الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تابع العلاج العامُّ للإفراط في الشهوات

ثامنًا: ترك الفضول والحرص على عدم التوسع مع النَّفس في ملذاتها

فما أهلك الإنسان إلَّا الفضول في كلِّ شيء، فإنَّ الفراغ قتَّالٌ، والبطالة مهلكة، وحين تجتمع البطالة مع الفراغ الزَّمنيِّ والإيمانيِّ تفسد النَّفس وتطغى، فشهوة اللِّسان من فضول الكلام، وشهوة المال من فضول النِّعم، وشهوة الفرج من فضول الصِّحَّة، وشهوة السُّلطة من فضول القوَّة، وشهوة الأذن من فضول التَّطلُّع، وشهوة العين من فضول النَّظر، وشهوة اليد من فضول القوَّة، وهكذا نجد أنَّ كلَّ شهوة مردُّها للفضول، وعلاجها في ترك الفضول.

الفضول من أقوى أسباب المعصية

كان الفضول وما يزال من أقوى أسباب الوقوع في شِباك المعصية؛ فإنَّ المرء حين يتصفَّح وسائل التَّواصل فيجد عنوانًا جاذبًا تحته مقال به رابط مجهول المحتوى، فيسوقه فضوله إلى فتح المقطع المرئيِّ من خلال الضغَّط على الرَّابط المنشور أسفل المقال، فيقوده الرَّابط إلى مقطع إباحيٍّ، أو به شبهة شديدة التَّأثير على مطالعها، فحين يفتح المقطع يجد نفسه أمام شهوة قويَّة لا يقوى على ردِّها أو الإعراض عنها، فيقع في الحرام من خلال التَّمادي في المشاهدة والتَّفاعل مع المضمون بما يُؤثِّر على القلب فتنكت فيه نكتة سوداء كما أخبر النَّبيُّ ﷺ بذلك في قوله: «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلب أُشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأيُّ قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء حتَّى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصَّفا فلا تضرُّه فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًّا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا، ولا يُنكر منكرًا، إلَّا ما أُشرب من هواه» [1] فينتج عن فضول المطالعة بالنَّظر التَّمادي الَّذي يجرُّ على المرء آثارًا سلبيَّة من اسوداد القلب، وإدمان المعصية.

الفضول من خطوات الشَّيطان

إنَّ الفضول والتَّطلُّع لمعرفة الأسرار ممَّا يقود المرء إلى استراق السَّمع للوقوف على ما يبحث عنه من أسرار الآخرين، فيقع على جملة من العيوب والأسرار الَّتي لا يجوز نشرها ولا إفشاؤها، بل ولا البحث عنها، وحينها يجد المرء نفسه مساقة للحديث عن هذه الأسرار مع الآخرين، فتحصل الغيبة والنَّميمة، والكذب والبهتان، ويتمادى المرء في طلب الخصوصيَّات، والتَّجسُّس، والتَّحسُّس، وتسجيل المكالمات، واستراق النَّظر والسَّمع للوقوف على ما يسعى إليه من أخبار ومعلومات، ثمَّ يُسارع في الإفشاء والفضيحة، ولا شكَّ أنَّ العداوة والبغضاء، وتقطُّع المودَّة، وفساد العلاقات بين الطَّرفين، ونقل ما لا يجوز نقله، والتَّحدُّث بالأسرار الَّتي توقع المشكلات فتُفضي إلى القتل وسفك الدِّماء، فهذه النَّتائج تُلازم مثل هذه الأعمال، فكان الفضول هو الدَّافع إلى كلِّ هذا.

الفضول موصِّل إلى الإفراط

كذلك كان الفضول في تملُّك مثل ما يمتلك النَّاس دافعًا للنَّفس نحو السَّعي إلى الإفراط في شهوة المال بطلبه من حلاله وحرامه، فأقبل المرء على التَّعامل بالرِّبا، وتقبَّل الرِّشوة، وأكل مال اليتيم، وضيَّع حقوق النَّاس، وسرق ممتلكات الآخرين، وتفنَّن في وسائل النَّصب والاحتيال، بهدف السَّطو على المال الخاصِّ والعامِّ، ومنع الزَّكاة، وظلم الفقير، وجار على حقِّ الله تعالى في المال، وأسرف في وجوه الحرام بالإنفاق على النَّزوات والشَّهوات، وما جرَّه لهذا إلَّا الفضول في تتبع النَّاس والنَّظر إليهم، فلم يقنع بحاله، بل سعى إلى التزوُّد ممَّا في أيديهم، فأفرط وأسرف في جمع المال من الحلال والحرام حتَّى انحرف به.

ترك الفضول علاج ناجع مجرَّب

من أجل هذا كان العلاج الأنسب لمن ابتُلي بالإفراط في الشَّهوات أن يترك الفضول العامَّ في كلِّ جانب من الجوانب الَّتي أفرط فيها في الشَّهوة، من خلال ترك فضول الكلام بحفظ اللِّسان، وقلَّة الحديث، والانشغال بالكلام النَّافع المفيد؛ كالذِّكر، وقراءة القرآن، والدَّعوة إلى الله تعالى، ومعاقبة النَّفس إذا تمادت في غيَّها بالإفراط في فضول الكلام الَّذي يقود إلى المهالك، وترك فضول النَّظر بحفظ البصر عن الحرام، من خلال الشُّعور بعاقبة التَّمادي مع النَّظر في الحسد والتطلُّع على ما في يد الآخرين، أو البحث عن الحرام بالنَّظر إلى العورات، ويُساعد على هذا تحصين العين بالنَّظر في الطَّاعات؛ كالنَّظر في المصحف، وكتب العلم، وإدمان التَّأمُّل في الكون، وتوجيه النَّظر للكعبة، ونحوه ممَّا يحمل الإنسان على ترك الفضول بكلِّ صوره وأشكاله.


(1) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: (الإيمان) باب: (بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وأنه يأرز بين المسجدين) برقم: (231 - 144) وأحمد في مسنده، مسند: (تتمة مسند الأنصار) حديث: (حذيفة بن اليمان) برقم: (23280) وبرقم: (23440).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله