فضل القرون الفاضلة على من بعدهم
إنَّ المتتبِّع لتاريخ الإسلام منذ أوَّل أمره يعلم أنَّ الله تعالى يُعدُّ لدينه من ينصر رسالته، ويسخِّر له من يذبُّ عن شريعته؛ ولن يخلو زمان ولا مكان من هؤلاء الذين اصطفاهم الله تعالى لهذه المهمَّة العظيمة؛ لئلَّا يكون للنَّاس على الله تعالى حجَّة.
وإنَّ أعظم من خدم الإسلام ودافع عن ثوابته، وكرَّس حياته المباركة لتبليغ دعوته، ونشر ثقافته، جيل الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وتابعيهم بإحسان رحمهم الله في الأزمنة المتقدِّمة؛ فما قدَّموه لا يُضاهيه ما قدَّمه من لحقهم وجاء بعدهم؛ لذا استحقوا ثناء النَّبيِّ ﷺ في قوله: «خير النَّاس قرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم» وإنَّما نالوا هذه الخيريَّة لقربهم من زمن النُّبوَّة الشَّريف؛ الذي منحهم من المعاني الإيمانيَّة، والحقائق الدِّينيَّة، والمعارف العلميَّة، ما لم يكن عند تابعيهم بالقوَّة نفسها، ولا يُنكَر أبدًا الفضل والعلم في لاحقيهم، لكنَّه أقلُّ بكثير إذا ما قورن بهم.
أسباب تفضيل أهل هذا الزَّمان
وقد توفَّر في هذا الزَّمن خيار أهل العلم، وكانت المجالس تزدحم بهم، ولا يخلو مكان وإن قلَّ أهله من وجود العلماء ووفرتهم فيه؛ حيث كان العلم هو شعار أهل هذه الأزمان المباركة، مع قوَّة في اللِّسان، وصلاح في النُّفوس، وقرب من العهد النَّبويِّ الشَّريف، وسلامة في العادات والتَّقاليد، وجودة في القرائح والعقول؛ فأنتجت كلُّ هذه العوامل أعدادًا كبيرة من العلماء ازدان بهم التَّاريخ، وتزيَّنت بهم الأيَّام، واستبشرت بهم اللَّيالي، وكانوا علامة كبيرة بارزة في دنيا النَّاس؛ لما قدَّموه للبشرية من علوم، ومعارف، وسيرة حسنة تُسطَّر بمداد طاهر شريف.
الإمام مالك علامة فارقة في الأمَّة
ومن العلامات البارزة التي يقف أمامها التَّاريخ الإنسانيُّ معجبًا مذهولًا العلم الجوهرة إمام دار الهجرة= مالك بن أنس بن عامر الأصبحيُّ رحمهم الله؛ إمام النَّاس في الفقه، والحديث، والورع والدِّين؛ فقد أوتي من المكانة العالية والمنزلة السَّامية ما لم يؤت غيرُه من علماء الأزمان الغابرة والعابرة، ولعلَّ من الأسباب التي أدَّت إلى ذيوع صيته، وبلوغ شهرته حتى طبَّقت العالمين:
1 - تصدُّره للتَّدريس في مسجد النَّبيِّ ﷺ مع زيارة المسلمين له من مختلف الأقطار، ممَّا ساعد في انتشار علمه، وكثرة طلَّابه، وبلوغ صيته إلى حيث تصل الشَّمس، ويبلغ اللَّيل والنَّهار؛ فكثر النَّاقلون عنه لكثرة زوَّار المسجد النَّبويِّ الشَّريف.
2 - دقَّة منهجه في الرِّواية: حيث كان من صفوة أهل الحديث الذين كانت لهم عناية كبيرة بالرِّواية، مع غاية التَّحرِّي والتَّدقيق في المرويَّات التي يتحمَّلها ويؤدِّيها؛ فوضع كتابه= [الموطَّأ] الذي كتب الله تعالى له الذُّيوع والتَّمدُّد؛ فأمَّه المحدِّثون للرِّواية والنَّقل والتَّحمُّل.
3 - سلامة منهجه في الفقه: حيث تميَّز بقوة فهمه للنُّصوص الشَّرعيَّة، وتفرَّد عن أقرانه بمنهج محكم في استنباط الأحكام الفقهيَّة من الأدلَّة؛ ممَّا جعل الفقهاء والمتفقِّهين، والعامَّة والخاصَّة يُقبلون عليه للاستفادة من بحار علمه، ودقيق فهمه.
من أجل هذا وغيره أحببت أن أُشرِّف قلمي وبناني بالكتابة عن هذا العلم الشَّريف الذي خالط أنفاس النَّبيِّ ﷺ من خلال روايته للحديث، وخالط ديار المصطفى ﷺ من خلال سكنى المدينة المنوَّرة، وتشرَّف بالتَّدريس وتعليم المسلمين في وقت يُعدُّ من أوقات ريادة العلم، وسيادة العلماء، ورواجهم في البلاد آنذاك.