الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

فائدة من حديث التَّغليس بصلاة الفجر

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

وبعد: ففي الصَّحيحين من حديث أمِّ عبد الله أمِّ المؤمنين ‌عائشة بنت أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما قالت: "إن كان رسول الله ﷺ ليُصلِّي الصُّبحَ فينصرفُ النِّساءُ مُتلفِّعاتٍ بمُروطِهنَّ، ما ‌يُعرَفَن ‌من ‌الغَلَس" [1]

يُستفاد من الحديث الشَّريف:

1 - جواز صلاة النِّساء في المساجد اقتداءً بجماعة الرِّجال، بشرط أمن الفتنة، فقد كانت النِّساء في عهد النَّبيِّ يُصلِّين في آخر المسجد النَّبويِّ الشَّريف مقتديات برسول الله؛ وفي الحديث عن ‌ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصُّبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرُجين وقد تعلمين أنَّ عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قولُ رسول الله : «‌لا ‌تمنعوا ‌إماء ‌الله مساجد الله» [2] وذلك لأنَّ الفتنة كانت مأمونة، ومع ذلك كانت النِّساء تُبادر بسرعة الخروج من المسجد عقب الصَّلاة لئلَّا تقع فتنة بعدها.

2 - ضرورة سدِّ الذَّرائع وإغلاق أبواب الفتنة بإسراع النِّساء في مغادرة المساجد بعد الصَّلاة مباشرة لئلَّا يجتمعن بالرِّجال في الطُّرقات أثناء الخروج من المساجد؛ لئلَّا تقع الفتنة بينهما بالنَّظر والتَّلطُّف والاستحسان واللِّقاء والاستخفاف بالشَّعائر وأماكن العبادة؛ فتتحوَّل بيوت الله تعالى إلى نادٍ يختلط فيه الرِّجال بالنِّساء؛ فهذه مفسدة تذهب بروح العبادة، وتؤذن بخراب المجتمعات؛ قال ابن بطَّال رحمه الله: "هذه السُّنَّة المعمول بها أن تنصرف النِّساء في ‌الغَلَس قبل الرِّجال؛ ليخفِين أنفسهنَّ، ولا يتبيَّنَّ لمن لقِيَهنَّ من الرِّجال، فهذا يدلُّ: أنَّهنَّ لا يُقمن في المسجد بعد تمام الصَّلاة، وهذا كلُّه من باب قطع الذَّرائع، والتَّحظير على حدود الله، والمباعدة بين الرِّجال والنِّساء خوف الفتنة ودخول الحرج، ومواقعة الإثم في الاختلاط بهنَّ" [3] فإن وقعت الفتنة تحقيقًا أو خشي وقوعُها لتوفُّر دواعيها مُنعت النِّساء من المساجد، فكيف بما سواها؟!

معالجة مشكلات المجتمع:

وواقع النِّساء الآن في المساجد ومصلَّيات الأعياد عجيب غريب، لا يُقرُّه الشَّرع الشَّريف، ولا يرتضيه المسلم العفيف؛ فقد بلغت الوقاحة، وخفَّة الدِّيانة، وقلَّة العقل، وانتحار الحياء، مبلغًا عميقًا في التَّسفُّل والانحدار حمل النَّساء على التَّساهل في الصَّلاة بجوار الرِّجال دون تمعُّر الوجه واحمرار الخدِّ حياءً كما كان يقع للصَّالحات من النِّساء إذا وقع لها ما تستحيي منه، بل أصبح الكتف في الكتف والقدم في القدم كأنَّهنَّ الرِّجال مع الرِّجال، وما نتج هذا إلَّا بعد زوال المروءة، وذبح النَّخوة، وفساد الأذواق، وانحدار الكرامة عند الرِّجال، فتنسوَن الرِّجال!، وترجَّلت النِّساء!، ووقع الاختلاط بينهما في المساجد وساحات العبادة؛ فأُطلقت الأبصار ووقعت على المفاتن حال القيام والسُّجود والرُّكوع، فجمحت نيران الشَّهوة وأثارت في النُّفوس الخضوع، وخرجت العبادة عن حقيقتها ورُفع من القلب الخشوع:

أَلَا لَيتَ الحَيَاءَ يَعُودُ يَومًا *** فَأُخبِـرُهُ بِمَا فَعَــلَ النِّسَاءُ

اقتراح للمعالجة التَّجاوز:

وأهيب بوزارة الأوقاف والمساجد أن تُصدر قرارًا إلزاميًّا بمنع دخول النِّساء المتبرِّجات السَّافرات المساجد والسَّاحات والمصلَّيات مع السَّماح للمحافظات الصَّالحات المتقيِّدات بالشَّرع والعُرف، وقد وقع مثل هذا في بعض المناطق الأزهريَّة التَّابعة لقطاع المعاهد في فترة من الفترات؛ لصيانة قلعة العلم الأزهر الشَّريف وما يتبعها من إدارات ومواقع من الإسفاف في التَّبرُّج والسُّفور مع الصَّمت المخيف الذي يُعر بالإقرار، والمساجد بيوت الله تعالى أولى؛ لتنزيه دوائر العبادة عن المفاسد وما يترتَّب على إطلاق هؤلاء من فتن ومنكرات؛ ففي الصَّحيحين عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن ‌عائشة رضي الله عنها قالت: "لو أدرك رسول الله ما أحدث النِّساء، ‌لمنعهنَّ كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل" قلت لعمرة: أومنعن؟ قالت: "نعم" [4]

تصحيح الفهم المغلوط:

ولا يُراد منع النِّساء جميعًا من الصَّلاة في المساجد إذا أردن، فالمساجد بيوت الله تعالى لا تُغلَق في وجه أحد لنوعه أو جنسه؛ فالكلُّ مُتعبَّد لله تعالى بالصَّلاة والطَّاعة، وإنَّما يكون المنع إذا وقعت المفاسد، وتأذَّت المساجد، وفسد السَّاجد، وضلَّ العابد، فحينها يجب منع الأسباب المؤثِّرة على دور المسجد؛ قال ابن حجر رحمه الله: "ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقُّق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكَّد ذلك بعد وجود ما أحدث النِّساء من التَّبرُّج والزِّينة؛ ومِن ثمَّ قالت عائشة رضي الله عنها ما قالت، ‌وتمسَّك ‌بعضهم ‌بقول ‌عائشة رضي الله عنها في منع النِّساء مطلقًا، وفيه نظر؛ إذ لا يترتَّب على ذلك تغيُّر الحكم لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت لو رأى لمنع فيقال عليه لم ير ولم يمنع فاستمر الحكم حتى أن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع وأيضا فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه بمنعهن ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بمنع التطيب والزينة" [5]

دور المؤسَّسة الدِّينيَّة في رعاية الدِّين:

وإذا مَرَّر هذا الواقعَ الأليمَ من النِّساء في المساجد آباؤُهم وأزواجُهم وأبناؤُهم تحت تأثير انعدام النَّخوة، وفقدان الرُّجولة، وذبح القوامة، وانتحار الحياء، وانحراف الفطرة، وفساد الأذواق، والرِّضاء باستئساد النِّسوة في المجتمع، فما هو دور المؤسَّسات الدِّينيَّة المسؤولة عن المساجد ورعاية دين النَّاس من الأوقاف والأزهر والإفتاء وما يتبعها من لجان ودوائر ومناطق وهيئات، لابدَّ لجميع هذه الجهات أن تتضافر جهودهُا لإنكار ما وصلت إليه مجتمعاتنا المحافظة من الإسراف في التَّبرُّج والتَّكشُّف جعل المرأة تخرج متعطِّرة ثربها القصير الضَّيِّق الكاشف لشيء من جسدها، ومتزيِّنة في وجهها وشعرها وما ظهر من مفاتنها، وقد صُدِّرت المشاهد العارية من القيم والأخلاق إلى العامَّة والخاصَّة وتداولها المجتمع المصريُّ والخليجيُّ والأجنبيُّ بعد أن وثَّقتها عيون الهواتف والكاميرات، فانتقل المجتمع من مجرَّد الصَّمت القاتل عن ظاهرة الإسراف في تبرُّج نسائه في ساحات العبادة، إلى تدويل المشاهد وترويجها وتصدير صورة شلبيَّة عن المجتمع المصريِّ العريق، جعل النَّاس في الخارج ينظرون إلى رجالنا نظرة احتقار، وإلى نسائنا نظرة اشمئزاز، وهذه نتيجة ملموسة لمن تعامل مع غير المصريِّين بالخارج، وجمع الشَّريف مع الدَّيوث في جملة واحدة! وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

حال مجتمع الرِّجال:

لقد نَعِم المجتمع - المصريُّ خاصَّة والإسلاميُّ عامَّة - بالأمن والأمان والسَّكينة والرَّاحة والاستقرار في الأزمان التي تكون فيها مقاليد الأمور بيد الرِّجال الصُّلحاء، فلمَّا تسلَّط علينا العدوُّ لعب دورًا كبيرًا في إخراج القيادة من يد الرِّجال؛ فزيَّن للمرأة الثَّائرة المنحرفة القابلة للغواية مكانة القيادة، وأقنعها بضرورة خروجها من بيتها ورعاية أسرتها إلى القيادة العامَّة والخاصَّة بالتَّشارك مع الرَّجل، ثمَّ بالغ في دعمها بكلِّ سبيل من سبل الضَّغط والقوَّة فتغلَّبت وانفردت؛ فترأست وتوزَّرت وتنصَّبت وشَغَلت المواقع المؤثِّرة في القرارات الأُسريَّة، فكتبت قانون الأحوال الشَّخصيَّة، وخفَّفت دور الرِّجال في البيوت، وجعلت الغلبة للمرأة، وجوَّزت لها التَّحرُّر من حجابها وحيائها، وثوابت دينها، وأصول عادتها، وقيم مجتمعها.

خطوات نحو الهاوية:

ونظرًا لهذه المجهودات الشَّيطانيَّة في استعمال المرأة الثَّائرة المنحرفة في إفساد المجتمعات الصَّالحة وتقويض أركان الطُّهر فيها خرجت لنا المرأة العصريَّة كأسوأ نسخ المرأة عبر التَّاريخ من لدن آدم عليه السَّلام وإلى يوم النَّاس هذا، فهي نسخة متجبِّرة تسعى للانتقام من الرِّجال بدافع العصبيَّة الجاهليَّة، فسلبت منه كلَّ مقوِّمات الرُّجولة، فنتج عن جهدها الخبيث ظهور نسخة من الرَّجل الدَّيوث الأرعن الذي يُقرُّ الفُحش في أهل بيته دون أن يتمعَّر وجهه أو يتغيَّر، وخرجت المرأة لتنتقم منه في الشَّوارع والطُّرقات بتعريضه للافتتان بملابسها الضَّيِّقة الكاشفة عن مفاتنها، وجسمها العاري الصَّارخ بمواقع جمالها، وتمايُلها الفجِّ الذي يُبرز أنوثتها، ثمَّ انتقلت إلى مرحلة أخرى من الانتقام منه في ساحات القضاء وقاعات المحاكم، فادَّعت أنَّه الجاني المتحرِّش المتصابي، وتقمَّصت ثوب البراءة والمظلوميَّة، ودفعت بالمنظومة التَّشريعيَّة تحت تأثير مظلوميَّتها المصطنعة إلى إصدار القوانين الدُّستوريَّة التي تُحصِّنها من المساءلة في جرائم الاغتصاب والفاحشة لتنزيلها منزل المجني عليها، دون السَّماح لأحد أن يُعرِّض بذكرها كأعظم أسباب الجريمة، دون إعفاء الرَّجل من المساءلة، لكنَّ الإنصاف يقتضي أن تتحمَّل جزءًا من المسؤوليَّة والجُرم؛ فهي من أغوت وأضلَّت ودعت بمظهرها العاري من كلِّ فضيلة وحسن نيَّة وفي مكان عامٍّ، فكيف يؤذن بخروج المرأة من بيتها بملابس غرف الزَّوجيَّة في الشَّوارع العامَّة ثمَّ تُعفى من المسؤوليَّة القانونيَّة؟! بل ويشترك معها في المسؤوليَّة كلُّ وليٍّ تركها وما تريد من التَّبرُّج، فإذا كان من حقِّها مجتمعيًّا أن تلبس ما تشاء - ولا يُقرُّ الشَّرع ذلك ولا ترتضيه النُّفوس المستقيمة - فمن حقِّ غيرها أن يعيش في مجتمع نظيف من أسباب الانحراف ووسائل الجريمة، ووضع النَّار بجوار الموادَّ المشعلة لها منطق العدوِّ الحاقد المتربِّص.

الإمعان في الانتقام:

لم تكتف المرأة بما سبق من محاولات الانتقام من الرَّجل بهدف سحب بساط القوَّة والقوامة من تحت رجليه حتى يُمسي بلا صلاحيَّات، بل تعدَّت هذا بالسَّطو على قانون الأحوال الشَّخصيَّة بسنِّ تشريعات أُسريَّة تجعل المرأة جاثمة فوق صدر الرَّجل بما لها من حقوق جائرة تتعلَّق بالطَّلاق والنَّفقة والحضانة، حتى استطاعت - في الفصل الأخير من فصول المسرحيَّة الهزليَّة التي تمثِّل فيها المرأة دور الضَّحيَّة في مقابل الرَّجل الذي أُلبس ثوب الافتراس - بمعاونة عدوِّ القيم والفضيلة الثَّورة على التَّشريعات الإلهيَّة باستصدار القوانين التي تُدخل الرِّجال في نفق مظلم وِفق خطوات منظَّمة لمرحلة جديدة من الاستعباد تكون فيها المرأة متسلِّطة بالقانون الذي يُمكِّن لها أن تتَّخذ قرارًا بفسخ الزَّواج بعد تمامه بستَّة أشهر دون إتاحة مثله للزَّوج لذات السَّبب، ممَّا يفتح دائرة الطَّلاق الذي تخرب به البيوت الآمنة، مع منع وقوع الطَّلاق الشَّفهيِّ مخالفًا بذلك القواعد المستقرَّة في الشَّريعة والواقع المعيش منذ الزَّمن النَّبويِّ إلى يوم النَّاس، فإن بقي الحال على هذا لم تقم للرِّجال قائمة لقرن من الزَّمان حين يبعث الله تعالى من يُجدِّد للأمَّة دينها.

من مثالب قانون الأحوال الشَّخصيَّة:

وأمام كلِّ هذه التَّغيُّرات المجتمعيَّة التي وقعت بإعانة المرأة الوزيرة المقرِّرة، والنَّائبة المحرِّرة، والمديرة الآمرة، وقع خلل كبير في المجتمع أضعف شخصيَّة الرِّجال، وقوَّى شخصيَّة النِّساء، فأصبحت المرأة تُعطي نفسَها الحقَّ في فعل ما تشاء، على الوجه الذي تشاء، في الوقت الذي تشاء، مع سحب حقِّ الرَّجل في الإنكار والاعتراض، فخرجت كما ترى في ساحات الطَّريق وميادينه متبرِّجة في أشدِّ صور التَّبرُّج دون أدنى شعور بالحرج أو الحياء أو الخطأ، والسَّبيل الوحد للمعالجة يكمن في تنازل المرأة عن القيادة وتقدُّم الرَّجل لموقع المسؤوليَّة لتَّربويَّة والأخلاقيَّة والمجتمعيَّة، ولن يكون ذلك سهلًا، فإنزالها من موقع القيادة يحتاج إلى حزم وحكمة وإصلاح.

لا للتَّعميم:

ولسنا بهذا ننزع عن عموم النِّسوة وصف الحياء والأخلاق والأدب، ففي الأمَّة الإسلاميَّة خير كبير، وأكثر نساء الأمَّة صالحات، ولكن لمَّا غلبت على المواقع القياديَّة نسوة جاهلة فأفسدت، كان الحكم العامُّ لعموميَّة آثارهنَّ، وهذا لا ينفي بقاء الصَّالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله، لا حرم الله الأمَّة من صلاح نسوتها.

والله وليُّ التَّوفيق، وهو يهدي السَّبيل

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله