الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تابع العلاج العامُّ للإفراط في الشهوات

رابعًا: الصَّبر على ترك الحرام ومُجاهدة النَّفس.

إنَّ الطَّريق إلى الله تعالى مليء بالعقبات والمشتِّتات الَّتي تصرف المرء إلى الحرام باختلاف صوره، وأمام هذه الفتن والمغريات الَّتي يتفنَّن في صِياغتها وحبكها المغرضون من أعداء الطُّهر والفضيلة والعفَّة والأخلاق يجب على المرء أن يصبر ويتحمَّل الآلام الَّتي تنتج بسبب كبت شهوته عن الحرام؛ حتَّى يظفر باللَّذَّة الَّتي تُمكِّنه من هجر الحرام والمعاصي والإقبال على الحلال والطَّاعات من غير كُلفة أو مشقَّة، فالأمر في بدايته تكلُّف وحميَّة، وفي نهايته طبع وسجيَّة، فالفوز والسَّعادة والظَّفر من حقِّ من تحمَّل وتمالك وصبر؛ قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ‌جَٰهَدُواْ ‌فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [العنكبوت: 69] وقال سبحانه: {وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إلَّا ذُو ‌حَظٍّ ‌عَظِيمٖ} [فصلت: 35]

سرعة زوال اللَّذَّة مع طول بقاء الحسرة

إنَّ وقوع العين على الصُّورة المحرَّمة بعد محاولات من الانقضاض على الفريسة الرَّخيصة الَّتي كشفت عن سترها يُكسب المرء إحساسًا يشعر بحلاوته زمنًا يسيرًا ثمَّ سرعان ما يعقبه ندم وتحسُّر، وقد تتمادى النَّفس مع النَّظرة لتنحدر بالإنسان إلى هوَّة سحيقة من الانحراف والانجراف إلى المعصية الأعلى، فتقع الملامسة الَّتي تزداد مع اللَّذَّة، ويعظم التَّعلُّق، وتتوق النَّفس إلى جني ثمرة النَّظرة المحرَّمة عن طريق المواقعة والغشيان، وحين تقع هذه الخطوة ويكتمل الذَّنب يشتدُّ النَّدم، وتزداد الحسرة؛ لأنَّ الشَّيطان ظفِر من الإنسان بمعصية كاملة الأركان، وينتج عنها ما ينتج من مفاسد تعود على الفرد والمجتمع، وحينها يُفكِّر المرء قليلًا في حاله لو أنَّه صبر على نار الشَّهوة الأولى الَّتي ظهرت مع النَّظرة الأولى للفريسة لكان حاله أفضل، وقلبه أنقى، وجوارحه أخفَّ، ولم يُثقِّل ظهره بالأوزار والذُّنوب الَّتي ترتَّبت على التَّمادي النَّاتج عن ضعف الصَّبر في مواجهة الحرام.

يوسف عليه السَّلام قدوة

لقد ضرب نبيُّ الله يوسُف عليه السَّلام مثلًا وقدوة لكلِّ من جاء بعده في مجاهدة النَّفس والصَّبر عن المعصية والحرام؛ فإنَّ ما حصل له من موقف لا يصمد فيه إلَّا مُعانٌ صدِّيق صبور عن الحرام، خائف من الله، ارتفعت عنده المراقبة لأعلى مكانة؛ وتتجلَّى شدَّة الموقف الَّذي تعرَّض له يوسُف عليه السَّلام، وعِظم الفتنة الَّتي حطَّت رحالها عنده، وقوَّة صبره ومجاهدته للمعصية حين نُدرك أنَّ امرأة سيِّدة جميلة حسناء تغلِّق أبواب القصر ومنافذه ثمَّ تدعوه للفاحشة في مكان جمعهم ليس فيه أحد؛ وصوَّر القرآن الكريم هذا المشهد في قوله تعالى: {وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ * وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} [يوسف: 23، 24] فما كان من يوسُف عليه السَّلام إلَّا أن فرَّ من المشهد فراره من الأسد الجائع، وركض هاربًا من نار المعصية، لكنَّها أيضًا لم تتركه، بل اقتفت أثره واتَّبعت خطواته حتَّى طالت يدُها قميصه من دبر ليُقطع القميص الَّذي يُصبح حجَّة له ينجو من المكيدة بسببه بعد ذلك؛ قال تعالى: {وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ ‌وَأَلۡفَيَا سيِّدهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} [يوسف: 25] فسلِم يوسُف عليه السَّلام من هذه الشِّباك الَّتي نُصبت له ليقع فيها، لكنَّه نجا منها بالصَّبر ومجاهدة النَّفس وارتفاع مقام المراقبة في النَّفس، ومازالت هذه الأسباب الَّتي تعلَّق بها يوسف سبب نجاة النَّاس في كلِّ زمان ومكان وحال؛ فمن صبر على شدَّة المعصية، وأعرض عن الوقوع فيها بمجاهدة النَّفس فقد تحقَّق له الظَّفر، لأنَّ المعصية حين تُعرَض على المرء لا تزيد عن دقائق معدودة لتُسفر عن نتيجة تحليل إيمان المرء وصبره وقوَّة مجاهدته، فإنَّ كان ضعيفًا وقع في الفخاخ بسرعة، وعلى قدر إيمانه ومجاهدته يُصرف عنه الحرام وينجو؛ قال تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ * فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [يوسف: 33، 34]

جزاء الصَّبر عن المعصية

ولتحفيز النَّفس نحو الصَّبر والتَّحمُّل والمجاهدة فقد رتَّب الإسلام على ذلك أجورًا عظيمة؛ فالصَّابر عن المعصية مع توفُّر أسبابها يُظلُّه الله تعالى في ظلِّه يوم القيامة؛ ففي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «‌سبعة ‌يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه: ...ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إنِّي أخاف الله» [1] وإنَّما عظُمت الفتنة بدعوة امرأة ذات المنصب والجمال الَّتي يُطمع فيها، ويُحرص على وصالها، ويتلهَّف النَّاس على القُرب منها، فإذا بها تطلب وتدعو من ترغب فيه، فحينها تعظم الفتنة، وتشتدُّ نيرانها، وتقف النَّفس عاجزة عن الامتناع والتَّرك، فيقع كثير من النَّاس في الحرام، بل لا يحتاجون لكلِّ هذا، إنَّما يكتفون بإشارة من امرأة قبيحة جمَّلت نفسها بالمساحيق والموادِّ التَّجميليَّة ولا منصب لها ولا مكانة، بل ساءت سمعتها، وانحرفت سِيرتها، واشتهرت بين النَّاس بالفجور والفاحشة، أمَّا هؤلاء الَّذي يُظلُّهم الله تعالى في ظلِّه يوم القيامة فهم مَن ترفَّعوا عن الحرام ولو كان في أعلى صوره، وأغلى مشاهده، فحينها يعظُم الأجر، لعظم الجهاد والصَّبر.


(1) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الأذان) باب: (من جلس في المسجد ينتظر الصَّلاة) برقم: (660) وكتاب: (الزكاة) باب: (الصدقة باليمين) برقم: (1423) وكتاب: (الفرائض) باب: (فضل من ترك الفواحش) برقم: (6806) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الزكاة) باب: (فضل إخفاء الصدقة) برقم: (1031).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله