ينبغي أن يكون عليها الأخوان من اتِّحاد وإعانة وتقوية السَّاعد، ودعم كامل من أجل تمام مهمَّة الرِّسالة؛ فاقتدوا بهذا النَّموذج النَّبويِّ الصَّالح في المحبَّة والإيثار والتَّعاون وحسن الثَّناء، ونبذ الغيرة والكراهية والشَّحناء والبغضاء؛ فإذا كان أحد أحقَّ بمودَّتك ومحبَّتك فهو أخوك ابن أمِّك وأبيك؛ فاعرف له قدره، وتحفظ له فضله، وأحسن صحبته، أعطه ممَّا عندك، واقسم معه ما في يدك، ولا تبخل عليه بما تملك، ففي وصله وصل أبويك، وفي قطعه ذبح وريديك، فالله الله في الرَّحم والصِّلة والأخوَّة.

رسالة من أب لأبنائه

يقول أحدهم لأبنائه: "ألا واعلموا يا أبنائي أنِّي قد حرصت على العدل بينكم في كلِّ شيء من أوَّل لحظة المولد إلى زمن كتابة هذه السُّطور، فلا يقصد الأبوان العاقلان التَّفرقة بين أبنائهما؛ لأنَّكم جميعًا منَّا خرجتم، ولنا تنسبون، وأنتم بمثابة قطعة اللَّحم من الجسد، وقد استحوذ كلٌّ منكم على قطعة من القلب، فهل ترون أحدًا يُفرِّق بين قطع قلبه ولحم جسده؟!.

فإن وقع ما رأيتم فيه تمييزًا لأحد منكم - وليس بواقع بقدر الطَّاقة البشريَّة - فأحسنوا الظَّنَّ بأبويكم؛ فإنَّ محبَّتكم مغروسة في نفوسنا، فحبُّنا لكم سجيَّة، لا نتكلَّفه ولا نتصنَّعه، وإنَّما نتفانى فيه حبًّا وكرامة ونُعمَى عين، ولا نرى لأحد فيكم فضلًا على أحد عندنا إلَّا أن يكون أكثركم طاعة لله تعالى ورسوله وأبويكم، وأبعدكم عن معصيَّته الله تعالى ورسوله وأبويكم، فأفضلكم عندي أفضلكم عند الله تعالى؛ فكلٌّ يكتسب مكانته عندي من مكانته من الدِّين قربًا وبعدًا، وعلى قدر تعظيمك للدين تعظم منزلتك عندي.

واعلموا أنَّني لا أرتِّب على التَّفرقة بينكم - لقربكم من الدِّين - أمورًا ظاهرة تتعلَّق بالتَّقسيم، أو المنح والمنع، أو التَّقليل والتَّكثير، فأعدل بين جميعكم في المأكل والمشرب والمسكن والملبس؛ لأنَّ مخالفة ذلك بالتَّفضيل بينكم ظلم أبويٌّ لا أحبُّه ولا أقدر على أن أُحاسب عليه يوم القيامة، فلئن فعلتم ما يستوجب التَّفرقة لم أفرِّق إلَّا في الباطن وهو قسم لا أملكه ولا أقدر على التَّحكُّم فيه.

واعلموا أنَّ صغيركم عندي مكرَّم، وكبيركم معظَّم، ومريضكم معتنى به ومخفَّف عنه،  وفقيركم يُعطَى ما يكفيه، فلا ينظر بعين التَّفرقة والظُّلم الكبير إلى إكرامي للصَّغير، ولا الصَّغير إلى تعظيمي للكبير، ولا صحيحكم إلى اعتنائي بالمريض، ولا غنيُّكم بعطائي للفقير، وإنَّما هو واجب تقضيه طبيعة المرحلة التي يمرُّ به كلٌّ منكم، على أنَّكم لو تتبَّعتم مواقف صغركم وكبركم لرأيتموها لن تخرج عن هاتين الحالتين؛ فلستُ بتكريم الصَّغير ظالمًا للكبير، ولا العكس، وإنَّما أقوم تجاه كلٍّ منكم بواجب الوقت والمرحلة، فأدركوا هذا المعنى.

أي بنيَّ، إنِّ الشَّيطان أيس أن يُعبَد في جزيرة العرب، ولكنَّه رضي بالتَّحريش وإيغار صدور النَّاس حتى تفسد بينهم المودَّات، وتقطَّع الصِّلات، ويحسد بعضهم بعضًا، ويسعى لإلحاق الأذى والضَّرر بالآخرين، فلا تُمكِّنوا الشَّيطان من الوصول إلى مُبتغاه، واحفظوا حبل المودَّة، وصونوا شعرة الوِصال، ولا تتمادوا مع خطوات الشَّيطان المتسلسلة لئلَّا تتفرَّقوا، فإنَّ تفريق المجتمعين وفصل المتَّصلين وتشتيت المتَّحدين من أعظم أهداف الشَّيطان وأعوانه؛ لتزول قوَّة المجتمع وتتلاشى عرى الإخوَّة الإيمانيَّة".

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله