الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تابع العلاج العامُّ للإفراط في الشهوات

خامسًا: هجر الأحوال الَّتي تنشط فيها النَّفس للإفراط في الشَّهوة

إنَّ التعرَّض لموقف، أو التَّفكير في مشهد، أو المرور بمكان، أو التَّواصل مع شخص، أو الخلوة بالنَّفس، كلُّ هذه الأحوال تُذكِّر النَّفس بالمعصية الَّتي أدمنتها أو ارتكبتها في فترة من الفترات، ممَّا يُحرِّك في داخلها الشَّوق إلى المعصية مرَّة أخرى، فلا يزال المرء بخير لا تلفحه نيران الشَّهوة ولا تفسد مرارتُها حياته ما تجنَّب هذه الأحوال، فإذا تعرَّض لها بالذِّكرى أو الحديث أو التَّلبُّس وقع في الحرام؛ والعلاج يكمن في هجر تلك الأحوال والبُعد عنها.

خطورة الاستخفاف بنظر الله في الخلوات

إنَّ من هذه الأحوال الَّتي يُعدُّ التَّلبُّس بها موصِّلٌ إلى الحرام الخلوة بالنَّفس من غير مُراقبة؛ فكثير من النَّاس حين يخلو بنفسه تُحدِّثه بمعصية السِّرِّ حيث لا تراه عُيون النَّاس، فيتجرَّأ على الحرمات وقت خلوته، فإذا خالط النَّاس لم تحدِّثه نفسه بشيء من الحرام؛ والخلوات أسرار لا يطَّلع عليها إلَّا الله تعالى، وكم من صالح في الملأ مفسد في السِّرِّ، يراه النَّاس بمظهر العابد الورع التَّقيِّ النَّقيِّ، فإذا خلا بنفسه تحوَّل إلى ذئب مفترس يسطو على حقوق الله وحقوق العباد! وهذا الفعل معدود في الكبائر؛ قال ابن حجر الهيتميُّ رحمه الله: "الكبيرة السَّادسة والخمسون بعد الثَّلاثمئة: إظهار ‌زيِّ ‌الصَّالحين في الملأ، وانتهاك المحارم ولو صغائر في الخلُوة" [1] ففي الخلوات هُتكت الأعراض، وسرقت أموال، وأُزهقت أنفس، وأُكلت لحوم بالغِيبة والنَّميمة، وكُتبت الكلمات الكفريَّة المشكِّكة، وكثير من المحرَّمات لم تقع إلَّا مع الخلوة؛ لذا حذَّر النَّبيُّ ﷺ من ذنوب الخلوات فقال ﷺ: «لأعلمنَّ أقوامًا من أمَّتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا، فيجعلها الله عزَّ وجلَّ هباءً منثورًا» قال ثوبان رضي الله عنه: يا رسول الله، صفهم لنا، جلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال ﷺ: «أما إنَّهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من اللَّيل كما تأخذون، ولكنَّهم أقوام إذا ‌خلوا ‌بمحارم ‌الله انتهكوها» [2] فمن القبيح أن يتجرَّأ المرء على الله تعالى في الخلوة، ويُراقب النَّاس في الجلوة، وأقبح ما يكون إذا وقع من عالم أو صالح؛ قال ابن الجوزيِّ رحمه الله: "ورأيت أقوامًا من المنتسبين إلى العلم، أهملوا نظر الحقِّ عزَّ وجلَّ إليهم في الخلوات، فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات، فكانوا موجودين كالمعدومين، لا حلاوة لرؤيتهم، ولا قلب يحنُّ إلى لقائهم" [3]

جرأة النَّفس في الخلوات

إنَّ من النَّاس من إذا خلا بنفسه في غرفته وتيقَّن من عدم وصول أحد إليه طالع عبر وسائل التَّواصل الصُّور والمقاطع الإباحيَّة، وعقد الصَّفقات المحرَّمة، وتكلَّم مع من لا يحلُّ له، وبما لا يحلُّ له، ويتوسَّع في الحرام بكلِّ صورة ممكنة، فخلوة هؤلاء تحمل في طيَّاتها من المحرَّمات ما يُوصِّل إلى الانتكاسات، فمن كان يُؤتى من خلوته فيقع في الحرام فليحرص على أن يبتعد عن الخلوة ما أمكنه، وإذا وقعت له فليُسارع إلى الاختلاط بالنَّاس، مع ضرورة تقوية عبادة المراقبة لديه؛ لأنَّ ذنوب الخلوات تدلُّ على خفَّة القلب، وضعف الإيمان؛ وليذكر دائمًا قول الله تعالى: {يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا ‌يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا} [النِّساء: 108] وقد ذكر الله تعالى أنَّ معصية الخلوات من أبرز صفات المنافقين؛ فإنَّ النِّفاق كلَّه قائم على المراوغة والانفصام بين الظَّاهر والباطن؛ قال تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا ‌خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ} [البقرة: 14] وقال سبحانه: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا ‌خَلَا ‌بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} [البقرة: 76] وقال تعالى: {هَٰٓأَنتُمۡ أوَّلًآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا ‌خَلَوۡاْ ‌عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 119] 

فضيحة من تجرَّأ في الخلوات

وقد شاء الله تعالى أن يُعاقب من تجرَّأ عليه في خلوته بما كان يخشى منه من الفضيحة وظهور المعصية؛ قال ابن الجوزيِّ رحمه الله: "نظرت في الأدلَّة على الحقِّ سبحانه وتعالى، فوجدتُّها أكثر من الرَّمل، ورأيت من أعجبها أنَّ الإنسان قد يُخفِي ما لا يرضاه الله عزَّ وجلَّ، فيُظهره الله سبحانه عليه، ولو بعد حين، وينطق الألسنة به، وإن لم يشاهده النَّاس، وربَّما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق، فيكون جوابًا لكلِّ ما أخفى من الذُّنوب، وذلك ليلعم النَّاس أنَّ هنالك من يُجازي على الزَّلل، ولا ينفع من قدره وقدرته حجاب ولا استتار، ولا يُضاع لديه عمل" [4] فالخلوة بالنَّفس مطلب الصَّالحين، ومرمى أهداف المقربين؛ للرَّغبة في الخلوة بالله تعالى من ضوضاء الحياة، وصخب الدُّنيا، للعبادة من الذِّكر، وقراءة القرآن الكريم، والصَّلاة باللَّيل، والدُّعاء والاستغفار، والبكاء والتَّبتل، واطِّراح القلب على عتبة العبوديَّة لتحصيل ثمرات الإخلاص والمراقبة والتَّقوى، قال الله تعالى عن عباده المتقين: {كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ ‌مَا ‌يَهۡجَعُونَ * وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ} [الذاريات: 17، 18] فهؤلاء قوم ينتظرون دخول اللَّيل بظلماته ليتَّخذوا من ظلام اللَّيل غطاءً يسترهم ليقفوا بين يدي الله تعالى تحملهم قلوبهم، وتذرف الدُّموعَ عيونُهم، وتُرفع بالضَّراعة أيديهم، وهم في غاية التَّلذُّذ بما يقع لهم من نَصَب وعزٍّ في طاعة الله سبحانه تعالى، فغيرهم يقتحم الخلوة بالمعصية، وهم في أنس المناجاة يتنعَّمون.

أهمِّيَّة البعد عن موطن المعاصي

ومن النَّاس من يُفرط في الشَّهوات بسبب المرور على موقع عصى الله تعالى فيه من قبل؛ فتجيش نفسه بالذِّكريات المتعلِّقة بهذا الذَّنب فيندفع نحوه بقوَّة؛ ومن هنا ندرك قيمة الوصيَّة الَّتي عهد بها العالم للرَّجل الَّذي قتل مئة نفس حين قال له: "انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنَّ بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنَّها أرض سوء..." [5] فإنَّما نهاه عن البقاء في أرضه لأنَّها مسرح الجريمة، وعلى أرضها سفك الدِّماء، وأزهق الأنفس، وارتكب الحرام، وكلُّ ذرَّة تراب فيها تعرفه بجرمه وإجرامه، وفساده وإفساده، فكان البعد عنها أسلم لقلبه، وعقله، وأسعد لنفسه، ليشعر بأنَّه بدأ حياة جديدة مع تلك التَّوبة الصَّادقة، فيجد على الثَّبات أعوانًا يأخذون بيده، ولا يتذكَّر صورة المعصية حين يمرُّ بجوار شجرة قتل عندها مرَّة، فتتحرَّك النَّفس نحو المعصية، فعلى من كان يتذكَّر الذَّنب وينشط للشَّهوة في مكان أو حال أن يتجنَّبه حماية لنفسه من التَّفاعل مع الذَّنب بتذكُّر أحواله وما احتفَّ به من قرائن، وقصص، ومواقف ومشاهد.

دور الصُّحبة في ترك المعاصي

ومن النَّاس من يقع في المعصية بسبب اختلاطه ببعض أصدقائه الَّذين يدعونه إلى الفاحشة ويُعينونه عليها، فلا يزال بخير وفي خير ما كان بعيدًا عنهم، فإذا لقيهم تبدَّلت أحواله، وانتكست نفسه، وأقبل على الحرام الَّذي تاب منه وأناب من قبل، وهذا شائع بين النَّاس لاسيَّما الشَّباب، فلهم طقوس يُحافظون عليها حين يجتمعون معًا، كشرب المسكرات، واستصحاب النِّساء بغرض الفاحشة، والغيبة والنَّميمة، والكذب والمجاملة، ونحو هذا من الذُّنوب الَّتي تُلازم غالب مجتمعات الشَّباب اليوم، فالعلاج يكمن في هجر كلِّ حال أو مقام يُذكِّر بالمعصية ويحضُّ عليها، والأمر يحتاج إلى عزيمة وقوَّة؛ لأنَّ تعلُّق النَّفس بهذه الأمور حاصل، فلا يمكن النُّزوع منه بسهولة؛ لذا وجب على المرء أن يصبر على مخالفة هواه بالنُّزوع من كلِّ بيئة تُحفِّزه للحرام.


(1) الزَّواجر عن اقتراف الكبائر، لشهاب الدين أبي العبَّاس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعديِّ الأنصاريِّ، ط.1، بيروت، دار الفكر، سنة: 1407هـ/1987م، (2/211).

(2) صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب: (الزهد) باب: (ذكر الذُّنوب) برقم: (4245) وحسنه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه.

(3) صيد الخاطر، لجمال الدين أبي الفرج عبدالرَّحمن بن علي بن محمد الجوزي، ع: حسن المساحي سويدان، ط.1، سوريا، دار القلم، سنة: 1425هـ/2004م، ص: (148).

(4) المرجع السَّابق، ص: (68).

(5) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه كتاب: (أحاديث الأنبياء) باب: (حدثنا أبو اليمان) برقم: (3470) ومسلم في صحيحه كتاب: (التوبة) باب: (قبول توبة القاتل وإن كثر قتله) برقم: (2766) واللفظ له.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله