عموميَّات في معالجة الشبهات:
لمعالجة الشُّبهات التي يطرحها المشكِّكون وأتباعهم يُمكن اتِّباع ما يلي:
1 - ردُّ العلم بالحقِّ فيها إلى الله تعالى ورسوله والعلماء الصَّالحين من خلال العودة إلى مصادر اليقين والإيمان من القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الصَّحيحة وفهوم أهل العلم الثِّقات؛ قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} [النساء: 59] وقال الله سبحانه: {وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا} [النساء: 83] فالعودة إلى العلماء الرَّبَّانيِّين في المشكلات والنِّزاعات حصن حصين يتحصَّن به المسلم؛ فالشُّبهة لا تجد سبيلًا إلى قلوب وعقول أهل العلم؛ لأنَّها مبنيَّة على جهل وتخبُّط وعشوائيَّة؛ ولا تزال الشبهة سارية في العقول والقلوب الضَّعيفة ما لم تُواجَه بحجَّة العلم وسلطان الإيمان.
2 - الاعتناء بالعلم والمعرفة من خلال نشر الثَّقافة وتيسير تلقِّي العلوم التي تصنع حصانة فكريَّة لا يحصل معها اختراق العقول بشيء من الشُّبهات، وهذا العلاج يحتاج إلى تضافر الجهود بين المعلِّمين والمتعلِّمين لنقل المعرفة والانتفاع بالعلم في تكوين ملكة الرَّدِّ الذَّاتيِّ للشُّبهات.
3 - اختيار من يُتلقَّى عنه العلم ومسائل الشَّرع الشَّريف، فليس من الحكمة أو المنطق الرَّشيد أن يسمح المرء لنفسه بأخذ أمور الدِّين من الشَّياطين وأعوانهم من شاربي الخمر ومدمني العلاقات المحرَّمة الظَّاهرة، ممَّن عُرفوا بعداوتهم للإسلام بما طفح من قلوبهم على فلتات ألسنتهم وأسنَّة أقلامهم، وعدم الثِّقة فيمن ينقل الشُّبهات أعظم مسالك العلاج.
4 - عدم الاستسلام للشُّبهة والإقرار بما تحتويه من مدلولات ومضامين حتى تتمَّ مراجعة العلماء الرَّبَّانيِّين، فالقناعة بالشُّبهة تُعقِّد عمليَّة المعالجة، وسلامة الأذن من سماع الشُّبهات أسلم للعقل والقلب؛ لذا كان البعد عن مواطن الشُّبهات ومواقع التَّشكيك أولى؛ فالفتن لا تُستشرَف.
5 - الفرار من بيئة الشُّبهات وعدم التَّعرُّض لها بالاستماع أو المشاهدة أو المشاركة؛ فإنَّ القلوب ضعيفة، والشُّبهة خطَّافة، وربَّما لا يجد العاميُّ من مخزون العلم وآثار الإيمان ما يصدُّ عنه تأثير الشُّبهات فيُشرَب قلبُه الشُّبهة فيتحوَّل إلى داعية سوء ينشر الباطل، ويُروِّج له، ويُدافع عنه، وينتصر له؛ فالبعد أسلم، والسَّلامة لا يعدلها شيء، ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.
6 - الإيمان الجازم بأنَّ دين الله تعالى كامل وصادق، وحسن الظِّنِّ بالعلماء الرَّبَّانيِّين الصَّالحين، والأيمَّة المتبوعين، والدُّعاة الصَّادقين، وذلك من خلال ردِّ كلِّ شبهة تتناول الشَّرع الشَّريف ومصادره وثوابته ونقلته وحملته ومبلِّغيه بشيء من التَّنقُّص أو التَّجريح أو الإساءة؛ فقد أرادوا تجريح شهودنا ونقلة ملَّتنا لإسقاط الشَّريعة وإفساد ديننا؛ فلا والله لا نمكِّنهم أبدًا.
7 - البذل والتَّفاني من أجل ردِّ الشُّبهات وتصحيح المسار من خلال الجهود الفرديَّة الشَّخصيَّة والجماعيَّة المؤسَّسيَّة بإنشاء وحدات للرَّدِّ والبيان؛ لحماية المجتمع المسلم من شرِّ هذه الأفكار الخبيثة المتعفِّنة، ولا يكون تحصين المجتمع إلَّا على يد الثُّلة الصَّالحة المتوضئة من أهل العلم والمعتنيين؛ قال الله تعالى: {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ} [آل عمران: 187]
وأقترح في هذا المسار:
أ - أن تكون معالجات المشكلات والشُّبهات بكلِّ وسيلة يمكن لأهل العلم والبيان اعتمادها في إيصال نور العلم إلى كلِّ مسلم، كالكتاب بالتَّأليف، أو وسائل التَّواصل بنشر المنشورات الكتابيَّة والصَّوتيَّة والمرئيَّة وبأساليب لغويَّة وإلقائيَّة مختلفة تصل إلى جميع شرائح المجتمعات المسلمة؛ لصناعة التَّحصين وتقوية المناعة الإيمانيَّة.
ب - تقرير مادَّة دراسيَّة إلزاميَّة - على طلَّاب المؤسَّسات التَّعليميَّة النِّظاميَّة من المراحل ما قبل الجامعة وإلى التَّخرُّج - تتناول جرعات تحصينيَّة في جوانب العقيدة، والشَّريعة، والثَّقافة، والتَّاريخ، والمستجدَّات، لتكوين قدر من المعرفة يصل بصاحبه إلى درجة اليقين والإيمان؛ فلا يتمكَّن أحد من تضليله وإغوائه والتَّأثير عليه.
ج - استقطاب العلماء والمؤسَّسات للباحثين والدُّعاة بهدف تدريبهم وإقامة الدَّورات التَّدريبيَّة والتَّثقيفيَّة لهم لصناعة المدافع العلميَّة التي تتمكَّن من المشاركة في الحروب الفكريَّة القائمة على جبهات الأمَّة الإسلاميَّة وثغورها ليكونوا مُرابطين عليها بهدف الحماية والصِّيانة وتحمُّل المسئوليَّة في تحصين المجتمع وردِّ سهام العدوِّ وإبطال محاولاته المتكرِّرة في تفريغ الجيل من معاني الإيمان والعقيدة وإحداث فجوة بينه وبين مصادر دينه ليقع التَّشكيك.