جحود بني إسرائيل نعم الله تعالى عليهم
لقد كنتُ أتعجَّب من بني إسرائيل عجبًا يعجب منه العجب حين أُطالع أخبارهم وأنظر في مواقفهم التي ذُكرت في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة؛ فهم قوم خصَّهم الله تعالى بالتَّفضيل والتَّكريم على جميع الخلق في أزمانهم؛ قال تعالى: {يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَﵞ [البقرة: 47، 122] وقال سبحانه: {وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ * وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ} [الدخان: 32-33] وكان تفضيل الله تعالى لهم أن جعل فيهم النُّبوَّة والحكم؛ فجميع الأنبياء عليهم السَّلام بعد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السَّلام من نسله عليه السَّلام - عدا النَّبيِّ محمد ﷺ فمن نسل إسماعيل عليه السَّلام - قال تعالى: {وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [المائدة: 20] وقال عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الجاثية: 16] وقد يسَّر الله لهم أرزاقهم التي يُحصِّلونها بيسر وسهولة من غير مشقَّة؛ قال تعالى: {وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} [البقرة: 57] وقال جلَّ وعزَّ: {وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ} [يونس: 93] وأمَّن لهم وطنًا يجمعهم تحت راية النَّبيِّ موسى عليه السَّلام؛ قال تعالى: {يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ} [طه: 80] وتاب عليهم وعفا عنهم حين عبدوا العجل، وبعثهم بعد موتهم بالصَّاعقة حين طلبوا رؤية الله جهرة؛ لعلَّهم يشكرون نعمة الله عليهم؛ قال تعالى: {ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢ وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} [البقرة: 52-53] وقال تعالى: {وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥ ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [البقرة: 55-56]
بنو إسرائيل وعبادة العجل
ومع كلِّ هذه النِّعم والآيات والتَّفضيل والتَّكريم كان ردُّهم من أعجب ما وقفتُ عليه، وقد سجَّل القرآن الكريم مواقفهم المشينة القبيحة تجاه نِعم الله تعالى عليهم في آيات، وفيها اعتداء عظيم على الله تعالى وأنبيائه والإيمان؛ ومن ذلك ما كان في جانب عبادة العجل؛ قال تعالى عنهم حين خرجوا من مصر بعد إنجائهم: ﵟوَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ} [الأعراف: 138] وقال سبحانه: {قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ} [البقرة: 93] والسَّبب في حبِّهم عبادة العجل حتى طلبوا من موسى عليه السَّلام أن يجعل لهم إلهًا يعبدونه أنَّ المصريِّين كانوا يعبدون الأوثان ويتَّخذون الآلهة من دون الله تعالى، وكانوا يعبدون الفرعون ويؤمنون به؛ قال تعالى عن فرعون: {وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي} [القصص: 38] وقال أيضًا: {فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ} [النازعات: 24] وقال تعالى مبيِّنًا استخفاف فرعون بقومه: {وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ * أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ * فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ} [الزخرف: 51-54] وهذا هو السَّبب الأكبر الذي جعل الجيل الأوَّل من بني إسرائيل يُشرَب عبادة العِجل ويطلب من نبيِّ الله موسى عليه السَّلام ما طلبوه، فكان منهم ما تعجَّبتُ له حتَّى ظهرَ لي تأثُّرهم بعقيدة المصريِّين.
أصول بني إسرائيل وعبادة العجل
وممَّا أُراه من أعظم أسباب تعلُّقهم بالأوثان والأصنام أنَّ أصولهم العتيقة كانت عاكفة على عبادة الأوثان؛ فإنَّ الخليل إبراهيم عليه السَّلام أصل أصولهم وأبا الأنبياء عليه السَّلام جميعًا من بعده كان يدعو قومه لنبذ عبادة الأصنام التي اتَّخذوها من دون الله تعالى؛ قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} [الأنعام: 74] وقال سبحانه: {إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢ قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ} [الأنبياء: 52-53] وقال تعالى: {وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠ قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ} [الشعراء: 69-71] فهؤلاء الذين كان يدعوهم إبراهيم عليه السَّلام إلى عبادة الله تعالى وحده ونبذ الشِّرك وعبادة الأوثان؛ قال تعالى: {قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ} [الأنبياء: 56] وقال تعالى: {وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦ إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ} [العنكبوت: 16-17] وتبرَّأ من شركهم وكُفرهم وعِنادهم بعد أن أظهروا إعراضًا وانصرافًا؛ قال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ} [التوبة: 114] وقال سبحانه: {وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ * إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ} [الزخرف: 26-27] وقال جلَّ وعزَّ: {قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ} [الممتحنة: 4]
جهود إبراهيم عليه السَّلام لإصلاح قومه
ولم تتوقَّف مواقف الخليل إبراهيم عليه السَّلام عند هذا الحدِّ؛ بل لقد جرى منه في سبيل ذلك أن حطَّم أصنامهم لإثبات ضعفها عن الدِّفاع عن نفسها فهي عن الدِّفاع عن غيرها آكد؛ قال تعالى: {قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢ قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 62-63] وقاموا على إثره باستدعائه والتَّحقيق معه وإلقائه في النَّار انتصارًا لأصنامهم ونجَّاه الله من مكرهم؛ قال تعالى: {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ * قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ * وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ} [الأنبياء: 68-70] ودارت بينه وبين قومه مُناظرات للبيان وإقامة حجج؛ قال تعالى: ﵟوَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] وقال سبحانه: {وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} [الأنعام: 83]
جهود يوسف عليه السَّلام لإصلاح قومه
ولم يسلم هؤلاء من داء الشِّرك العُضال فقد دعاهم يوسُف عليه السَّلام كذلك إلى توحيد الله تعالى بالعبادة والإفراد بالإيمان، وبيَّن أنَّ قومه في كنعان كانوا على عقيدة الكفر وعدم الإيمان؛ قال تعالى: {إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ * وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ * يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ * مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [يوسف: 37-40] وبقي كثير منهم على عبادة الأوثان والأصنام مع تلك الجهود الكبيرة التي قام بها الأنبياء عليهم السَّلام من لدن الخليل إبراهيم عليه السَّلام إلى زمن موسى عليه السَّلام، وقد علِق ذلك في قلوبهم حتَّى ألفوه واعتادوه وأحبُّوه، فلم يقدروا على تركه، وبقيت رواسب الشِّرك تؤرِّقهم حتَّى طلبوا من موسى عليه السَّلام أن يجعل لهم إلهًا وثنًا يعبدونه.
تعلُّق بني إسرائيل بعبادة العجل
وعليه كان لابدَّ من استلال هذا من قلوبهم لا من عقولهم فقط؛ فقد تعلَّقت بالعِجل قلوبُهم، وما دخل في القلوب على مدار الأجيال المتعاقبة لا يَنزِع عنه المرءُ إلَّا إذا خرج من القلوب؛ ومع طول الزَّمن الذي قضاه هؤلاء في مصر وما ورثوه عن أسلافهم زاد التَّأثُّر بالوثنيَّة، فكان من العسير جدًّا تغيير هؤلاء، وكان الأيسر إيجاد جيل جديد يحمل مهمَّة دخول الأرض المقدَّسة، وهو ما قام عليه موسى عليه السَّلام مدَّة 40 سنة في فترة التِّيه حتَّى تحقَّق بناء جيل النَّصر والتَّمكين في آخر زمن موسى وبداية عهد يوشع بن نون عليه السَّلام.