الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

من أحقُّ النَّاس ببيت المقدس وأرض فلسطين؟

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

وللجواب أقول:

وبعد: فقد وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: من أحقُّ النَّاس ببيت المقدس وأرض فلسطين؟

وللجواب أقول:

سكَّان فلسطين تاريخيًّا:

اعلم علَّمني الله وإيَّاك - أنَّ سكَّان فلسطين عبر التَّاريخ القديم كالآتي:

1 - اليبوسيِّون: وهم قوم لهم جذور عربيَّة، هاجروا من شبه الجزيرة العربيَّة (اليمن) - وفي صنعاء قلعة بيت بوس - إلى فلسطين، واتَّخذوا من القدس عاصمة لهم ومركزًا، وهم بُناتها وأطلقوا عليها اسم: (شاليم)= إله السَّلام، أو مدينة يبوس نسبة إليهم، وهم من الكنعانيِّين العرب، وجاء بعدهم الإسرائيليُّون واستولوا عليها بقيادة نبيِّ الله داود ، ثمَّ تشتَّتوا في بلاد الشَّام، وهؤلاء لا شكَّ في عربيَّتهم، ونزوحهم من شبه الجزيرة العربيَّة.

2 - الكنعانيُّون: وقد تبعوا اليبوسيِّين، وسكنوا شمال فلسطين، وعرفت في زمنهم بأرض كنعان، وهم ينتسبون إلى كنعان بن حام بن نوح، وهم قبائل عربيَّة من شبه الجزيرة العربيَّة، هاجروا إلى السَّاحل وتمركزوا في منطقة فلسطين وما حولها، وهو وثنيُّون لا دين لهم، وقد دخلوا فلسطين قبل اليهود بنحو: (140) سنة.

3 - الفنيقيُّون: وهم جزء من الكنعانيِّين العرب، واستقرُّوا في الشَّمال الفلسطينيِّ ناحية سوريا ولبنان، وتقع لبنان موقعهم الآن، وقد وصلوا إلى هذه المنطقة سنة: (3000ق.م)، وعملوا في التِّجارة في البحر الأبيض المتوسِّط، وتجاروا في خشب الأرز والصُّنوبر والكتَّان، والأقمشة، والمشغولات المعدنيَّة والزُّجاج، تبعت للملكة الأشوريين حتى سيطر عليها الفرس، ثم الرُّوم بواسطة الإسكندر الأكبر.

4 - العاموريُّون أو اسم الآموريُّون: وهم من القبائل ذات الأصول العربيَّة استوطنت فلسطين [1]، وهاجروا من شِبه الجزيرة العربيَّة بعد الكنعانيِّين، وعاشوا في جنوب فلسطين وسوريَّا ولبنان وسمَّوا البحر المتوسِّط بحر أمورُّو العظيم، ومنهم الهكسوس، وحكموا مصر لاحقًا.

5 - البالستيِّون= الفالستيُّون: وهم قوم من العمالقة دخلوا فلسطين من البحر من جزائر البحر الأبيض المتوسِّط من قِبل جزيرة كريت أو الأناضول، وقصدوا مصر قبلها لكنَّهم وُجهوا بقوَّة من قِبل أهلها في عهد رمسيس الثَّالث، فدخلوا فلسطين واختلطوا بأهلها وعاشوا بينهم حتى زادوا وتمكَّنوا فيها، ومنهم الملك الكافر جالوت، وليسوا يهودًا، ومنهم تولَّد اسم فلسطين= بلاستين وبقي إلى يومنا مع تعديل يسير.

وبذلك تظهر أحقِّية العرب التَّاريخيَّة في هذه المنطقة؛ فالعرب الكنعانيُّون واليبوسيُّون هم بُناتها وأوَّل قاطنيها بشهادة التَّاريخ الإنسانيِّ من خلال الحفريَّات التي أثبتها العلماء، وفي الكتاب المقدَّس: «فلم يُرِدِ الرَّجلُ أَن يبيت، بل قام وذهب وجاء إلى مُقابل يَبُوس، هي أُورُشليم، ومعه حِماران مشدُودَان وَسُرِّيَّتُه معه. وفيما هم عند يبُوسَ والنَّهار قد انحدر جدًّا، قال الغلام لسيِّدِه: «تعال نَمِيلُ إلى مدينة اليبوسيِّين هذه ونبيتُ فيها» فقال له سيِّدُه: «لا نميل إلى مدينةٍ غريبةٍ حيث ليس أحدٌ من بني إسرائيل هنا. نعبر إلى جبعة» [2]

شبهة أحقِّيَّة اليهود في القدس:

لقد كتب الله تعالى الشَّتات والتِّيه على بني إسرائيل كعقوبة على كفرهم وتمرُّدهم وعصيانهم أمر نبيِّهم موسى لـمَّا أمرهم دخولها، وليس على التَّأبيد والأحقِّيَّة التَّاريخيَّة أو الدِّينيَّة، ولكنَّه تفضيل لهم من جملة ما تحقَّق لهم من تفضيل لم يشكروه، وقابلوه بالجحود والتَّمرُّد، فحرَّم الله تعالى عليهم دخولها مُطلقًا على قول، وضرب عليهم التِّيه أربعين، وأمرهم أن يتوزَّعوا في الأرض: {وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ‌ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا} [الإسراء: 104] وعاقبهم: {ضُرِبَتۡ ‌عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ ‌وَضُرِبَتۡ ‌عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ} [آل عمران: 112]

وفي قوله تعالى: {يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ‌ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} [المائدة: 21] ما يُوهم أنَّ الله تعالى كتبها لهم على التَّأبيد، وبها استدلَّ اليهود علينا، بل إنَّه حكم معلَّل ومشروط بالإيمان [3]، ودليل ذلك أنَّه سبحانه حرَّمها عليهم لجحودهم وكفرهم وعنادهم، فهي لهم إن آمنوا واستجابوا كتكريم وتفضيل، فإذا عصوا وجحدوا فلا حقَّ لهم فيها بدليل التَّحريم عليهم بعد الكتابة لهم.

وليُعلَم أنَّ موسى عليه السَّلام كان يتوجَّه لمن آمن معه من بني إسرائيل بالأمر بدخول الأرض المقدَّسة على العماليق الوثنيِّين المشركين؛ لأنَّها أرض فيها بيت مقدَّس لا يحكمها كافر أو مشرك، فلم يستجيبوا لنبيِّهم وقالوا له مقولتهم التي خلَّدها القرآن الكريم إلى يوم النَّاس: {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا ‌قَٰعِدُونَ} [المائدة: 24] فليس فيها دليل لهم لأنَّهم غير مؤمنين، وقد جعل الله تعالى لهم الرِّيادة والتَّفضيل إذا آمنوا؛ قال تعالى: {وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ ‌عَشَرَ ‌نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 12] فشرط الله تعالى لتحقيق ذلك أن يكونوا مؤمنين، ثمَّ بيَّن في الآية التَّالية حقيقة أمرهم فقال سبحانه تعالى: {فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [المائدة: 13]

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله