فضل جيل أصحاب النَّبيِّ ﷺ وواجبنا نحوهم
إنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم أفضل جيل عرفته البشريَّة من أتباع الأنبياء والمرسلين ولمصلحين؛ فهم من ناصروا النَّبيَّ ﷺ بكلِّ ما أوتوا من قوَّة ومال ووجاهة؛ حتى انتشرت كلمة الحقِّ وبلغ الدِّين ما بلغ اللَّيل والنَّهار، وأصبح الدِّين عزيزًا مُصانًا من الضَّياع والتَّحريف والعبث، وقد تحقَّق هذا بمواجهات قاسية شديدة بين قلَّتهم وجموع المشركين والوثنيِّين من أهل مكَّة ويهود المدينة، ثمَّ جحافل الرُّوم وفرسان فارس، وقد مكَّن الله تعالى لدينه على يد هذه الجموع المؤمنة الموحِّدة المتَّبعة؛ فنصروا الإسلام على كافَّة الأصعدة والمجالات؛ ففي العلم التَّوسُّع والتَّمدُّد والانتشار، وفي العلم وحفظ الوحيين الشَّريفين على الأمَّة الإسلاميَّة، وفي رسم صورة مثاليَّة عن المجتمع المسلم المثاليِّ، وفي البذل لدين الله تعالى بالتَّضحية والفداء، حتَّى استحقُّوا وبجدارة أن يكونوا خير جيل على الإطلاق.
تعريف الصَّحابيِّ، وبيان شرف صحبتهم
والصَّحابيُّ: (هو كلُّ من لقي النَّبيَّ ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام، ولو تخلَّلت ردَّة) [1] ويَكمن شرفهم في:
1 - لقاء النَّبيِّ ﷺ وإسعاد العين والنَّفس برؤياه ومجالسته [2].
2 - نصرهم للإسلام في أشدِّ أوقات ضعفه وحاجته إلى من ينصره [3].
3 - بذل الغالي والنَّفيس من أجل رفع راية الإسلام وإعلاء الدِّين.
4 - نشر الإسلام وفتح البلاد وتعبيدها لله، واسترداد المقدَّسات [4]
5 - فهم الدِّين ونقله وخدمة ما يتعلَّق به من نقل وحفظ وصيانة [5].
6 - رسم صورة حيَّة للمسلم الكامل تصلح للاقتداء والمحاكاة من واقع.
واجبنا نحو الصَّحابة رضي الله عنهم
وواجبنا نحو الصَّحابة رضي الله عنهم [6] يُمكن ذكر بعضه في الآتي:
1 - إجلالهم وتوقيرهم ومعرفة فضلهم ورفع أقدارهم مع اعتقاد بشريَّتهم.
2 - محبَّتهم وولاؤهم وحسن ذكرهم، والدُّعاء لهم والتَّرضِّي عنهم.
3 - حُسن الظَّنِّ بهم، والسُّكوت عمَّا وقع بينهم من اختلاف [7].
4 - صيانة قدرهم والثَّناء عليهم مع الإقرار بعدم عصمتهم.
5 - ردُّ الشُّبهات عنهم، وعدم السُّكوت على الإساءة إليهم أبدًا [8].
6 - تقليدهم ومحاكاتهم والعيش على طريقتهم ومنهجهم في الحياة.
7 - معرفة تراجمهم وسيرهم والقراءة في أخبارهم وتربية النَّشء عليها [9].
(1) وهذا هو الرَّاجح في المسألة التي وقع فيها اختلاف السَّادة المحدِّثين، يقول الحافظ بن حجر العسقلانيُّ رحمه الله: "وأصحّ ما وقفت عليه من ذلك: أنَّ الصَّحابيَّ رضي الله عنه مَن لقي النَّبيَّ ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، فيدخل في: (مَن لقيه) مَن طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى" «الإصابة في تمييز الصحابة، لأبي الفضل أحمد بن عليِّ بن محمد بن حجر العسقلانيِّ (ت:852ه) تح: عادل أحمد، وعليِّ معوَّض، دار الكتب العلميَّة، بيروت - لبنان، ط: (1/1415ه)، (1/158).
(2) ورؤية النَّبيِّ ﷺ مع الإيمان به من أعظم الخير الذي يناله العبد في الدُّنيا؛ فليس كلُّ النَّاس رأوه ، وليس كلُّ من رأه آمن به، فلمَّا كانت رؤيته محصورة في زمن حياته الشَّريفة، وكان المؤمنون به قلَّة في جانب كثرة من رأوه، عظُم قدرُ وفضل وأجر مَن رآه مؤمنًا به، ومكن شرفهم وسرُّ تسويدهم أنَّ عيونهم اكتحلت برؤية الجمال والجلال ونور النُّبوَّة الذي لا يُقاس به جمال بشريٍّ غير نبيٍّ، ولما في ذلك من دافع إيمانيٍّ يجعل المرء يبذل العالي والنَّفيس لنُصرة هذا النَّبيِّ ﷺ طمعًا في طول صحبته في الدُّنيا على الإيمان، وفي الآخرة في الجنان، فطوبى - والله - لتلك العين التي رأته ﷺ، وأنعِم بأُذن استمعت لحديثه ﷺ، ويا لِسعادة أجساد اجتمعت معه ﷺ في عصر واحد، وزمن واحد، ومكان واحد؛ ولهذه المكانة الشَّريفة يتمنَّى كلُّ مؤمن صادق رؤية النَّبيِّ ﷺ ولو كلَّفه ذلك كلَّ ما يملك؛ فعن أبي هُريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مِن أشدِّ أمَّتي لي حبًّا، ناس يكونون بعدي، يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله» صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (صفة القيامة والجنَّة والنَّار) باب: (فيمن يودُّ رؤية النَّبيِّ بأهله وماله) برقم: (2832).
(3) لقد بُعث النَّبيُّ ﷺ يوم أن بُعث والبيئة من حوله مُتردِّية من النَّاحية الدِّينيَّة؛ فأهلها يعبدون الأوثان والأصنام ويُقدِّسون الحجارة، ولا يؤمنون بالله تعالى، فقام النَّبيُّ ﷺ بالدَّعوة في قومه فقوبل بالعنت والإعراض والاستكبار والإيذاء، وآمن به عدد من الضُّعفاء المستضعفين في مكَّة، وليست للإسلام حينئذ قوَّة ولا دولة ولا شوكة، فبذلوا أرواحهم من أجل نشر الإسلام في ربوع المعمورة حتَّى رُفعت راية الإسلام، وأعزَّ الله تعالى دينه بالضَّراغم الأسود من أصحاب النَّبيِّ ﷺ، فلهم فضل عظيم لا يُقدِّره لهم إلَّا الله تعالى، ولـمَّا كان الغُنم بالغُرم استحقَّ هؤلاء الكرام الذين ناصروا النَّبيَّ ﷺ ورافعوا راية الدِّين أن يكونوا في مكانة التَّكريم والفخر والعزِّ والمجد والسُّؤدد؛ جزاء ما بذلوه من تضحيات وجهود؛ فحبُّهم دين ودَين واستحقاق، وبغضهم كفر وتنكُّر ونفاق.
(4) سعى الصَّحابة رضي الله عنهم إلى الحفاظ على الإسلام من الانحسار والضَّياع والتَّراجع بمحاربة المفرِّطين فيه ممَّن انتسبوا إليه ثمَّ أرادوا الخروج منه بعد موت النَّبيِّ ﷺ حيث قامت حروب الرِّدَّة وموقعة اليمامة التي فني فيها كثير من الصَّحب الكرام رضي الله عنهم وهم يُقاتلون من ارتدَّ من العرب، وقد كانت ردَّة عظيمة ارتدَّ فيها أكثر العرب، ومانعوا الزَّكاة؛ فقاتلهم أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه ومعه الصَّحابة رضي الله عنهم.
ومِن حرص الصَّحابة رضي الله عنهم على استمرار الإسلام لم ينتظروا عدوَّهم ليُباغتهم بالقتال والهجوم في عُقر دارهم؛ بل بادروه بالهجوم من أجل توسيع دائرة الإسلام وتعبيد أهل الأرض لله تعالى؛ فالهجوم خير وسيلة للدِّفاع، ولأجل هذا قاتلوا مع النَّبيِّ ﷺ في المعارك والغزوات والفتوحات، ولم تسقط الرَّاية بموت النَّبيِّ ﷺ، بل استمرَّ لواء الجهاد مرفوعًا حتَّى توسَّعت الدَّولة الإسلاميَّة وامتدَّت رقعتها، ووصلوا إلى البحر والصَّحراء في زمانهم؛ ومن نماذج العزِّ والفخار ما وقع بين ربعيِّ بن عامر رضي الله عنه ورستم بن الفرخزاذ الأرمنيِّ في موقعة القادسيَّة حين: "دخل ربعيٌّ بثياب صفيقة، وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتَّى داس بها على طرف البساط، ثمَّ نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضة على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إنِّي لم آتكم، وإنَّما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلَّا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكَّأ على رمحه فوق النَّمارق فخرَّق عامَّتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنُخرج مَن شاء مِن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومِن ضِيق الدُّنيا إلى سعتها، ومِن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمَن قبِل ذلك قبِلنا منه ورجعنا عنه، ومَن أبى قاتلناه أبدًا حتَّى نُفضي إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنَّة لمن مات على قتال مَن أبى، والظَّفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخِّروا هذا الأمر حتَّى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم، كم أحبُّ إليكم؟ أيومًا أو يومين؟ قال: لا، بل حتَّى نُكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: ما سنَّ لنا رسول الله أن نؤخِّر الأعداء عند اللِّقاء أكثر مِن ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل. فقال: أسيِّدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يُجير أدناهم على أعلاهم" يُنظر: البداية والنهاية، لابن كثير الدِّمشقيِّ، (9/622).
ولم تكن حروب الصَّحابة رضي الله عنهم للقتل أو سفك الدِّماء أو نشر الإسلام بحدِّ السَّيف كما يُروِّج لذلك الطَّاعنون الأفَّاكون؛ فحروب المسلمين ليست لأطماع الاستحواذ والسَّيطرة وامتلاك النَّاس، إنَّما هي لنشر دين الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة والقتال إذا احتاج الأمر؛ ولذلك اعتمدت الحروب في الإسلام منهجيَّة واضحة تُجسِّد العدل والإنصاف والتَّجرَّد؛ وهي أن يُدعَى النَّاس إلى الإسلام بأسلوب الدَّعوة من الرَّحمة والبيان، فإن أجابوا طواعية وعن قناعة فبها وإلَّا دفعوا الجزية وسكت عنهم المسلمون؛ لأنَّ الإسلام لا يُرغِم أحدًا على اتِّباعه، فإن هم أجابوا واستجابوا فبها وإلَّا كان القتال في نهاية الأمر؛ ففي الحديث عن بُريدة بن الحصيب الأسلميِّ رضي الله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سريَّة أوصاه في خاصَّته بتقوى الله، ومَن معه من المسلمين خيرًا، ثمَّ قال ﷺ : «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدِروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقِيت عدوَّك مِن المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيَّتهنَّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم، ثمَّ ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثمَّ ادعهم إلى التَّحوُّل مِن دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنَّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبَوا أن يتحوَّلوا منها، فأخبرهم أنَّهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلَّا أن يُجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم، فإن هم أبَوا فاستعن بالله وقاتلهم» صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الجهاد والسِّير) باب: (تأمير الأمير الأمراء على البعوث) برقم: (1731).
ومن الشُّبهات التي يُردِّدها أعداء الإسلام وبعض الجهلة من المسلمين أنَّ الإسلام انتشر بحدِّ السَّيف، وأنَّ منهجه قمعيٌّ استئساديٌّ جائر؛ وقد لقيني رجل فبادرته بالسَّلام والتَّحيَّة مع ابتسامة شقَّت طريقها إلى قلبه - على حدِّ قوله - ثمَّ تجاذبنا أطراف الحديث الذي كان يدور حول ما يتعلَّق ببعض الشُّبهات المطروحة على السَّاحة التي علقت في رأسه من وسائل الإعلام، ومواقع التَّواصل الاجتماعيِّ، فكان يعرض الشُّبهة، ثمَّ يُطالبني بالرَّدِّ عليها؛ إنقاذًا له مِن شِباك تلك الشُّبهات؛ فكنت أُجيب عن الشُّبهة بما تيسَّر لي من ردود تُسهم في دحضها وردِّها، وكان يُناقشني في أثناء ذلك، فإن اندفعت الشُّبهة من قلبه بقويِّ الحجة سلَّم، وإن لم تكف الرُّدود لردِّها استزادني فأزيده، ومن تلك الشُّبهات التي طرحها: الزَّعم أنَّ الإسلام يدعو أتباعه إلى الإرهاب من خلال نصوصه ففي القرآن الكريم آيات داعمة للتَّطرُّف والإرهاب، وإقصاء الآخر؛ ومنها قوله تعالى: {وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ} [النساء: 84] وقوله سبحانه: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ} [الأنفال: 60] وقوله سبحانه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ} [الأنفال: 65]
وللرِّدِّ عليها أقول: إنَّ أفضل الطُّرق في التَّعامل مع الشُّبهات المطروحة أن يعمد المناظر إلى أدلَّة الخصم فينقضها دون التَّعرُّض للحكم الذي خلُص إليه؛ لأنَّ بيان بطلان الأدلَّة، وعدم صحَّة الاستدلال بها على الحكم يقوِّض الدَّعاوى من أركانها؛ لهذا أقول: إنَّ الأدلَّة التي استدلَّ بها الخصم في إقامة دعواه أدلَّة شرعيَّة لا يصحُّ الاستدلال بها على ما قرَّره؛ لأنَّها مجتزأة مِن مواضعها، ومأوَّلة على غير تأويلها، وهذا البيان:
الآية الأولى: تبيَّن في ثناياها أنَّ التَّحريض على القتال قد ورد ردًّا لفعل غدر، ودفعًا لأذى المعتدي؛ ألم تقرع أسماعك، وتمرَّ أمام عينيك بقيَّة الآية؟! إنَّ المتلصِّص لا يعنيه سوى الظَّفر بما يشعر معه بنشوة السَّرقة، وهذه مشكلة كلِّ مَن يجتزئ النصوص، ويصرفها في غير مصارفها؛ فبقيَّة الآية بمثابة التَّعليل للأمر بالتَّحريض على القتال؛ قال الله تعالى: {وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ} [النساء: 84] فبات واضحًا أنَّ الأمر في بداية المقطع معلَّل بنهايته؛ والحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا؛ فإذا انتفت العلَّة انتفى الحكم؛ وعليه يكون المراد: إذا اعتدى عليكم الكفَّار فحرِّضوا أهل الإيمان على الجهاد في سبيل الله؛ دفاعًا عن أنفسكم، ودينكم؛ فإنَّ الدَّفاع عن العِرض، والأرض، والفرض جائز مشروع عقلًا ونقلًا؛ عسى الله أن يرفع أذاهم عنكم.
نتيجة: وعليه فلا حجَّة لمن تمسَّك بالآية على إثبات ما ادَّعاه من وجود دعوة إلى الإرهاب في القرآن الكريم؛ لأنَّ المراد بالآية جهاد الدَّفع= الذي يعني أنَّ الكافرين بدءوا المسلمين بقتالهم في عُقر دارهم، فأمر الإسلام أتباعه أن يُدافعوا عن أنفسهم، وأموالهم، ودينهم، والنَّصُّ القرآنيُّ في ذلك لا يُقارَن أبدًا بالنَّصِّ المحرَّف في الكتاب المقدَّس؛ فإنَّ أهل الكتاب يُثبتون في كتابهم أنَّ تعاليم شرعهم تدعوهم إلى ذبح مَن خالفهم، ولم يؤمن بعقيدتهم؛ فقتالهم لغيرهم من منطلق مخالفتهم، بخلاف المسلمين فإنَّ دينهم يدعوهم إلى التَّعامل مع مَن خالفهم بالبرِّ إليه، والإقساط معه طالما أنَّه لا يُحاربك، ولا يُؤذيك في دينك، فإن حاربك فلا ترضى بالذُّلِّ والمهانة؛ قال الله تعالى: {لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ} [الممتحنة: 8]
الآية الثَّانية: فقد وردت في سياق يُبيِّن كيفيَّة تعامل المسلمين مع غدر عدوِّهم؛ فقد ذكره الله تعالى عقب قوله الله تعالى: {ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ} [الأنفال: 56] ولا يخفى على مَن عنده مثقال حبَّة خردل من علم أنَّ السِّياق مِن المقيِّدات؛ وعليه فإنَّ المعنى المراد مِن الآية التي استدلَّ الخصم بها على إثبات ما ادَّعاه: أنَّ الإسلام يأمر أتباعه بالإعداد والاستعداد لمواجهة غدر العدوِّ؛ فإنَّ القوم قد نقضوا عهودهم مع ربِّهم، ولا يسوغ لعاقل أن يتعامل مع الخائن بمنطق المسالمة إلَّا إذا أثبتت القرائن والأدلَّة صدقه في السَّلام، كيف وقد ثبت بالأدلَّة خلاف ما يدعو إليه؛ قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ} [الأنفال: 58] لذا فإنَّ الإسلام يدعو أتباعه أن يكونوا متهيِّئين للحظة الغدر من العدوِّ، وليس في هذا ما يُنكره عاقل على النَّصِّ القرآنيِّ الكريم؛ لأنَّه من باب أخذ الحذر من الخائن، وليس من باب الدَّعوة إلى مُعادة القوم المسالمين؛ فإنَّ الله تعالى أعقب هذه الآية بقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [الأنفال: 61]
نتيجة: وعليه فلا حجَّة لما تمسَّك به الخصم؛ فإنَّ المتأمِّل في السِّياق العامِّ للآيات يرى أنَّ الآية تُحذِّر المسلمين من غدر أعدائهم، وتأمرهم بأخذ الحِيطة والحذر، فإذا كان الإسلام يدعو إلى الإرهاب والتَّطرُّف بدلالة هذا السِّياق فكيف يدعو بعد أمره بالإرهاب إلى المسالمة، وقبول الصُّلح مع العدوِّ على الرَّغم من كونه أظهر خيانته؟!.
الآية الثَّالثة: فقد وردت في سياق الرَّدِّ على خيانة وغدر وخداع العدوِّ أيضًا، لكن عن طريق إرشاد المسلمين إلى طريقة ردِّ الخيانة بالتَّحريض على الجهاد في سبيل الله تعالى لردِّ كيد العدوِّ في نحره؛ فقد وقعت الآية بين ما يُبيِّن خديعة القوم للنَّبيِّ ﷺ والمؤمنين معه، وبين ما يدل على خيانتهم التي اعتادوا عليها مع الله تعالى ورسله عليهم السلام؛ فقال تعالى: {وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ} [الأنفال: 62] وقال سبحانه: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 71] فكان المخرج الوحيد لردِّ الخيانة يكمن في الأمر بتحريض صفوف المؤمنين على التَّفاني في القتال.
كما أنَّ في سياق الآيات ما يدلُّ على ضعف في صفوف جيش المسلمين؛ فقلَّة في العدد والعُدَّة؛ فناسب أن يرِد الأمر بتحريض المؤمنين على الالتحاق بصفوف المؤمنين المقاتلين؛ لتكثير سوادهم، وإمدادهم بما يسدُّ النَّقص في صفوفهم، وأوضح دليل على ضعف صفوق المقاتلين من المؤمنين قوله تعالى: {ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الأنفال: 66] فقد بيَّن الله في سياق الآيات جانبًا مِن عطائه وكرمه وفضله على الصُّفوف المؤمنة المقاتلة؛ فقد خفَّف عنهم بسبب ضعفهم فبارك لهم في أعدادهم؛ فالعشرون يغلبون مئتين، والمئة يغلبون ألفًا من الكفَّار.
نتيجة: وعليه فليس في كلِّ ما استدلَّ به الخصم دليل كاف تنهض به الأدلَّة لإقامة الحجَّة على تلك الدَّعوى الباطلة، بل إنَّ الأدلَّة تصلح لنقض الدَّعوى جملة وتفصيلًا؛ لأنَّها تُبيِّن أنَّ المسلم لا يغدر ولا يخون ولا يسعى لسفك الدِّماء، ولكنَّه يُواجه الغدر والخيانة بالحسم والقتال؛ دفاعًا مشروعًا عن الأرض والعِرض والفرض.
إنَّ القول بأنَّ الإسلام دين إرهاب ينتشر بحدِّ السَّيف قول زائف باطل مردود بوقائع التَّاريخ الماضي والحاضر؛ ففي تُراثنا العريق ما نُفاخر به الدُّنيا من قانون الإسلام في الحروب وسياسة المعارك؛ فجميع الوقائع تُبيِّن أنَّ المسلمين لم يُحاربوا غيرهم إلَّا بعد عرض الإسلام أو الجزية، فكانت الحروب آخر الحلول التي تُدكدك بها حصون الكفر الذي أصرَّ على الوقوف حجر عثرة بين المسلمين وإيصال رسالة الإسلام إلى العالمين؛ فقد تعبَّدنا الله تعالى بتعبيد الكون له؛ ولا سبيل لتحقيق هذا إلَّا باتِّباع منهج الإسلام في نشره ودعوة النَّاس إليه من خلال الدَّعوة والبيان مع وجود قوَّة حامية له، وتعدُّد الوسائل التي تُعرض على المخالفين، وقد برع الإسلام في إرساء معاني السَّلامة والأمن والحرِّيَّة دون جبر أو إكراه؛ قال الله تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ} [البقرة: 256] وممَّا يدلُّ على نظافة يد المسلمين عدم الجنوح إلى القتال إلَّا بعد الإعراض والاستكبار ورفض الحلول السِّلميَّة، وفي ثنايا الحرب والقتال ترد الأوامر بالتَّوقُّف عن الاعتداء والجور في القتال بعدم قطع الأشجار والنَّخيل أو التَّخريب للأماكن والأبنية، أو التَّعدِّي على الآمنين من الأطفال والشُّيوخ والنِّساء والعُبَّاد، مع قلَّة القتل في صفوف العدوِّ، وبأقلِّ مُقارنة تاريخيَّة بين عدد القتلى في صفوف عدوِّ المسلمين في المعارك والغزوات وما وقع في صفوف المسلمين من قتلى على يد الآخرين ما يُبيِّن تشهِّي العدوِّ للقتل وسفك الدِّماء، مع حرص المسلمين على العدل والاعتدال حتَّى في ساحات القتال، وما وقع من عفو النَّبيِّ ﷺ عن كفَّار مكَّة عام الفتح خير دليل، وانتشار الإسلام في العصر الحديث بالسَّلام والدَّعوة من غير قِتال مِن أظهر ما يدفع الشُّبهات التي تدقُّ على وتر الإرهاب والسَّيف؛ فإنَّ الإسلام يملك في ذاته وسائل بقائه وأسرار استمراره؛ قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ} [الصف: 8-9] وفي الحديث عن تميم بن أوس الدَّاريِّ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ اللَّيل والنَّهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلَّا أدخله الله هذا الدِّين، بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل، عزًّا يُعزُّ الله به الإسلام، وذلًّا يذلُّ الله به الكفر» وكان تميم الدَّاريُّ يقول: "قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب مَن أسلم منهم الخير والشَّرف والعزُّ، ولقد أصاب مَن كان منهم كافرًا الذُّلُّ والصَّغارُ والجزيةُ» صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند: (الشَّاميِّين) حديث: (تميم الدَّاريِّ) برقم: (16957)، وقال محقِّقوه: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأبو المغير من رجال الشيخين، وبقيَّة رجال الإسناد ثقات من رجال مسلم.
(5) قام الصَّحابة بحفظ الدِّين على الأمَّة من خلال حفظه من التَّلاشي والضَّياع بنشره وإقامته حتى استوى على عوده، وحفظ مصادره من وحي القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة حتَّى نقلوه كاملًا غير منقوص للأجيال العاقبة، وتظهر ثمرة جهودهم في المحافظة على الدِّين ليسهل على مَن بعدهم أن يقوموا به على النَّحو الذي ارتضاه الله تعالى لعباده؛ فإنَّ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة حُرِّفت وزيِّفت وتحكَّم البشر في تشريعاتها ومنهاجها؛ فخرج المتَّبعون لهما عن المنهج الذي ارتضاه الله تعالى لعباده لتدخُّل اليد البشريَّة فيهما إنقاصًا وزيادة، وأمَّا الإسلام فقد سخَّر الله تعالى له خيرة خلقه بعد الأنبياء والرُّسل فحافظوا عليه من التَّحريف والتَّزييف والتَّفلُّت والخلط والتَّركيب.
لقد حافظ الصَّحابة رضي الله عنهم على القرآن والكريم بأفضل الطُّرق وأشدِّها من خلال التَّواتر اللَّفظيِّ الذي فيه ينقل الجيل عن الجيل من أوَّل السَّند إلى منتهاه بما يحيل تواطؤ النَّقلة على نقل الكذب، ولم يكن النَّقل للكلمات مجرَّدًا عن الأداء، بل نقل الصَّحابة القرآن الكريم نقلًا صوتيًّا واشترطوا فيه المشافهة والمباشرة والتَّلقي المتَّصل بين الرَّواة والنَّقلة، مع اشتهارهم بالعدالة في الدِّيانة، والأمانة والضَّبط في النَّقل والرِّواية، وجعلوا لإقرار القراءة شروطًا شديدة؛ كاتِّصال السَّند، وموافقة وجه من وجوه العربيَّة ولو ضعيفًا، وموافقة الرَّسم العثمانيِّ ولو احتمالًا؛ احتياطًا لكتاب الله تعالى، وحماية لجنابه من أن تطاله يدُ العابثين المفسدين؛ وهذا من باب تحقيق قوله تعالى: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: 9] وقد كتبوه وراء النَّبيِّ ﷺ في حياته، فلم يمت النَّبيُّ ﷺ إلَّا وجميع القرآن بين يدي عموم الصَّحابة رضي الله عنهم، ثمَّ جمعوا كلماته في مصحف واحد في جمع أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، ثمَّ جمعوه لتوحيد الأمَّة على قراءاته في جمع عُثمان بن عفَّان رضي الله عنه ومن يومها والأمَّة لم تختلف في كلماته ولا قراءاته، وانتشر القرآن عبر الصُّدور والسُّطور بواسطة الأحبار والأوراق واللِّسان والآذان، وتتطوَّر طرق عرضه ونقله في كلِّ مرحلة تاريخيَّة؛ فتطوَّر نقله الكتابيُّ في المصاحف الورقيَّة والالكترونيَّة على اختلاف طبعاتها وأوراقها وخطوطها وألوانها، وتطوَّر نقله الصَّوتيُّ بالتَّسجيلات الصَّوتيَّة والمرئيَّة بمختلف القراءات والرِّوايات والأصوات والأجناس؛ وما تمَّ في هذا مُذهل حقًّا؛ فلم يُخدَم كلام ولو كان لله تعالى بمثل ما خُدم القرآن الكريم؛ ولهذا دُرس وضاع كلُّ كلام لله تعالى سوى القرآن الكريم.
وأمَّا حفظ السُّنَّة النَّبويَّة فقد بذل الصَّحابة رضي الله عنه في ذلك جهدًا كبيرًا بالاستيثاق من النَّاقل والمنقول؛ فتناقلوا الحديث الشَّريف على حذر شديد خشية الكذب على النَّبيِّ ﷺ؛ فهم أهل أمانة وصدق، وهم أثبات عدول ثقات، وبلغهم من النُّصوص التَّحذريَّة التي تدعو إلى التَّحرِّي والصِّدق ما ألزمهم طريق التَّثبُّت في النَّقل قبل الرِّواية؛ فالأمر دين وعليه تُبنى الأحكام التَّشريعيَّة للأمَّة الإسلاميَّة، فنقلوا الحديث بيقين وصدق وأمانة وتجرُّد ومهارة وإجادة تحول بينهم وبين وقوع شي في السُّنَّة ليس منها، أو خروج شيء منها عنها، فمنهجهم فيها قائم على التَّحرِّي والتَّدقيق، ولم يثبت عن صحابيٍّ رضي الله عنه - وِفق قانون الرِّواية - ما تُردُّ الرَّواية من أجله لكذب أو خيانة أو وضع أو تدليس؛ فكلُّهم عدول أثبات، وعنهم رضي الله عنهم تلقَّى العلماء المحدِّثون مهمَّة تصفية المنقولات بعد وضع الوضَّاعين ووقوع الدَّخيل في السُّنَّة النَّبويَّة، فانبرى لحفظها رجال صالحون من علماء الحديث حتَّى حُفظت السُّنَّة وتميَّز صحيحها من ضعيفها.
ولا عِبرة بالجهود المضنية التي قام المستشرقون والمستغربون وأعداء الأمَّة الإسلاميَّة عبر الأزمان والعصور من محاولة إسقاط جيل الصَّحابة رضي الله عنهم باعتبارهم حملة الشَّريعة ونقلة الوحيين إلى الأجيال التَّالية، فأرادوا أن يُسقطوا مَن بسقوطهم يسقط بنيان الشَّريعة بكلِّ ما تمَّ مَن جهود بنائيَّة تخدمه؛ فما بنُني على باطل فهو باطل، وهذا المسلك الخبيث لا ينطلي على المؤمن العاقل؛ فإنَّ عدوَّنا كاذب لا أمانة له، وطعنهم في الصَّحابة رضي الله عنهم عامَّة أو بعضهم من النَّقلة وأهل الرِّواية خاصَّة مردود في وجوههم بتعديل الله تعالى لهم؛ قال الله تعالى: {وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [التوبة: 100] وقال الله سبحانه: {لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} [الحديد: 10]
(6) ينبغي لكلِّ مسلم أن يُدرك مكانة هذا الجيل الصَّالح الذي أشرف على صناعته وإعداده النَّبيُّ ﷺ، وشاهدوا التَّنزيل، وعالجوا المرحلة التَّمهيديَّة للأمَّة، وشاركوا في صناعة وتكوين ثقافتها وتراثها وانطباعاتها، وتشرَّفوا بصحبة النَّبيِّ ﷺ ومُناصرته وتأييده والأخذ عنه وتكحيل العين برؤيته، ونقلوا لمن بعدهم علوم الدِّين، وأركان الشَّريعة، وثوابت الملَّة، وأصول الأحكام، ولم يتركوا شاردة ولا واردة ينتفع بها المتأخِّرون من زمنهم إلى يوم القيامة إلَّا ونقلوها لنا نقلًا صادقًا أمينًا لا عبث فيه ولا زيادة ولا نقصان، فكانوا رضي الله عنهم بحقٍّ أمناء على الدِّين، وهم بهذا يستحقُّون الثَّناء والدُّعاء وإحسان الظَّنِّ وكلَّ صفة جميلة؛ لأنَّهم رضي الله عنهم حفظوا على الأمَّة الهُويَّة الإسلاميَّة والعربيَّة، وهذا من أعظم أسرار تميُّزها.
(7) إنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم بشر شرَّفه الله تعالى بما لم يتحقَّق لغيرهم من صحبة النَّبيِّ ﷺ، وهذا لا ينفي بشريَّتهم ولا يُثبت لهم العصمة من الخطأ، لكنَّه يُثبت لهم علوَّ المكانة، وعدم قصد الخطأ، والمسارعة في العودة والتَّوبة وإصلاح ما فسد، فلا يُصرُّون على خطأ يعلمونه، ولـمَّا كانوا غير معصومين وقعت بينهم خلافات بسبب اجتهادات ونظر وتأمُّل في الوقائع والمشاهد التي لم نرها أو نُعالجها أو ندركها، وجميعها ممَّا يسوغ فيه الاجتهاد والنَّظر؛ فليست فيه نصوص قطعيَّة الثُّبوت والدَّلالة، وما نتج من اختلاف بينهم أدَّى إلى فتنة عظيمة له ملابسات ومواقف وأحداث وأسرار ما كنَّا لها شاهدين ولا للغيب حافظين، ومنهجنا تجاه ما جرى بينهم من خلاف نتج عن افتراق النَّاس إلى مذاهب وأفكار وآراء أن نقف عند حدود الأدب مع جميعهم؛ فلا نطعن في أحد منهم رضي الله عنهم، ولا نسبُّه، ولا نلعنه، ولا نُحاكمه، فهم قوم نصروا الدِّين، وصحبوا النَّبيَّ ﷺ، وبُشِّروا بالجنَّة والرِّضوان والإكرام، فالكفُّ عن محاكمتهم والتَّنقيص منهم رضي الله عنهم أسلم لدين المرء وقلبه، ولسنا مكلَّفين شرعًا بالبتِّ في الخلافات التي جرت عبر الأجيال والعصور بين النَّاس، ولا ذلك من أصول ديننا أو فروعها التي يلزم الاعتقاد فيها، من هنا كان الأسلم السُّكوت عمَّا جرى بين الصَّحابة رضي الله عنهم، مع إحسان الظَّنِّ بهم جميعًا، والتَّرضِّي عنهم، والدُّعاء لهم؛ فهم قوم عدَّلهم الله تعالى والقرآن ينزل عليهم ولم يكن يخفى على الله تعالى ما سيقع بينهم من اختلاف، فالعاقل لا يتَّخذ أحدًا منهم خصيمه بين يدي الله تعالى، وتلك فتن عصم الله تعالى القلوب والأيادي عن الوقوع فيها فلا نُعمِل فيها ألسنتنا بشيء من التَّجريح أو الإساءة، وإنَّما نحفظ لأصحاب المكانة مكانتهم.
(8) لقد وجَّه العدوُّ أسهُمه المتتالية لصُّدور الصَّحابة رضي الله عنهم من خلال التَّشكيك فيهم والطَّعن والتَّجريح بالتَّصريح والتَّلميح؛ فطعنوا في مجموع الصَّحابة وأفرادهم بالبنان واللِّسان في كلِّ نافذة من نوافذ البيان؛ فكتبوا عنهم كتبًا، ومقالاتٍ، ومنشورات، ونطقت ألسنتُهم بالزُّور والبُهتان في حقِّ الصَّحابة رضي الله عنهم، وشنُّوا حربًا ضروسًا لا هوادة فيها على أطهر النَّاس بعد أنبياء الله تعالى ورسله عليهم السَّلام؛ وما ذلك إلَّا لأنَّهم أرادوا الإسلام فقصدوا حملته ورافعي رايته؛ فهم يرون أنَّهم إن استطاعوا إسقاطهم سقط الدِّين معهم، والله تعالى لن يُمكِّن لأعداء الطُّهر والفضيلة والإسلام من النَّيل من هؤلاء الأبرياء؛ وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: إنَّ الله قال: «مَن عادَى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب» صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الرِّقاق) باب: (التَّواضع) برقم: (6502).
وممَّا ينبغي على كلِّ مسلم تجاه الصَّحابة رضي الله عنهم أن يتحمَّل كلُّ فرد واجب الدِّفاع عنهم بما يُحسنه ويُتقنه ويبرع فيه؛ فمَن استطاع الرَّدَّ باللِّسان فلينطق بأعذب الكلمات، وأطيَّب العبارات، وأصدق الدَّلالات، وأقوى البيِّنات لتبرئة ساحة الصَّحابة من كلِّ ما نسبه المرجفون والمنافقون والمأجورون إليهم زورًا وبهتانًا، ومن استطاع الرَّدَّ بالبنان فليترك العنان لقلمه ليكتب بحبٍّ وبذل وصدق عن هذه الثُّلَّة الصَّالحة المباركة رضي الله عنهم ببيان مكانتهم، والذَّبِّ عنهم، والثَّناء عليهم، وردِّ الشُّبات المثارة في حقِّهم رضي الله عنهم، ومن لم يستطع الكتابة والكلام فليُنكر بقلبه كلَّ ما يرد في سِياق ذمِّهم والتَّنقُّص منهم، أمَّا التَّخاذل والضَّعف عن بذل الجهد مع القدرة عليه فحرمان وخذلان وتقصير.
(9) إنَّ من حقِّ الأجيال أن تعرف قدواتها الصَّالحة حتَّى تقلِّدها وتستقيم على منهجها، وقد تعمَّد العدوُّ الغاشم أن يُجهِّل الأجيال بقدواتها من الصَّحابة رضي الله عنهم والفاتحين والمجاهدين والعلماء والصَّالحين، فأسقطوا الرُّموز، وقطَّعوا الرُّءوس، وأفسدوا النُّفوس، وقدَّموا قدوات جاهلة فاسدة لتكن المثال والقادة، وواجب الآباء وأولياء الأمور أن يربطوا أبناءهم بهؤلاء تعريفًا وتبيينًا وتوجيهًا ومحاكاة؛ من خلال إحياء سيرتهم بالمدارسة والقراءة والمطالعة والتَّفهيم.