الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أثر البعد عن المعصية في السَّلامة منها

ولـمَّا كانت إثارة الشَّهوات الكامنة في النُّفوس من وسائل الإفراط فيها حثَّ الإسلام على البعد عن مواطن الاستثارة؛ لأنَّ النُّفوس المتجرِّدة من قوَّة المراقبة والخشية تضعُف أمام سلطان الشَّهوات الغاشم، فتقطِّع اللِّجام وتركض نحو الحرام؛ فكان العلاج الوقائيُّ يكمن في البعد عن مواقع الفتن، ومواطن الشَّهوة، ومظانِّ الحرام؛ قال الله تعالى: {وَلَا ‌تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} [الإسراء: 32] فقد نهى عن القرب دون المواقعة؛ للإِشارة إلى أنَّ مجرَّد الاقتراب مُؤذن بالوقوع في المعصية، فنهى عن كلِّ ما يُوصِّل إليها.

العلاج الوقائيُّ من الإفراط في الشَّهوات

ألا واعلموا يا عزَّ أمَّتكم أنَّ المراقبة من أهمِّ سبُل العِلاج الوقائيِّ للإفراط في الشَّهوات، فإنَّها حين تستقرُّ في القلب، ويصل معناها إلى العقل، وتعمل الجوارح بمضمونها، تظهر على المرء ثمراتها وآثارها، فلا يقع في الحرام عامدًا متعمِّدًا، وسرعان ما يتراجع عن الخطأ إذا وقع فيه؛ لأنَّه يصل إلى مرحلة اليقين بأنَّ الله تعالى يطَّلع عليه، وينظر إليه، ويسمع كلامه، ويرى أعماله، ولا يغيب عنه شيء، فتتحفَّز النَّفس للطَّاعة، وتضعف عن إرادة المعصية؛ إذ يعظُم الخوف في القلب، ويرتفع مؤشِّر الإيمان، وتذهب الرَّغبة في غشيان المعصية؛ فإنَّ المرقبة شعور، ينبثق منه نور يُضيئ طريق المرء، فيرى الأمور على حقيقتها، فيضع الشَّيء في موضعه، والكلام في محلِّه، والنَّصَّ في سياقه؛ ذلك أنَّ المراقبة تُجلِّي البصر، وتقوِّي النَّظر، وتبصِّر المرء بحقيقة الأمر؛ فلا يرى أحدًا أولى بالمراقبة من الله تعالى، فيُسارع في إرضائه بالبعد عن الحرام؛ لأنَّه يُؤمن إيمانًا ثابتًا تتزلزل الجبال الشَّوامخ الرَّاسيات ولا يتزلزل بأنَّ الله تعالى معه يراه ويسمعه، ومُحال أن يثبت هذا المعنى في قلب عبد إلَّا ويُرافقه شعور بضرورة تصفية العمل من الحرام، وتنقيته من العيوب والآثام؛ ليكون محلًّا صالحًا لنظر الله تعالى؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [1] فمن أدرك حقيقة المراقبة بقلبه أثمر الإدراك إيمانًا يجد المرء حلاوته، وعملًا صالحًا يشعر بلذَّته، وانعكس ذلك على كلِّ أفعاله، فلا يُقدِم على الحرام لعلمه بأنَّ الله تعالى يراه ويرقبه، ولا يتمادى في الحرام لخوفه من التَّعرُّض لغضبه ونقمته، ويُسارع في التَّوبة والعودة إلى الطَّريق طمعًا في حبِّه وجنَّته، وهذا ما سعى إليه القرآن الكريم حين وجَّه المسلم إلى أن الله تعالى أولى بالمراقبة والخشية، فلا ينبغي أن يخشى من غير الله تعالى كخشيته من الله أو أشدَّ، بل يُراقب الله تعالى في كلِّ أموره؛ قال الله : {يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا ‌يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا} [النِّساء: 108] وقال الله : {أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ ‌أَحَقُّ ‌أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمنِّينَ} [التَّوبة: 13] فالَّذي يستحضر مُراقبة الله تعالى لا يتجرَّأ على محارمه، ولا يُسرف في معصيته؛ لأنَّه على يقين أنَّ الله تعالى يسمعه ويراه.


[1] صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (البرِّ والصِّلة والآداب) باب: (تحريم ظلم المسلم وخذله، واحتقاره، ودمه، وعرضه، وماله) برقم: (2564) وابن ماجه في سننه، أبواب: (الزُّهد) باب: (القناعة) برقم: (4143).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله