الجواب في نقاط
تمكن الإجابة عن هذا السُّؤال المهمِّ في النِّقاط التَّالية:
أولًا: ليس لأحد الحقُّ في إلزام الله تعالى بشيء؛ فالله لا يُلزَم؛ {لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ} [الأنبياء: 23] وعليه فالصَّواب في صيغة السُّؤال: لماذا تعدَّدت اختيارات النَّاس في الدِّين؟ أو ما هي الحِكم من وراء اختلاف الأديان؟
ثانيًا: لقد خلق الله تعالى الخلق أجمعين على الفطرة النَّقيَّة والملَّة السَّويَّة والدِّين الحقِّ؛ قال تعالى: {فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [الروم: 30] ومن كمال عدله سبحانه سوَّى بين الخلق في ذلك، فلم يخلق الكافر على الكفر، ولكنَّ الكفر اختيار الكافر، وفي الصَّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "كلُّ مولود يُولد على الفِطرة؛ فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه" [1]
ثالثًا: أخذ الله تعالى الميثاق على جميع الخلق وهم في الظَّهر والأصلاب أن يُؤمنوا به إيمانًا، وأن يعترفوا به اعترافًا، وأن يتَّبعوا دينه ولا يعدلوا عنه؛ قال تعالى: {وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢ أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [الأعراف: 172-174]
رابعًا: أرسل الله تعالى الرُّسل وأنزل الكتب ليُذكِّروا النَّاس بالعهد والميثاق الذي أخذه عليهم؛ لئلَّا ينحرفوا عنه أو ينجرفوا إلى نقيضه؛ لإقامة الحجَّة عليهم؛ قال تعالى: {رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} [النساء: 165]
خامسًا: علم الله تعالى أنَّ من عباده من يؤمن ومنهم من يكفر ، ومن كمال عدله بعد فضله أنَّه لم يُؤاخذ من كفر بعلمه فيه، بل أقام عليه الحجَّة من نفسه التي اختارت الكفر ورضيت بالعناد والمخالفة، فكانت الحياة الدُّنيا مرحلة اختبار وامتحان ليختار المرء فيها طريقه بمحض اختياره؛ قال تعالى: {وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِﵞ [البلد: 10] وقال سبحانه: {وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧ فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} [الشمس: 7-10]
سادسًا: قرَّر الله تعالى أنَّه لا يُكره أحد على الدُّخول في الدِّين، فلا يجوز استعمال سلطة أو تسلُّط من أجل إرغام أحد على ذلك، فلابدَّ من تحقُّق الرَّغبة والاختيار؛ قال الله تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]
سابعًا: بيَّن الله تعالى في النُّصوص ما يحمل النَّاس على اختيار الهداية والفرار من الكفر؛ قال تعالى: {وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا} [الكهف: 29] وقال سبحانه مخوِّفًا عباده من الكفر والجحود: {إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الزمر: 7]
ثامنًا: كان النَّاس على الفطرة النَّقيَّة والملَّة السَّويَّة فاجتالتهم الشَّياطين عنها واختاروا الكفر على الإيمان، وعملت الشَّياطين فيهم بالغواية والإضلال؛ فاستجاب لها أُناس؛ قال تعالى: {أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠ وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١ وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ} [يس: 60-62] وقال سبحانه وتعالى: {إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧ لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨ وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩ يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 117-120] وفي صحيح مسلم عن عِياض بن حِمار المجاشعيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله تعالى: "إنِّي خلقت عبادي حنفاء كلَّهم، وإنَّهم أتتهم الشَّياطين فاجتالتهم عن دينهم" [2]
تاسعًا: أراد الله تعالى أن يختبر عباده بالإيمان والكفر؛ ليُكرم من اختار الإيمان بالجنَّة، ومن اختار الكفر بالنَّار؛ والمرء في الحياة الدُّنيا في مرحلة اختبار وامتحان، وهذا لا يتحقَّق إذا جُعل النَّاس جميعًا على الإسلام؛ قال تعالى: {وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} [المائدة: 48] وقال سبحانه: {وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [النحل: 93] وقال جلَّ ذكره: {وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ} [الشورى: 8] وقال جلَّ وعزَّ: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ} [الملك: 2]
عاشرًا: وأمَّا كون الخلق يرجعون إلى آدم عليه السَّلام فليس شرطًا أن يستجيبوا للحقِّ ليكونوا على ملَّة أبيهم وأصل خلقهم؛ فقد حدَّثنا القرآن الكريم عن واقع البشر مع الدِّين فقسَّمهم إلى ثلاثة أقسام:
الأوَّل: آمن كأصله؛ وهم مؤمنوا كلِّ زمان ومكان من لدن خلق الله تعالى آدم عليه السَّلام إلى يوم القيامة، سواء آمنوا تقليدًا وإرثًا، أو قناعة واختيارًا.
الثَّاني: كفر وانحرف عن منهج أصله لأصله الأقرب؛ وهم كفار كلِّ زمان ومكان، ممَّن آثروا الغواية كبرًا وبطرًا وظلمًا وطُغيانًا؛ قال تعالى: {قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} [الأنعام: 33] وقال تعالى جدُّه: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} [النمل: 14] وقال جلَّ وعزَّ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} [فصلت: 17] وبيَّن الله تعالى سرَّ كفرهم فقال: {إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩ فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠ وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١ وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ} [الصافات: 69-73] وقال سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ ٢٣ ۞ قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ} [الزخرف: 23-24]
الثَّالث: كفر مع توفُّر أسباب الإيمان؛ كابن نوح وزوجته، وأبي إبراهيم، وزوجة لوط، على جميع أنبياء الله السَّلام، أو آمن مع توفُّر أسباب الكفر؛ كإبراهيم وكان أبوه يصنع الأوثان ويعبدها، وكأصحاب النَّبيِّ ﷺ الذين آمنوا وحولهم الأصنام وعابدوها، ولقوا من الإيذاء والعنت ما لم يلقه أحد قطُّ إلَّا تراجع؛ لكنَّه الإيمان حين تُخالط بشاشتُه القلوب؛ فيقع الرِّضا في القلب، فيُذهل عن العذاب والألم.
وبهذا يظهر أنَّ أمر الإيمان متروك لاختيار العبد؛ وهذا لكمال عدل الله تعالى، مع إرسال الرُّسل وإنزال الكتب لكي يؤمَن النَّاس، وأوجد في النَّفس دافع الخير والشَّرِّ، ثمَّ بيَّن لهم الطَّريق، فمن اختار أُلزم باختياره، وتحقَّق الجزاء والحساب على ما يُناسب اختيار العبد الذي لا يخرج عن علم الله تعالى به؛ وإنَّما شاء الله تعالى أن يُعامل النَّاس بعملهم لا بعلمه فيهم؛ ليُقيم عليهم الحجَّة باختيارهم.
والله أعلم وأحكم وهو أعزُّ وأكرم
(1) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الجنائز) باب: (ما قيل في أولاد المشركين) برقم: (1385)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (القدر) باب: (معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين) برقم: (2658).
(2) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها) باب: (الصِّفات التي يُعرَف بها في الدُّنيا أهل الجنَّة وأهل النَّار) برقم: (2865).