دور القرآن الكريم في معالجة الإفراط في الشَّهوات
يُعدُّ الإفراط في الشَّهوات من الأمراض الخطيرة المؤثَّرة على الفرد والمجتمع؛ ذلك لأنَّ كلَّ جزء في جسم الفرد يتأثَّر سلبيًّا بالإفراط في الشَّهوة؛ فالعين تتأثر حين يُطلقها صاحبها في فضاء الحرام لتتقلَّب يميًنا وشمالًا في كلِّ مظهر من مظاهر الحياة؛ فتحسد، وتخون، وتزني، وتطالع العلوم الباطلة المحرَّمة، وتبحث عن عورات الآخرين، فيتشتَّت صاحبها بين كلِّ هذه المشتِّتات البصريَّة الَّتي تُفسد عليه سلامته واستقراره؛ لما تجرُّ عليه من ويلات وآثار ذلك من الحزن والكآبة والمشكلات والسَّيِّئات، وأعظم ما في الإفراط من أثر أنَّ النَّفس تتعوَّد عليه كالإدمان؛ فنتنقل من صورة إلى صورة، ومن موقف إلى موقف، ومن أثر إلى أثر، وحين يسعى المرء للتَّخلُّص من نيران تلك الشَّهوة الَّتي جمحت وتفلَّتت يجد مشقَّة كبيرة ومعاناة عظيمة بسبب إلف النَّفس لها.
لا يُنكر العاقل انتشار آثار ونِتاج الإفراط في الشَّهوات في كلِّ مشهد من مشاهد الحياة، فلا يخلو موقف حياتيٌّ يقوم به الإنسان بأيِّ جارحة من جوارحه من صورة من ثلاث صور:
الأولى: الإفراط والمبالغة في الشَّيء:
وهو سِمة غالبة على أفراد كثيرين، فالإفراط في الشَّهوة بتوجيهها إلى الحرام بكلِّ سبيل من سبل الخذلان؛ حيث ينتقل المرء من معصية الغِيبة إلى كبيرة النَّميمة، ومنهما إلى الكذب وشهادة الزُّور، ومنهما إلى النِّفاق ومجاملة الخلائق، ثمَّ يصل إلى السّباب والشَّتم والقذف واللِّعان، وتُسلِّمه كلُّ هذه الخطوات إلى التَّقوُّل على الله تعالى ورسوله ﷺ بغير علم، وأكثر الثَّلاثة خسرانًا هو المفرِط صاحب الإفراط؛ لأنَّ المفرِّط لم يكسب أجرًا، ولم يركب وزرًا؛ فخسرانه راجع إلى الحرمان من الطَّاعة، وأمَّا المفرِط فعلى العكس من ذلك تمام؛ فهو مُقارف للمعصية، مجانب للطَّاعة؛ من أجل هذا كانت عناية هذه الدِّراسة بالإفراط لخطورته وكثرة آثاره، وانتشاره بين الأفراد والمجتمعات؛ بسبب ما نحياه الآن من انفتاح الدُّنيا، وقلِّة الواعظ، وانعدام القدوة، وضعف صوت الدَّعوة، وانشغال النَّاس وتكالبهم على الحياة؛ فنُسي الموت، وغاب الضَّمير، وكثرت المشتِّتات السَّمعيَّة والبصريَّة والقلبيَّة والعقليَّة، وانحرفت كثير من المجتمعات عن الأديان، وقُدِّم فيها التَّافهون ليكونوا القدوة والمثال، وتبدَّلت القيم والعادات والتَّقاليد الَّتي ترعى الفضيلة وتُحارب الرَّذيلة، ومات جيل العظماء من الآباء والأمهات، وخلفهم جيل ضعيف العقل والقلب والإيمان، فوُسِّد الأمر لغير أهله؛ فجمحت الشَّهوة، وفسدت النَّفس.
الثَّانية: التَّفريط وهو تقصير وإهمال حاصل وموجود:
وسببه إمَّا الكسل وإمَّا الجحود، فيترك المرء الفعل ضعفًا أو زهدًا، ولا يستفيد من جوارحه وطاقاته، فلا يستعمل اللِّسان في طاعة ولا معصية بسبب كسله عن ترديد الذِّكر، وقراءة القرآن الكريم، والدَّعوة إلى الله تعالى بهذا العضو المؤثِّر، ولا يستعمله في معصية الله تعالى بالسَّبِّ والشَّتم، والكذب، والنِّفاق، وشهادة الزُّور؛ لا من منطلق الحرمة والبعد عن الحرام، ولكن لعدم التَّفرُّغ لذلك بسبب كثرة أعماله وانشغاله المتَّصل، أو كسله عن بذل مجهود ولو في طاعة، فالتَّفريط في الشَّيء ليس ممدوحًا إلَّا في البعد عن الحرام، وعدم استغلال النِّعمة في المعصية، وأمَّا تفريطه في توجيه النِّعمة إلى الطَّاعة واستثمارها في فعل الخيرات فهذا تقصير يستوجب المساءلة، وحرمان يدلُّ على المؤاخذة.
الثَّالثة: التَّوسُّط بين الإفراط والتَّفريط:
وهو غاية التَّوفيق، وعين الكرامة، فمن خلاله يحرص المرء على الاستفادة القصوى من كلِّ جوارحه وطاقاته؛ فيُوجِّهها في الطَّاعة قولًا واعتقادًا وعملًا، وينصرف بها عن المعصية والحرام؛ فيكون أكثر الثَّلاثة فوزًا وربحًا، وسعادة وطمأنينة، وراحة بال، وحسن مآل؛ لأنَّه أدرك قيمة النِّعمة فشكرها بالاستعانة بها على شكر المنعم الجليل سبحانه وتعالى، والابتعاد عن كلِّ ما يُغضبه.
لقد بيَّن الله تعالى أنَّ شُيوع مظاهر الإفراط في شهوة واحدة من الشَّهوات الكثيرة كفيل بإهلاك الأقوام وإبادتهم فلا تبقى أعيانهم؛ وهذا من شؤم المعصية على صاحبها؛ فإنَّ قوم لوط عليه السَّلام لمَّا شاعت فيهم صورة من صور الإفراط في شهوة الفرج بإتيان الرِّجال دون النِّساء أهلكهم الله تعالى هلاكًا مروِّعًا حتَّى أصبحوا عِبرة ومضرِبًا للمثل لكلِّ جيل يأتي بعدهم؛ قال تعالى: {فلمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ} [هود: 82، 83] فلمَّا جاءوا بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين انتقم الله تعالى منهم بأن عذَّبهم عذابًا لم يسبقهم فيه أحد من العالمين أيضًا؛ وفي هذا ما يردع النَّفس عن التَّمادي في طريق الحرام، فالعقوبة من جنس المعصية، ونحن في هذه الأزمان المتأخِّرة قد جمع النَّاس بين أكثر صور الحرام الَّتي سُبقوا إليها وزادوا عليها شيئًا كثيرًا حتَّى أصبحنا لا نستطيع أن نتصوَّر كيف تكون عقوبة الله تعالى لمجتمع فشت فيه عموم صور الانحراف الَّتي هلكت الأمم السَّابقة بوقوع بعضها، فكيف بمن جمع كلَّ الشَّرِّ وزاد عليه؟!
أهمِّيَّة سعي المصلحين في معالجة مظاهر الإفراط
ولمَّا كان الإفراط في الشَّهوات غالبًا على الأفراد والمجتمعات كان لزامًا على العلماء والمصلحين والباحثين في مجالات العلم المتنوِّعة أن يبحثوا عن دواء مناسب لهذا الداء المجتمعيِّ العُضال الَّذي لم يسلم منه فرد أو مجتمع، فهذا من الواجب الَّذي لا يقبل التَّنازل أو التَّقصير؛ فعن النُّعمان بن بشير رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الَّذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا» [1] فقد بيَّن الحديث الشَّريف ضرورة أن يقوم الصَّالحون العقلاء في المجتمع على معالجة كلِّ مظاهر الانحراف والشَّطط والإفراط الَّتي تحصل من الأفراد المتفلِّتين من القيم والأخلاق والأعراف الصَّالحة، وبيَّن عاقبة التَّقصير في الأخذ على يد كلِّ مخرِّب مفسد؛ فمصير التَّقصير ضياع وهلاك للعامَّة والخاصَّة؛ قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} [الأنفال: 25]
من مشاهد إهلاك المفرطين في الشَّهوات
لقد ذمَّ الله تعالى أممًا فشت فيهم المحرَّمات، وانتشرت فيهم الموبقات، فلم يسلكوا سبل العلاج، ولم يقوموا بواجب المسئوليَّة تجاه المجتمع، فهلكوا جميعًا بسبب الصَّمت القاتل والإقرار الضِّمنيِّ لما يجري على ساحاتهم المجتمعيَّة من حرام وآثام؛ قال تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ * كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ} [المائدة: 78،79] فلقد كان صمتهم وترك المعالجة بالإنكار والتَّعبير الَّذي يضمن لهم النَّجاة والسَّلامة سببًا في إهلاكهم مع من هلك، وأمَّا من قام بواجبه في إنكار المنكر والعمل على معالجة المجتمع من آثار التَّجاوز والتَّعدِّي على حرمات الله تعالى فقد نجوا وحصلت لهم السَّلامة؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قَالَتۡ أمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ * فلمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ} [الأعراف: 164،165] فمجرَّد القيام بالواجب يُعفي المرء من المؤاخذة والعقوبة؛ لأنَّ السَّعي هو الواجب على الأفراد، أمَّا نتائج السَّعي فليست لهم؛ لأنَّ هداية الإرشاد والتَّوجيه إلى الخير وترك الشَّرِّ حقٌّ للنَّاس وواجب على الدُّعاة والمصلحين؛ قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [الشورى: 52] فعلى المصلح أن يُنادي في النَّاس منكِرًا المنكر وداعيًا إلى المعروف، فإن استجاب النَّاس فبها، وإلَّا فلا إثمَّ عليه؛ قال تعالى لنبيِّه ﷺ: {فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ} [الشورى: 48] وقالت الرُّسل: {قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦ وَمَا عَلَيۡنَآ إلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ} [يس: 16،17] وقال جلَّ وعز: {قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فإنَّ تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ} [النور: 54] يقول الطَّبريُّ رحمه الله: "وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد، يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الَّذي أرسلناه إليكم أيُّها النَّاس بإنذاركم عقابنا بين يدي عذاب شديد، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم، إلَّا أن يؤدِّي إليكم رسالتنا، ثمَّ إلينا الثَّواب على الطَّاعة، وعلينا العقاب على المعصية" [2] وأمَّا هداية التَّوفيق والاستجابة فليست لأحد، إنَّما هي بيد الله تعالى؛ قال سبحانه: {ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] وقال تعالى: ﵟوَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا} [النِّساء: 68] ومَنعها من النَّبيِّ ﷺ فقال: {إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} [القصص: 56] فالهداية الممنوحة المثبَتة للنَّبيِّ ﷺ ومن سلك طريقته هي هداية الإرشاد والتَّوجيه والدَّلالة على الخير والشَّرِّ، من خلال الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والهداية الممنوعة المنفيَّة عن النَّبيِّ ﷺ ومَن قام مقامه هي هداية التَّوفيق والاستجابة والامتثال لما تمَّت الدَّعوة إليه فعلًا وتركًا؛ فإنَّ الله تعالى لم يُعطها لأحد، فهي بيده سبحانه وتعالى يمنحها من شاء من عباده؛ قال تعالى: {قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [البقرة: 142] وقال جلَّ وعزَّ: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ} [البقرة: 213] وقال سبحانه: {لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ} [البقرة: 272] فبيَّنت الآيات أنَّ التَّيسير للعمل الصَّالح فوق إمكان البشر، فلا يجب عليهم إلَّا البلاغ والبيان والتَّوجيه، ويكون التَّوفيق للطَّاعة والبعد عن المعصية بيد الله يمنحه من شاء.
اشتغال المصلحين بمعالجة مظاهر الإفراط في الشَّهوات
إنَّ معالجة الإفراط في الشَّهوات من أهمِّ ما يشتغل به المصلحون والعقلاء من كلِّ أمَّة عبر الأزمان والعصور؛ لأنَّ شُيوع الفاحشة في المجتمعات مانع من موانع إقامتها، أو رقيِّها، أو تقدُّمها؛ فالنَّاظر إلى الأمم والمجتمعات الَّتي تضرب بجذورها في أعماق التَّاريخ يرى أنَّ الإفراط في الشَّهوات بالكفر والعِناد، وارتكاب الفواحش، وشُيوع الحرام، وتفشِّي الظُّلم، وانتشار المنكر كان سببًا من أعظم أسباب سقوطهم واندثار آثارهم الَّتي تحقَّقت لهم؛ فقد بلغ قوم عاد وثمود من التَّمكُّن والقوَّة البدنيَّة والمعماريَّة ما جعلهم ينحتون بُيوتًا لهم في الجبال الصَّلبة شديدة التَّماسُك والقوَّة، فقد لانت الصُّخور الصَّامتة الممتنعة في أيديهم؛ قال تعالى: {وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} [الأعراف: 74] وقال تعالى: ﵟأَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ} [الفجر: 6: 9] وأمام هذه القوَّة العاتية الَّتي لم يتحكَّموا في جماحها تكبَّروا وعاندوا وكفروا بالله تعالى، بل تمادوا في غيِّهم حتَّى استجلبوا سخط الله تعالى وغضبه وانتقامه بما وقع منهم من كبر على الله وتعالى؛ قال سبحانه: {فَأمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قوَّةۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قوَّةۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ} [فصلت: 15] فنزل بهم العذاب، وحقَّ عليهم الهلاك، فانهارت حضارتهم، وضاعت ممالكهم، ولم يبق منهم أحد إلَّا عمَّه الهلاك، وناله العذاب؛ قال تعالى: {فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ} [فصلت: 16] وقال سبحانه: {وَأمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦ سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ} [الحاقة: 6،8] ورحلوا لكن بقيت العِبرة من قصَّتهم تذكرها الأيَّام واللَّيالي والآيات: {وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ * وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ} [هود: 89،90] فمن قصصهم اعتبر الصَّالحون فاستقاموا، ولم يرفع المفسدون لها رأسًا فاستمرُّوا على فسادهم وتمادوا في الإفراط في الشَّهوات فهلكوا فاتَّعظوا بأنفسهم، واتَّعظ بهم غيرهم؛ فطوبى لمن اتَّعظ بغيره، ولم تقف نفسه حائلًا وبينه وبين الاعتبار بالسَّابقين.
دور الشَّريعة في تحقيق التَّوازن والاعتدال
إنَّ الإسلام دين ارتضاه الله تعالى للخلائق من لدن بدأت الحياة إلى أن تقوم السَّاعة؛ قال تعالى: {إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُ} [آل عمران: 19] وقال سبحانه وتعالى: {وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} [آل عمران: 85] وقال عزَّ وجلَّ: {ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا} [المائدة: 3] فلا سبيل إلى الله تعالى إلَّا بالإسلام، ولما كان النَّبيُّ محمد ﷺ آخر الأنبياء، وكانت شريعته خاتمة الشَّرائع، وكانت أمَّته ممتدَّة من يوم ظهوره إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، كانت عالميَّة تُخاطب كلَّ زمان ومكان؛ فليست محصورة في زمن دون زمن، وليست صالحة لمكان دون مكان، بل جعلها الله تعالى عامَّة شاملة صالحة للأجيال المختلفة؛ ومن نتائج هذا أنَّها مرنة تقبل المعايشة، وتعالج مشكلات النَّاس في كلِّ وقت ومكان ومجال بما يتَّسق مع العقل والحكمة من خلال نصوص الشَّريعة المحكمة، وهذا ليس لأيِّ أمَّة من الأمم، ولا يستطيعه أيُّ نظام تشريعيٍّ مهما بلغ من الحكمة ودراسة أنماط الشَّخصيَّات في المجتمع الواحد؛ لأنَّ كلَّ تشريع يصدر دون مُراعاة محتويات الإنسان واحتياجاته من تشريع ما يصلُح به شأن المرء جسدًا وعقلًا وروحًا فلن يكون قادرًا على الصُّمود لأيَّامٍ وشهور فضلًا عن استمراريَّته التَّامَّة الدَّائمة؛ لأنَّه لن يُلبِّي ما يحتاجه النَّاس على اختلاف مشاربهم، وألوانهم، وعقولهم، وفهومهم، وبالتَّالي يعجز عن المعايشة والدَّيمومة.
أمَّا الإسلام فهو دين سماويٌّ أحكمه الله وشرعه، وقرَّر فيه من الحِكم والمنافع ما تستقيم به حياة الأفراد والمجتمعات، وبدون السَّير على تعاليمه الرَّشيدة، وأحكامه السَّديدة، وحكمه العديدة لا يتحقَّق أمن فرديٌّ أو مجتمعيٌّ، وسيبقى النَّاس في تخبُّط شديد لما ضُرب عليهم من ظلمات الكفر، ودياجير الضَّلال، والسَّير في ساحات الجهل الَّذي يُؤدِّي إلى انحراف البشريَّة قاطبة عن جادة الاستقامة والسَّلامة إلى الاعوجاج والضِّياع؛ لأنَّ الأمر باختصار شديد ينحصر في أنَّ كلَّ نظام يضع تشريعًا - ليُصلِح المجتمع الَّذي يعمل على التَّرقِّي به - لا يعرف على سبيل الجزم والحقيقة ما يُصلِح الأفراد وما يُفسدهم، بل يجتهد مع إصابة وخطأ، ولا وجه للمقارنة بين تشريعات السَّماء وتشريعات الأرض؛ فالله تعالى - الَّذي أحكم دينه وفصَّله وشرعه ليكون سببًا في سعادة المرء في الدَّارين - هو الأعلم بما ينفع ويضرُّ، ويُصلح ويُفسد، ويُشقي ويُسعد؛ لهذا تأتي الأحكام والتَّشريعات الإلهيَّة مناسبة لحاجات النَّاس في كلِّ زمان ومكان؛ فالشَّريعة واسعة، والأحكام مرِنة، والتَّشريعات تحتمل ما يظهر عبر الأجيال من مستجدَّات الواقع، وتقبل التَّطوُّرات الحديثة في الكون؛ لأنَّ الموجد لكليهما إله عليم حكيم؛ فلا يقع في كونه إلَّا ما أراده وقرَّره من الوقائع والأحداث، وليس الأمر أنف، بل إنَّنا نؤمن إيمانًا ثابتًا تتزلزل الجبال الشَّوامخ ولا يتزلزل أنَّ الله تعالى يعلم ما كان في الماضي، وما هو كائن في الحاضر، وما سيكون في المستقبل؛ قال تعالى: {عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ} [الرعد: 9] فلن يجد المرء تشريعًا كتشريع الله تعالى؛ الَّذي يتناسب ويتلاءم مع كافَّة الأجناس والألوان والبيئات.
ولـمَّا كان هذا شأن الإسلام في تشريعاته، وكان النَّاس مختلفين فيما بينهم في القوَّة والضَّعف، والجلد والعجز، كان من أهمِّ صفات وسمات هذا الدِّين العظيم الوسطيَّة الَّتي تعني أنَّ الإسلام بتشريعات وأحكامه ومظاهره وسط بين طرفين؛ قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أمَّة وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ} [البقرة: 143] ففي كلِّ صورة من صوره يُراعي التَّوسُّط بين الإفراط والتَّفريط، والتَّشديد والتَّهاون، والوسط في كلِّ شيء دلالة قوَّة؛ لأنَّ الشَّطط والتَّجاوز بالإفراط أو التَّفريط يُحسنه كلُّ عامل ومشرِّع، أمَّا الوسط الَّذي تنصلح به النَّفس لا يُجيده كلُّ النَّاس، بل يحتاج إلى صبر ومجاهدة وعزيمة ومعرفة بدقائق الأمور ومعالجة النَّفس البشريَّة، ولا يتحقَّق كلُّ هذا إلَّا للإله العظيم الحقِّ الَّذي خلق الإنسان ويعلم ما يُصلحه وما يُفسده.
لقد حوى القرآن الكريم باعتباره مصدر التَّشريع الأعظم جملة ما يُصلِح الإنسان من الأوامر والنَّواهي والعقائد، والعبادات، والتَّشريعات الَّتي تُعالج كلَّ جانب في الإنسان ليرتقي بقلبه وعقله وروحه وجسده إلى مدارج الإيمان، ولم يترك شيئًا يحتاجه الإنسان في طريقه في الحياة إلَّا بيَّنه وفصَّله وأحكمه؛ قال تعالى: {مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ} [الأنعام: 38] فهو دستور السَّماء، وسبيل النَّجاة، وقانون الإصلاح للأرض ومن عليها؛ فإن أخذ به الأفراد والمجتمعات نجوا ورشدوا، وإلَّا هلكوا وضلُّوا؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وقد تركت فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» [3] فإنَّ الاعتصام بالقرآن الكريم من أوثق حبال النَّجاة وخيوط السَّلامة؛ لذا كان المسلم مطالبًا بالنَّظر في القرآن الكريم للوقوف على كلِّ ما يطمح فيه من علوم ومعارف وهدايات وتوجيهات يضمن السَّير عليها سلامة الفرد واستقرار المجتمعات؛ قال تعالى: {...وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ...} [آل عمران: 103] وقال تعالى مبيِّنًا دور القرآن الكريم في هداية النَّاس وإرشادهم إلى ما ينفعهم: ﵟ...قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ * يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [المائدة: 15، 16] وقال سبحانه: {إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمنِّينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ...} [الإسراء: 9].
لقد عاش الصَّحابة رضي الله عنهم في مجتمعهم الأوَّل الَّذي وقعت فيه من الأحداث ومظاهر الإفراط في الشَّهوات ما يتشابه مع ما يقع في مجتماعتنا المتأخِّرة؛ فالعصمة ليست إلَّا لرسول الله ﷺ وأمَّا الصَّحابة رضي الله عنهم فوقعت في عهدهم من نفر قليل منهم [4] جرائم الزِّنا، والسَّرقة، والقتل، وشرب الخمر، والقذف، والكذب، والنِّفاق، والرِّياء، والغِيبة، والنَّميمة، ونحو هذا من المواقف والمشاهد والوقائع النَّاجمة عن الإفراط في الشَّهوة في جانب من جوانبها، ومع كلِّ مشكلة تحدث ينزل القرآن الكريم وحيًا من السَّماء ليُعالج كلَّ ما يحصل في المجتمع المسلم حسب الحاجة والحدث، ومع مرور الأيَّام وكثرة الأحداث تكوَّن منهج علاجيٌّ عمليٌّ ميدانيّ شامل لمعالجة الشَّطط في الشَّهوة من كلِّ جوانبها؛ فكان اعتماد الدِّراسة على القرآن الكريم في معالجة الإفراط في الشَّهوات من هذا المنطلق الَّذي يُبيِّن وظيفة من أعظم وظائف النَّصِّ القرآنيِّ الكريم؛ فالقرآن الكريم منهج شامل كامل في الارتقاء بالإنسان من كلِّ جوانبه؛ فهو كتاب عقيدة، وشريعة، وتربية، وتزكية، وأخبار، وقضاء، ولا نهجر السُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة؛ فبها تكتمل أدوات النَّظر والعمل والإصلاح والمعالجة، من أجل هذا كان الرُّجوع إليهما للوقوف على منهجه في معالجة الإفراط في الشَّهوات مطلوب ومؤكَّد.
معالجة القرآن الكريم لمظاهر الإفراط في الشَّهوات
لقد وضع القرآن الكريم منهجًا صالحًا لمعالجة الإفراط في الشَّهوات في كلِّ زمان ومكان، وسوف أعمل في هذا الفصل - إن شاء الله تعالى - على استقراء النَّصِّ القرآنيِّ الكريم بهدف الوقوف على منهجه في معالجة الإفراط في الشَّهوات؛ ففيه العلاج الصَّادق لكلِّ ما يُؤرِّق الإنسان من مشكلات، وهموم، وأحزان، وفيه التَّوجيهات الصَّالحة لكلِّ ما يُواجهه من عقبات، وصعوبات، وتحدِّيات، وسوف أتناول منهج القرآن الكريم في ذلك من زاويتين:
الأولى: العلاج العامُّ:
وأذكر فيه منهج القرآن الكريم في معالجة كافَّة أنواع الإفراط في الشَّهوات عن طريق وضع نقاط عريضة عامَّة لمعالجة كلِّ صور الإفراط الَّتي تقع من النَّاس؛ بهدف تحديد منهج كليِّ للمعالجة يصحُّ استعماله في معالجة كلِّ صورة من صور الإفراط، فهو بمثابة العلاج الوقائيِّ الَّذي يضمن سلامة المرء من الإفراط في أيِّ شهوة، وسوف أتناول هذا النَّوع من العلاج في مقال قادم.
الثَّانية: العلاج الخاصُّ:
ويتناول ما يختصُّ بالشَّهوة من علاج دقيق يتناسب معها دون غيرها؛ فإنَّ لكلِّ صورة من صور الإفراط في الشَّهوات ما يُعالجها مُعالجة مُنفصلة، ويكون مبنيًّا على طبيعة المشكلة، وأسبابها، ومظاهر الإفراط فيها، وما ينتج عن ذلك من آثار وشواهد، فالمعالجة هنا أدقُّ وأخصُّ، وسوف أتناول هذا النَّوع من العلاج في مقال قادم.
(1) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب: (الشَّركة) باب: (هل يقرع في القسمة والاستهام فيه) برقم: (2493) والبيهقي في سننه الكبرى، كتاب: (العتق) باب: (إثبات استعمال القرعة) برقم: (21410).
(2) جامع البيان، لأبي جعفر الطَّبريّ، (9/12).
(3) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الحج) باب: (حجة النَّبيّ ﷺ) برقم: (1218) وأبو داود في سننه، كتاب: (المناسك) باب: (صفة حجة النَّبيّ ﷺ) برقم: (1905) وابن ماجه في سننه، أبواب: (المناسك) باب: (حجة رسول الله ﷺ) برقم: (3074).
(4) مكانة الصحابة رضي الله عنهم: لقد كان مجتمع الصحابة رضي الله عنهم مجتمعا بشريا، فلم يكن ملائكيا، أو نبويا معصوما من الخطأ، فوقع منهم رضي الله عنهم الخطأ الذي قوَّمهم فيه الوحي الشَّريف من قرآن وسنة، ومع ظهور المنافقين في زمنهم الذين وقع من قِبلهم من الإفراط في الشَّهوات ما وقع، ولكن الصحابة رضي الله عنهم يمتازون عنهم وعن كلِّ من جاء بعدهم بكثير من المميِّزات الَّتي لم تجتمع لغيرهم؛ كنصرتهم وتأييدهم لقضية الإسلام، ونشرهم للدِّين في أقطار الأرض، واجتماعهم رضي الله عنهم مع النَّبيّ ﷺ ورؤيته مع عِظم محبته ﷺ، والتفانِي في دعمه ونصرته ﷺ، والمقاتلة عن دينه وشريعته ﷺ، وكأن ما وقع منهم من أخطاء عالجها الوحي كان من أجل تصحيح المسار، وتعليم الأجيال اللَّاحقة كيفية مُعالجة الأحداث والمواقف؛ فقد تميَّزوا رضي الله عنهم بالعودة الصادقة السريعة إذا وقعوا في الخطأ بسبب طبيعتهم البشريَّة؛ لذلك فهم عدول بتعديل الله لهم، وثقات بشهادة النَّبيّ ﷺ لهم، ولا ينتقصهم إلا مبغض منافق، ولا يُحبُّهم إلا مؤمن صادق، فلا يتم إيمان المؤمن إلا بمحبتهم وموالاتهم ونصرتهم رضي الله عنهم؛ لأنهم نقلة الوحيين، وشهود الشَّريعة، وحملة راية الإسلام إلى الدُّنيا، فالطعن فيهم طعن في الدِّين كله، وتجريحهم دليل تجريح من جرَّحهم؛ فهم أوَّل هذه الأمة، وقد رسموا منهجًا صالحًا لا تصلح آخر هذه الأمَّة إلَّا إذا اعتمدوه وساروا عليه.