ما حكم التعامل مع العدوِّ المحارب بيعًا وشراءً؟
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
سؤال:
وبعد: فقد وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: ما حكم التَّعامل مع العدوِّ المحارب بيعًا وشراءً؟
وللجواب أقول:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ التَّعامل مع الحربيِّ جائز ما لم يكن في سلاح يُمدُّون به لمقاتلة المسلمين؛ قال ابن بطَّال رحمه الله: " الشراء والبيع من الكفار كلهم جائز، إلا أن أهل الحرب لا يباع منهم ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدة والسلاح، ولا ما يقوون به عليهم" [1] وقال النَّوويُّ رحمه الله: "وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذِّمَّة وغيرهم من الكفَّار إذا لم يتحقَّق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحًا وآلة حرب، ولا ما يستعينون به في إقامة دينهم" [2]
وجاء في الموسوعة الفقهيَّة: "تدلُّ عبارات الفقهاء على جواز الاتِّجار مع الحربيِّين، فللمسلم أو الذمي دخول دار الحرب بأمان للتجارة، وللحربي دخول دارنا تاجرا بأمان، وتؤخذ العشور على التجارة العابرة عند اجتياز حدود دار الإسلام، ولكن لا يجوز إمداد المحاربين بما يقويهم من السِّلاح والآلات والمواد التي يُصنَّع منها السِّلاح، كما لا يجوز السماح بالاتجار بالمحظورات الشرعية كالخمور والخنازير وسائر المنكرات؛ لأنها مفاسد ممنوعة شرعا مقاومتها، وليس للحربي المستأمن شراء الأسلحة من بلاد الإسلام" [3]
المقاطعة من وسائل النُّصرة:
ولمَّا كان الجواز يعني استواء الفعل والتَّرك، جاز للمسلم أن يفعل أو يترك مع عدم الإنكار على من أخذ بما لم يأخذ به، ولهذا أقول: من أهمَّ وسائل النُّصرة= مقاطعة العدوِّ ومن عاونه أو ناصره أو رضي به بكلِّ ما تعنيه الكلمة من معنًى، ما لم يقع بالمقاطعة ضرر للمسلمين؛ فإنَّ هؤلاء ينكسرون بالمال؛ فهم عبَّاد الدِّرهم والدِّينار؛ فمن قدر على مقاطعة منتجاتهم وإعلامهم ووسائلهم ومنصَّاتهم دون ضررٍ يُؤثِّر على المسلمين فليفعل لا من ناحية شرعيَّة تجبره على عدم التَّعامل، ولمن من منطلق اختياريٍّ بأن يختار المرء المنتجات الأخرى التي ينتجها المسلمون؛ تشجيعًا لاقتصادهم، ودحرًا لعدوَّهم.
المقاطعة أضعف الإيمان:
فلا تُعدُّ مقاطعة بضائع ومنتجات العدوِّ من النَّاحية الشَّرعيَّة الإلزاميَّة، ولكن من النَّاحية الشَّرعيَّة الاختياريَّة التي جعل فيها الشَّرع مساحة للاختيار؛ فما ذكره الجمهور هو الجواز لا وجوب التَّعامل، والجواز يعني استواء المعاملة مع تركها، فمن ترك لاسيِّما في وقت الحرب فهو غير ملام؛ من جهة أنَّ أموالنا تدعم عدوَّنا في قتل إخواننا؛ حيث تدخل أموالنا في تصنيع الأسلحة وشرائها وصيانتها، ودفع رواتب الجنود الأوغاد، وضخِّ ما تبقَّى منه في اقتصاد تلك الدُّول؛ فكأنَّنا نقتل إخواننا بأموالنا.
وأمَّا المعاملة الضَّروريَّة عن طريق شراء منتج طبِّيٍّ أو علاجيٍّ أو حيويٍّ غير موجود بذاته أو بديله في بلاد المسلمين، أو موجود مع الغلاء الفاحش من محتكري السُّوق فلا بأس من شرائه من غير توسُّع أو مبالغة فإذا اكتفى بعبوتين فلا يشتري الثَّالثة؛ اختيارًا لاستواء الأمرين، ومن اختار التَّعامل بناءً على الجواز فلا يُعارَض.
تأثير المقاطعة على الحرب:
ولمَّا كانت الحرب اليوم قائمة على المال كعصب وأساس؛ لارتفاع أثمان الأسلحة والذَّخائر، والمعدَّات الحربيَّة والقتاليَّة مع طول زمن الحرب، وتوفير رواتب الجند والمقاتلين، وإزاء كلِّ هذا يتأثَّر العدوُّ الغاشم بالمقاطعة الاقتصاديَّة للبضائع التي يصنعها، أو التي يصنعها من يدعمه بالمال أو السِّلاح، وحرصًا على تجفيف منابع الدَّعم أو المساندة أو توفير المال لهم ليشتروا به السِّلاح ويقتلوا به إخواننا المسلمين كانت المقاطعة من أهم وسائل النَّصر والتَّمكين لإخواننا، وهو الذي أفتى به جمع من العلماء المعاصرين، والهيئات العلميَّة والشَّرعيَّة المعتبرة في بلاد المسلمين، فلا تتراجع عن نصرة إخوانك بكلِّ سبيل.
وهذه صرخة مكلوم لكلِّ مسلم: لا تستكينوا ولا تلينوا ولا ترضوا بالذِّلَّة والهوان، وليجتهد كلُّ فرد في خدمة قضايا الأمَّة بما أمكنه عن طريق حسن استعمال الموقع الوظيفيِّ والإنتاجيِّ، وترشيد العلم وتوجيهه للوصول إلى الاستغناء والكفاية؛ تدعيمًا لبلادنا ومجتمعاتنا الإسلاميَّة.
والله ناصر جنده وعباده