الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

موقعة القادسيَّة وتطهير الأرض من الفرس

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده.

وبعد: فلقد كانت موقعة القادسيَّة سنة: (14ه) وهي في أرض فارس، ودارات أحداثها بين المسلمين والفرس، وكانت موقعة شديدة نصر الله تعالى فيها جنده وعباده الصَّالحين؛ يقول ابن كثير رحمه الله: "وبعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسيَّة، والقادسيَّة باب فارس في الجاهليَّة، وأن يكون منزله بين الحَجر والمدر، وأن يأخذ الطُّرق والمسالك على فارس، وأن يَبدروهم بالضَّرب والشِّدَّة، ولا يهولنَّك كثرة عَددهم وعُددهم فإنَّهم قوم خدعة مكرة، فإن أنتم صبرتم لعدوِّكم واحتسبتم لقتاله ونويتم الأمانة رجوتُ أن تُنصَروا عليهم، ثمَّ لم يجتمع لهم شملهم أبدًا، إلَّا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم، وإن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتَّى تصلوا إلى الحَجر فإنَّكم عليه أجرأ، وإنَّهم عنه أجبن وبه أجهل، حتَّى يأتي الله بالفتح عليهم ويردَّ لكم الكرَّة، وأمره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه، وأمرهم بالنِّيَّة الحسنة والصَّبر، فإنَّ النَّصر يأتي من الله على قدر النِّيَّة، والأجر على قدر الحِسبة، وسلوا الله العافية، وأكثِروا من قول: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، واكتب إليَّ بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوُّكم، واجعلني بكتبك إليَّ كأنَّي أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجليَّة، وخف الله وارجه ولا تدِلَّ بشيء، واعلم أنَّ الله قد توكَّل لهذا الأمر بما لا خُلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدلَ بكم غيركم. فكتب إليه سعد يصف له كيفيَّة تلك المنازل والأراضي بحيث كأنَّه يُشاهدها، وكتب إليه يُخبره بأنَّ الفرس قد جرَّدوا لحربه رُستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مُسلَّم لنا إلى ما قدَّر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية. وكتب إليه عمر: "قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوَّك ومنحك الله أدبارهم، فإنَّه قد أُلقي في روعي أنَّكم ستهزمونهم، فلا تشكَّنَّ في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتَّى تقتحم عليهم المدائن; فإنَّه خرابها - إن شاء الله-" وجعل عمر يدعو لسعد خاصَّة وله وللمسلمين عامَّة" [1]

وقفة مع الرِّسالة

إنَّ المتأمَّل في الرِّسالة التي أرسلها الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لقائد جيوشه في موقعة القادسيَّة سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه يُدرك أهمِّيَّة القيادة في صناعة النَّصر والسَّير إليه وتسهيل طريقه؛ فقد عهد عمر رضي الله عنه بجملة من الوصايا تُثبِّت الإيمان، وتُزيل الخوف من جحافل الكفر وسلطان الكفَّار، وتمنح الخطط العسكريَّة والاستراتيجيَّة التي تؤدِّي إلى الغلبة والنَّصر من خبير محنَّك عسكريًّا، وربط المقاتلين بالإيمان والآخرة، وهذا لا يقع من قادة الأمَّة إلَّا إذا كانوا على نهج عمر رضي الله عنه، الذي حرص على تقوية جنوده، ومتابعتهم، وتثبيتهم، والتَّواصل الدَّقيق بهم؛ فكان النَّصر وتحقَّق الفوز، والحمد لله ربِّ العالمين.

موقف ربعيِّ بن عامر رضي الله عنه مع رستم

وفي هذه المعركة وقعت محاورة ربعيِّ بن عامر رضي الله عنه لرستم والتي تدلُّ على قوَّة وبسالة هذا الجيل الذي لا يرجو الدُّنيا، وإنَّما يسعى للآخرة، فلا يهاب أحدًا من أهل الكفر قطُّ؛ لأنَّه يُقاتل من أجل غاية يسعى لتحصيله، وتحقيقها حاصل إمَّا بالنَّصر والانتصار لدين الله تعالى، وإمَّا بالشَّهادة وبلوغ مكانة الشُّهداء؛ قال ابن كثير رحمه الله: "ثمَّ بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه، وهو ربعيُّ بن عامر، فدخل عليه وقد زيَّنوا مجلسه بالنَّمارق المذهَّبة والزَّرابيِّ الحرير، وأظهر اليواقيت واللَّآلئ الثَّمينة، والزِّينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثَّمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعيٌّ بثياب صفيقة وسيف وتِرس وفَرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتَّى داس بها على طرف البِساط، ثمَّ نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضة على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إنِّي لم آتكم، وإنَّما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلَّا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكَّأ على رُمحه فوق النَّمارق فخرق عامَّتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: "الله ابتعثنا لنخرِج مَن شاء مِن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومِن ضِيق الدُّنيا إلى سَعتها، ومِن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمَن قبِل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نُفضي إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنَّة لمن مات على قتال مَن أبى، والظَّفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخِّروا هذا الأمر حتَّى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم، كم أحبُّ إليكم؟ أيومًا أو يومين؟ قال: لا، بل حتَّى نُكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: ما سنَّ لنا رسول الله  أن نؤخِّر الأعداء عند اللِّقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل. فقال: أسيِّدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يُجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه، فقال: هل رأيتم قطُّ أعزَّ وأرجح من كلام هذا الرُّجل؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب! أما ترى إلى ثيابه؟! فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثِّياب، وانظروا إلى الرَّأي والكلام والسِّيرة، إنَّ العرب يستخفُّون بالثِّياب والمأكل، ويصونون الأحساب" [2]

ربعيُّ بن عامر رضي الله عنه نموذج المسلم القويِّ

وإنَّ هذا الكلام الذي جاء على لسان ربعيِّ بن عامر رضي الله عنه يقطر عزَّة وشهامة وكرامة، والتي اكتسبها من الإسلام، فقد رُبِّي هذا الجيل على الاعتزاز والفخر بما منحهم الله تعالى من مكانة عظيمة بما أقامهم عليه من دين وهداية، وأصبحت مهمَّتهم تعبيد الخلق للخالق العظيم من خلال خطَّة الهداية التي يعرضونها على كلِّ من يلقونه، بدعوته إلى الإسلام فإن أجاب فبها ونعمت، وإلَّا دعوه إلى دفع الجزية، فإن أجاب فبها، وإلَّا قاتلوه وحاربوه وإن كان عتيًّا جبَّارًا؛ فإنَّهم يستعينون بالله تعالى على قتاله، وهذه الصِّفة التي ظهر عليها ربعيُّ بن عامر من آثار التَّربية على الإسلام؛ فلا سبيل إلى العزَّة إلَّا من خلاله؛ قال تعالى: {وَلِلَّهِ ‌ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ} [المنافقون: 8] وعن طارق ابن شهاب، قال: طارق بن شهاب، قال: "خرج عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى الشَّام ومعنا أبو عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه فأتوا ‌على ‌مخاضة وعمر رضي الله عنه على ناقة له فنزل عنها وخلع خفَّيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا، تخلع خفَّيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشرفوك، فقال عمر رضي الله عنه: "أوه لم يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمَّة محمد ، إنَّا كنَّا أذلَّ قوم فأعزَّنا الله بالإسلام فمهما نطلُب العزَّة بغير ما أعزَّنا الله به أذلَّنا الله" [3]

وهذه رسالة قويَّة إلى صنَّاع جيل النَّصر والقائمين على إعداد الجيل أن يبثُّوا في الأجيال معنى الكرامة والعزَّة والاعتزاز بالإسلام، ولن يكون ذلك إلَّا بفهمه والعمل به وإعلاء رايته على كلِّ راية، فصلاح الأمَّة بصلاح دينها، وصلاح الدِّين بصلاح العباد، والاعتزاز أوَّل سبيل النَّصر ومواجهة أمواج الكفر العاتية.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله