تابع العلاج العامُّ للإفراط في الشهوات
ثالثًا: سدُّ الذَّرائع بالبعد عن أسباب الحرام.
فبين الإنسان والمعاصي جدار ضعيف فيه منافذ مفتوحة يحول بينه وبين دخولها إيمانُه وعلمُه، ولا يزال المرء بخير ما لم يقتحم هذه المنافذ ليقع في الحرام، والعاقل من أغلق على نفسه كلَّ باب يُوصِّله إلى المعصية والإفراط في الشَّهوة، من خلال البعد عن أسبابها وطرقها وما أدَّى إليها، عن طريق أخذ مسافة الأمان الَّتي لا تمكِّنه من المعصية؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الله ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، على كنَفي الصِّراط سوران لهما أبواب مفتَّحة، على الأبواب ستور وداع يدعو على رأس الصِّراط وداع يدعو فوقه: {وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [يونس: 25] والأبواب الَّتي على كَنَفي الصِّراط حدود الله، فلا يقع أحد في حدود الله حتَّى يكشف السِّتر، والَّذي يدعو من فوقه واعظ ربِّه» ([9]) فهذا الحديث الشَّريف يُبيِّن فيه النَّبيُّ ﷺ أنَّ المؤمن يسير في طريق مستقيم - بيِّن لا اعوجاج فيه ولا غموض - يوصِّله إلى الله تعالى، والسُّوران يُمثِّلان حدود الإسلام ومعالم الطَّريق، فلا سبيل لمن أراد السَّير داخل الصِّراط إلَّا أن يُحافظ على اتِّزانه حتَّى لا يخرج عن حدِّه بالمعصية أو الكفر، ولا يضمن المرء ذلك إلَّا بالثَّبات الإيمانيِّ الَّذي يجعله يسير في طريقه لا ينحرف عنه طرفة عين؛ فعدوُّه يتربَّص به ويكيد له؛ ليُخرجه عن حدود الاستقامة إلى فعل ما يجلب الخزي والعار والنَّدامة بالخروج عن نطاق الطَّريق الصَّحيح.
فالطَّريق المستقيم جسد يُحدُّه جناحان عن اليمين والشِّمال يُمثِّلان منافذ الحرام، وعليها سُتور مُرخاة ودُعاة يدعون إليها، ويُروِّجون لها، ويعملون على تزيينها وإثارتها لاستجلاب النُّفوس، واقتناص القلوب، ليقع النَّاس في شِراكها، ويلتفُّوا بشِباكها، فمن أراد المعصية سلك أسبابها فمال عن الطَّريق الواضح وأمَّ بابًا من أبوابها المنتشرة على جنبتي الطَّريق المستقيم؛ ففيه انحراف عن الجادَّة، وميل بالنَّفس عن الاستقامة، من خلال التَّمادي مع الشَّهوات بطَرق أسبابها، والتَّعرُّض لها، فلا سبيل للنَّجاة من نيرانها؛ لأنَّ المعصية تحمل في نفسها قوَّة جاذبة نحوها، فكانت السَّلامة في سدِّ أبوابها، وهجر أسبابها، والبعد عن مواطنها.
إنَّ انفتاح الأبواب دليل على سهولة المعصية؛ وبهذا يتحقَّق الاختبار وتعظم الفتنة، فليس بين المرء والحرام جدار شديد، أو سدود من حديد، بل هي ستور تقلِّبها رياح الفتن، وتحرِّكها عوامل الزمن، ويعمل العدوُّ على تزيينها، ويدعو النَّاس إلى تجريبها، ومع مرور الأيَّام، وجريان الأعوام يبتكر العدوُّ من الوسائل والأدوات ما ينحت به ستار المعصية وحجاب الحرام؛ فيُصبح السِّتار شفَّافًا يُظهر ما ورائه من حرمات، ويُحفِّز النَّاس إلى اقتحامها لما يُضفيه عليها من التَّزيين والتَّلبيس، فمن قصدها وقع فيها.
ومن أعظم ما يدلُّ على ذلك ما يحصُل في واقعنا من سهولة الحرام، ووفرة صوره، وتعدَّد أسبابه، فبإمكان المرء أن يُحصِّل الحرام بأبخس ثمن، وأقلِّ جهد، فالتَّقدُّم التُّكنولوجيُّ الهائل الَّذي أسفر عن إنشاء المواقع والمتصفِّحات المجانيَّة الَّتي يمكن للمرء أن يصل من خلالها إلى إشباع شهوته في الحرام في أيِّ جانب من جوانب الشَّهوة؛ فإذا رغب في الزِّنا والفاحشة أمكنه مشاهدة الصُّور والمقاطع الصَّوتيَّة والمرئيَّة، بل ويمكنه أن يتواصل تواصُلًا مباشرًا مع المومسات البغايا ممَّن يعملن في هذا مجال الفاحشة عبر الوسائل للإتيان إليه حيث يسكن، وإذا رغب في التَّمادي في شهوة العقل والقلب بالتَّعرُّض للشُّبهات وجد كثيرًا من المواقع الَّتي تُحسِن عرض الشُّبهة وترويجها حتَّى يقع في شِباكها، ويمكنه التَّواصل مع مختصِّين في الإضلال والتَّكفير ليزداد جهلًا وانحرافًا.
وإذا رغب في التَّمادي في شهوة المال أمكنه أن يُدلِّس على النَّاس من خلال الشَّبكة بإنشاء تجارة وهميَّة يسطو من خلاله على أموال النَّاس، وإذا رغب في التَّمادي في شهوة اللِّسان والأذن بالغِيبة والنَّميمة والكذب وسماع الحرام أمكنه ذلك من خلال الكتابة والكلام عبر الوسائل والتَّطبيقات والبرامج المختلفة الَّتي تنقل كلامه بسرعة البرق ليعظم خطره وضرَّره على الأمَّة كلِّها؛ فيُمكنه الكذب، وشهادة الزُّور، وقذف المحصنات، والغِيبة والنَّميمة، والافتراء، والتَّقوُّل على الله تعالى ورسوله بضغطة زر ينتشر قوله المكتوب والمسموع والمرئيُّ ليصل إلى حيث تصل الشَّمس؛ فقد وصلت وسائل التَّواصل إلى يد كلِّ البشر.
كما يُمكنه أن يستمع إلى الحرام بأذنه من خلال كتابة ما يرغب في الاستماع إليه في مؤشِّر البحث ليتحقَّق له ذلك بلا جُهد أو عناء، وإذا رغب في التَّمادي في شهوة السُّلطة استطاع أن يُكوِّن سلطة افتراضيَّة عن طريق العالم الافتراضيِّ عبر الوسائل ليُشبع رغبته وشهوته الَّتي لم يتمكَّن من إشباعها في عالم الواقع، ففي العالم الافتراضيِّ جيوش ودول وسلطات داخل كيان الدَّولة الواحدة، فيمكن للمرء الرَّاغب في السُّلطة أن يتَّجه هذا الاتِّجاه مكوِّنًا جماعةً أو حزبًا أو جيشًا مع إصدار القرارات الَّتي تُنفَّذ في الواقع، ممَّا يُحدث كثيرًا من المشكلات.
وقد وضعت على الفتن ستور لحجبها عن النَّاس دون منعها؛ إعانة لهم على البعد وعدم الافتتان، وتشويقًا لأصحاب النُّفوس المريضة الرَّاغبين في كشف السُّتور لمواقعة المعصية وهذه هي الفتنة الحقيقيَّة، وما جرَّ الشَّرَّ والبلاء على الإنسان مثلُ الفضول والتَّطلُّع للأشياء، والسُّتور على الأبواب تبيِّن حقيقة سهولة المعصية، فلا يمنع المرء من الوقوع فيها إلَّا أن يكشف السِّتر عن بابها فتظهر له الفتن والمحرَّمات ليكون المفتون بين متلبِّس بالمعصية والشَّهوة، أو مرتاب على شكٍّ من دينه قد وقع في شباك الشُّبهة، أو مرتدٍّ عن الدِّين لاجتماع الشَّهوة والشُّبهة فيهلك؛ ولا يحتاج الحرام إلى قصده وطلبه والبحث عنه، بل يعرض للمرء أثناء تصفُّحه ومشاهدته وسيره في طريقه، فيخرج له رابط من رحم المواقع الالكترونيَّة، فيضغط عليه للاطِّلاع والفضول فيُصدم حين يجد نفسه وجهًا لوجه أمام باب عظيم من أبواب الفتن الَّتي تعصف بالعقول وتخسف القلوب، عندها يتحرَّك واعظ الله تعالى في قلبه صارخًا فيه: "ويحك! لا تفتحه فإنَّك إن تفتحه تلجه!" فيكون الإبقاء على السُّتور المرخاة على الأبواب وعدم الالتفات إليها بالسَّير في الطَّريق دون ميل أو انحراف هو أصل نجاة المرء، وهذا معنى سدِّ الذَّرائع بإغلاق منافذ الحرام على النَّفس، وعدم الاقتراب منها، وترك التَّفكير فيها.
إنَّ من لطف الله تعالى بعباده ورحمته بهم أن هيَّأ لهم من أسباب السَّلامة والنَّجاة ما يحول بينهم وبين الوقوع في المعصية حتَّى في أوقات التَّلبُّس بالمعصية؛ فجعل الله تعالى على الأبواب وعلى الصِّراط من يدعو إلى البُعد، فكان الضَّمير والإيمان والقرآن من موانع المعصية من خلال تذكير النَّفس بآثارها وحرمتها وما يترتَّب عليها من عواقب، وفي جملة: "ويحك! لا تفتحه فإنَّك إن تفتحه تلجه!" من المعاني ما تفيض له العين بالدُّموع الغزيرة، ويجيش له القلب بالمعاني الكثيرة، ما يكون سببًا في ترك المعصية وإقفال باب الحرام، والعودة مرَّة أخرى إلى أصل الطَّريق، فالضَّمير يصرخ في المرء مُستنكرًا إقباله على معصية الله تعالى، مذكِّرًا إيَّاه بخطورة القرب من منافذ الحرام لأنَّها تجذبه إليه وتُوقعه فيها، فحين يسمع القلب هذا الصَّوت، ويُدرك العقل هذا المضمون يُسارِع في البُعد والانصراف، فإمَّا أن يتمكَّن من العودة والنُّزوع من المعصية الَّتي كاد يتلبَّس بها لقوَّة صوت الدَّاعي وعظيم أثره، أو لا يتمكِّن من خلال سعيه لإسكات صوت الدَّاعي وقطع أوتاره بالتَّمادي في الحرام دون الاهتمام والالتفات.
فهذا مَثل ضربه النَّبيُّ ﷺ للصَّحابة رضي الله عنهم ومَن بعدهم للتَّأكيد على أهمِّيَّة سدِّ أبواب الحرام بهجرها والسَّير في الطَّريق المستقيم دون التفات أو خروج، وهو سير على منهج القرآن الكريم في معالجة النَّفس بإبعادها عن المعصية بيئةً وسببًا وصحبةً؛ قال تعالى: {وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] وقال تعالى: {وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥ} [الأنعام: 152] وقال سبحانه: {وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} [الإسراء: 32] فقد تضمَّنت هذه النُّصوص الشَّريفة النَّهي عن الاقتراب عن المعصية وأسبابها؛ فالنُّفوس ضعيفة، والفتنة خطَّافة، والتَّعرُّض للمعصية= وقوع فيها، من أجل هذا نهانا الله تعالى عن مجرَّد الاقتراب وفتح الأبواب، سدًّا لمنافذ الفتن، وتوجيهًا إلى أفضل علاج وقائيٍّ ينتفع به الإنسان؛ فإنَّ الاقتراب من المعصية، والتَّمادي مع أسبابها، والسَّير على خُطواتها من أعظم ما يُنتج الحرام، لذا كانت السَّلامة في سدِّ أبواب الحرام، وهجر أسبابه.
(9) حسن: أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب: (الأمثال) باب: (ما جاء في مثل الله لعباده) برقم: (2859) وقال: "هذا حديث حسن غريب".