الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تابع العلاج العامُّ للإفراط في الشهوات

تاسعًا: امتثال الأمر، واجتناب النَّهي، والوقوف عند الحدِّ

فقد أحكم الله تعالى الشَّريعة، وأكمل الدِّين، وفرض الفرائض، وحرَّم الحرام، وحدَّ الحدود، وبيَّن الحلال من الحرام، ثمَّ أمر النَّاس باتِّباع طريقه المستقيم، فمن استجاب وأذعن واتَّبع هدي السَّماء رشد وسلِم، ومن أنكر وتكبَّر وانحرف عن الوحي ضلَّ وأثم؛ قال تعالى - عقب ذكر قصة آدم عليه السَّلام وما جرى معه من إغواء الشَّيطان له بالوسوسة والتَّزيين والقسم، حتَّى أكل من الشَّجرة وعصى أمر الله تعالى -: {قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَأمَّا يَأۡتِيَنَّكُم منِّي هُدٗى ‌فَمَن ‌تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} [البقرة: 38] وقال سبحانه: {قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَأمَّا يَأۡتِيَنَّكُم منِّي هُدٗى ‌فَمَنِ ‌ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ * وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فإنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ} [طه: 123، 124] فبيَّنت الآيات الكريمة أنَّ علاج الإفراط على النَّفس بالمعصية ومخالفة أمر الله تعالى في اتِّباع هدي السَّماء، والاسترشاد بنور الوحي، بامتثال الأمر بالطَّاعة، واجتناب النَّهي بهجر المعصية، والوقوف عند حدود الله تعالى بمعرفة ما يحلُّ لفعله، وما لا يحلُّ لتركه، والاستجابة لما بيَّنه الله تعالى في الشَّريعة؛ ففيها ما يعود على النَّاس بالنَّفع في دينهم ودنياهم؛ لأنَّها من الله تعالى؛ قال سبحانه: {إلَّا ‌يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ } [الملك: 14] 

إنَّ إلزام النَّفس بالسَّير على منهج السَّماء في الأمر والنَّهي كفيل باستقامة الإنسان على الجادَّة دون إفراط أو تفريط؛ وهذا هو الاعتدال المطلوب في أمر الشَّهوة، فإنَّ الإسلام لا يحبس الشَّهوة في النَّفس أو يرفضها، بل يجعل لها مسارات تسير فيها بطرق مشروعة، فإذا وجَّه المرء الشَّهوة في مسارها، واجتنب مظاهر الإفراط والتَّفريط فيها بصرفها في غير هذه المصارف المقرَّرة شرعًا فقد سار على منهج السَّماء بامتثال الأمر بتوجيه الشَّهوة إلى مسارها، واجتناب النَّهي بالبعد عن المسارات المنحرفة من إفراط أو تفريط، ووقف عند الحدِّ المقرَّر له دون زيادة أو نقص، وهذا هو الإسلام الصَّحيح الصَّافي، الَّذي يعرف المرء فيه حقوقه وواجباته، فلا يسعى لتجاوز الحدود مفرطًا أو مفرِّطًا، بل يسير على المنهج الصَّحيح الَّذي يضمن له السَّلامة.

عاشرًا: اعتماد مصارف الشَّهوة المباحة كوسيلة شرعيَّة لها

فقد جعل الشَّارع لكلِّ شهوة مسارًا شرعيًّا تُغني المرء عن التَّوجُّه إلى المسارات المنحرفة الَّتي تميل بالإنسان عن الطَّريق المستقيم؛ فمعرفة المسارات الشَّرعيَّة للشَّهوات، والإقبال عليها يمنح المرء قدرًا من الكفاية يحول بينه وبين الإفراط في الشَّهوة، فالزَّواج قناة آمنة لشهوة الفرج تكفي لإطفاء نيرانها المتأجِّجة في النُّفوس، وتُغني عن غيرها من المسارات والقنوات المحرَّمة، فإذا تزوَّج المرء فقد ابتعد بالزَّواج عن الزِّنا، والتَّحرُّش، وتوجيه شهوة الفرج إلى الحرام؛ لأنَّ الزوج قام مقامها، وزاد عليها أنَّ الشَّرع يُباركه، والمجتمع يُقرُّه، فيشعر المرء من خلاله بالأمن، والسَّعادة، والكفاية، بخلاف السُّبل الملتوية، والمسارات المنحرفة لشهوة الفرج كالزَّواج العرفيِّ، والزِّنا، والاغتصاب، والجنس، والتَّحرُّش، فكلُّها سريَّة غير آمنة، تجرُّ على صاحبها كثيرًا من الانتقاد والمشكلات والعقوبات القانونيَّة والعرفيَّة والشَّرعيَّة ما يحمل العاقل على البعد عنها بكلِّ سبيل؛ وفي هذا يقول النَّبيُّ ﷺ: «يا معشر الشَّباب، من استطاع ‌الباءة ‌فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصَّوم؛ فإنَّه له وِجاء» [1] فبيَّن النَّصُّ الشَّريف أنَّ الزَّواج المسار لقضاء شهوة الفرج، وحثَّ على المسارعة في الزَّواج لمن كان قادرًا عليه، وحدَّد الدَّواء المناسب لمن فقد القدرة الماليَّة على الزَّواج، من خلال الوصيَّة بالصَّوم؛ لكسر الشَّهوة.

القنوات الشَّرعيَّة لشهوة المال

وأمَّا شهوة المال فقد جعل الله تعالى للنَّفس قنوات شرعيَّة يُمكن للمرء أن يُلبِّي من خلالها شهوة النَّفس في المال؛ فهو زينة وسعادة في الدُّنيا؛ إذ به تُحصَّل المنافع والحاجات؛ قال سبحانه: {ٱلۡمَالُ ‌وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا} [الكهف: 46] لذا كانت النَّفس مجبولة على حبِّه؛ قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا ‌جَمّٗا} [الفجر: 20] وقال سبحانه: {وَإِنَّهُۥ ‌لِحُبِّ ‌ٱلۡخَيۡرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] فالمرء يسعى لاكتساب المال وتحصيله لإشباع شهوة النَّفس تجاه المال؛ ولذا جعل الشَّارع مسارات شرعيَّة من خلالها يُمكن للمرء أن يُحصِّل المال من أوجه مقبولة شرعًا وعُرفًا، فكانت التَّجارة والمرابحة أفضل ما اعتمده المرء في كسب المال، عن طريق التَّجارة في شيء مباح، وفق الضَّوابط الشَّرعيَّة والقواعد المرعيَّة من تحريم الغشِّ، والتَّدليس، والحلف الكاذب، والجشع، والطَّمع، والاحتكار، والتَّعامل بالرِّبا، ونحو هذا، فالبيع والشَّراء ممَّا أحلَّه الله تعالى كوسيلة وسبيل لتمرير شهوة المال؛ قال تعالى: {وَأَحَلَّ ‌ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْ} [البقرة: 275] لكنَّ الإفراط في هذه الشَّهوة يسوق الإنسانَ إلى اكتساب المال من طرق مُلتوية، وسُبل منحرفة؛ فيأكل المال الباطل بالرِّبا، والاختلاس، والسَّرقة، والرِّشوة، ومال اليتيم، والتَّسلُّط على الميراث، وبذلك تفسد حياة الفرد بأكل الحرام، وتهلك المجتمعات بانتشار الحرام فيها، فكان الاكتفاء بالطُّرق الشَّرعيَّة والمسارات الجائزة ممَّا يُسلِّم المرءَ من الوقوع في صور الإفراط في شهوة المال، وكلُّ شهوة جعل الله تعالى لها مسارًا وجب على المرء قضاء شهوته من خلال هذا المسار الَّذي رسمه الله تعالى دون إفراط أو تفريط؛ فالسَّلامة والنَّجاة والسَّعادة لا تتحقَّق إلَّا بامتثال الأمر، وترك التَّمادي في الحرام، والمسلم مُطالب بمعرفة المنافذ الشَّرعيَّة للشَّهوة حتَّى يكون عالما بالحلال والحرام، ويسوقه للعمل بالطَّاعة والبعد عن المعصية.


(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الصوم) باب: (الصوم لمن خاف على نفسه العزبة) برقم: (1905) وكتاب: (النكاح) باب: (قول النَّبيّ : من استطاع منكم الباءة) برقم: (5065) وباب: (من لم يستطع الباءة فليصم) برقم: (5066) ومسلم في صحيحه، كتاب: (النكاح) باب: (استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه) برقم: (1400) وما بعده.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله