مراتب العقوبات التَّدريجيَّة:
يمكن أن نضع ترتيبًا للعقوبات يضمن التَّدرُّج وتتناسب مع المشكلات، وبيانها كالتَّالي:
أوَّلًا: التَّوجيه والبيان: وذلك عن طريق توجيه المربَّى إلى أنَّ سلوكه الذي فعله غير سليم، ولا ينبغي فعله من مسلم، مع إضفاء ما يُشعِره بترفُّعه عن ارتكاب مثل هذا، من خلال الإشارة إلى نوع وحجم الخطأ، وذكر النُّصوص والفلسفات التي تزيد الأمر بيانًا وتبيينًا وتوضيحًا؛ لأنَّ كثيرًا من المعاقَبين يقع في أمور تستوجب العقوبة بجهل منه، فإذا بُيِّن له الخطأ كان أشدَّ النَّاس حرصًا على البعد عنه.
ثانيًا: الزَّجر والتَّعنيف: فإنَّ من الأبناء من تردعه الكلمات، وتنزل على مسامعه أشدَّ من السِّياط، فيُزجر ويُعنَّف من ارتكب أيَّ خطأ مع الآخرين بعد معرفته، ولا يكون الزَّجر بالفُحش أو سيِّء الكلام، أو قبيح الألفاظ؛ فالمقام مقام تربية، وإنَّما تُستعمل الكلمات التي تُظهر للمربَّى حجم الخطأ بطريقة مهذَّبة يُركِّز فيها المربِّي على جانب إظهار قدرة المربَّى على الفعل والتَّرك مع التَّقصير في اختيار الوجه الأكمل، ولا يكون هذا الخيار إلَّا مع من غلب على الظَّنِّ أنَّه ينتفع بالزَّجر والتَّعنيف؛ لأنَّه ربَّما خلَّف آثارًا عكسيَّة وصلت إلى حدود التَّفلُّت والخروج من البيئة التَّربويَّة.
ثالثًا: الضَّرب غير المبرِّح: وهذه عقوبة شرعيَّة مقرَّرة في القرآن الكريم، وضابطها ألَّا يكون مؤذيًا، وأن يقع في الضَّرورات التي يغلب على الظَّنِّ أنَّها الوسيلة التَّربويَّة الأنسب في المقام التَّربويِّ ومع الشَّخصيَّة المناسبة؛ فضرب المربَّى أحد أنواع العقوبات المقرَّرة في مجال التَّربية والتَّعليم، فليس ممنوعًا في ذاته، وليس ممنوحًا في كلِّ حالاته، ولستُ مع مَن قال: [الصَّغير يُقرَع بالعصا، والكبير تكفيه الإشارة] فالأمر ليس على إطلاقه؛ فمن الصِّغار من له نفس تأنف من الضَّرب، ولا تحبُّ القسوة والزَّجر؛ إذ تأتي بنتيجة عكسيَّة معه، ومن الكبار من لا يستقيم بمجرَّد التَّوجيه والرِّفق، بل لا يرعوي إلَّا بالزَّجر، أو التَّعنيف الشَّديد، والمبالغة في معاقبته، فالأمر ليس مرتبطًا بفئة عمريَّة معيَّنة، بل هو متعلِّق بصفات المربَّى، فقد يكون ضعيفًا في شخصيَّته، وقد يكون قويًّا؛ فالذي يحدِّد طريقة التَّعامل بالعقوبة معه أثناء المخالفة حكمة المربِّي.
ضوابط عقوبة الضَّرب:
وعقوبة الضَّرب من الوسائل التَّأديبيَّة التي يستعين بها المربِّي في تقويم قصور المربَّى، ولكن لها خمسة ضوابط لا ينبغي إهمالها، وهذا بيانها:
الضَّابط الأوَّل: الضَّرب من أنجع طرق تقويم المقصِّر، ولا مانع منه شرعًا، بل إنَّ التَّربويِّين وعلماء النَّفس يرونه ضرورة مع شريحة معيَّنة من الناس، وعليه فلا مانع من الضَّرب المقيَّد بالحكمة، والمقترن بالرَّحمة، والذي يُراعى فيه الضَّوابط التَّالية.
الضَّابط الثَّاني: القسوة الشَّديدة في الضَّرب تؤدِّي إلى نقيض المقصود حتمًا؛ فقد يملُّ المربَّى وينفر بسبب تغليظ العقوبة عليه، بل وقد يهجر البيئة التَّربويَّة بدون علم والديه من أجل خوفه من الضَّرب، وقد يتسبَّب الضَّرب في إحداث عقدة نفسيَّة مزمنة تضرُّه.
الضَّابط الثَّالث: لا يُعاقب المربَّى بالضَّرب ومُعاقِبه قد تحكَّم فيه الغضب؛ لأنَّه يُعمِي، ويكاد يُجمِع العقلاء على أنَّ العقوبة وقت الغضب لا تجرُّ على صاحبها إلَّا المثالب؛ فقد يتسبَّب في إحداث عاهة مُستديمة للمعاقَب من جرَّاء المعاقبة وقت الغضب؛ فمن غضب أُغلِق عقله حتى لا يكاد يدري ما يفعل، بل وقد تنجم عن المعاقبة في الغضب أضرار جسيمة لا قِبل للمعاقِب بحملها؛ كإتلاف العين، أو فتح الرَّأس، أو قطع الأذن، وقد رأيتُ بعضه بعيني من بعض الأساتذة في الميدان التَّعليميِّ، فانتفعت بالبعد عن هذه التَّصرُّفات.
الضَّابط الرَّابع: إذا قرَّرت بحكمتك أنَّ عقوبة الضَّرب هي الأنسب في المعاقبة فكن حكيمًا وأنت تباشرها، فلا تسرف ولو ضمنت النَّتيجة؛ فمن النَّاس من إذا عاقب أسرف إلى حدٍّ يصل بالمعاقَب إلى التَّبجُّح والاعتراض، وحينها يسقط المربِّي من نظر المربِّين بسببه.
الضَّابط الخامس: اجعل المعاقبة بالضَّرب موسميَّة لا يوميَّة؛ فمن الأبناء مَن لو اعتاد على أشدِّ أنواع العقوبات لسهُلت عليه، فلا تعوِّد المربَّى المقصِّر في أداء واجباته على عقاب بعينه، بل عدِّد له صوره وألوانه حتى لا يستطيع تحديدها؛ فخوفه من المعاقبة بالمجهول أشدُّ عليه من المعاقبة.
رابعًا: التَّكليف بعمل شاقٍّ: كتكليفه بكتابة عدد من صفحات المصحف، أو الذِّكر بعدد محدَّد؛ فنكون بذلك قد جمعنا له بين العقوبة والأجر؛ وهذه العقوبة تردع كثيرًا من الأبناء؛ لأنَّهم لا يُحبُّون الإلزام بالكتابة؛ لما في ذلك من إجهاد عضلة يده، أو تضييق الوقت عليه، وكلُّ عمل نافع فيه مشقَّة يخاف كثير من الأبناء الإلزام به، فإذا جعلناها عقوبة أنتجت ثمرة الانضباط والجدِّيَّة والالتزام، وقد جرَّبت بنفسي إلزام بعض المربِّين بالاستغفار 1000 مرَّة، فنتج عنه ترك التَّقصير، وألِف الذِّكر والاستغفار وتعلَّق به.
خامسًا: الحرمان من مرغوب فيه: فإنَّ العقوبة بنزع شيء ممَّا يُحبُّه المربَّى منه من أصعب العقوبات وأشدِّها عليه، فإذا وقع له ذلك لم يسمح لنفسه بتكرار الخطأ الذي تسبَّب في حرمانه من فعل ما يُحبُّه؛ كحرمانه من حصَّة الرِّياضة، أو الحاسوب، أو الرَّحلات الصَّفِّيَّة، أو الفسحة اليوميَّة، أو الإجازة الشَّهريَّة، أو ما في معناه ممَّا يُحبُّه.
سادسًا: التَّهديد بالعقاب الأشدِّ: إنَّ الأصل في العمليَّة التَّربويَّة وقوع الأمن والأمن ونزع القلق والارتباك، وقد يُخالَف ذلك إذا أثمر ما لم يُثمره الأمان؛ لأنَّ التَّقويم بالانضباط مقصد أسمى يُسعى لتحقيقه عن طريق الوسائل الصَّحيحة؛ ولا مانع أن يُهدَّد المربَّى بما يخوِّفه ولو بقصد التَّهديد والتَّنفيذ؛ كأن يُهدَّد بعقاب معيَّن - إن كان ممَّن يخوِّفه ذلك - فقانون التَّربية بالتَّخويف منهج قرآنيٌّ؛ قال الله : {نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩ ۞ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ} [الحجر: 49-50] وقال الله : {وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا} [الإسراء: 59] وقال الله : {ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ} [الزمر: 16] وهو ما يُعرف بأسلوب الجمع بين التَّرغيب والتَّرهيب؛ فمن النَّاس من يُصلحه التَّرغيب، ومنهم من يُصلحه التَّرهيب، فجاء أسلوب القرآن الكريم لمعالجة النَّفس البشريَّة.