الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

العلاج البعديُّ للإفراط في الشَّهوات

أوَّلًا: الاعتراف بالمعصية، والشُّعور بالمرارة.

إنَّ الاعتراف والإقرار يدفعان المرء إلى البحث عن المعالجة لما حصل منه من تجاوز وإفراط، بخلاف الكِبر والعِناد وعدم الإقرار بالتَّعدِّي فإنَّه أصل البلاء ورأس الشَّقاء؛ لأنَّ صاحبه لا يرى في فعله ما يدعوه إلى التَّوبة والاعتذار والتَّراجع والتَّوقُّف عن السَّير في طريق الإسراف والإسفاف، ولا يزال الخير متوقَّعًا من العاصي ما لم يتنكَّر لجرمه وذنبه؛ فإنَّ الشُّعور بالمعصية كفيل بإيقاظ القلب من رقدته، وتنبيه العقل من غفلته، واستثارة العزيمة من سُباتها؛ فيصل المرء إلى طلب المعالجة وبذل أسبابها، وأمَّا من لم يرفع بذلك رأسًا فلن يتراجع عن ذنبه وغيِّه، ولن تحدِّثه النَّفس بالعودة، بل تحثُّه على التَّمادي والاستمرار؛ وهذا ما ذكره القرآن الكريم عن أوَّل صورة من صور الإفراط في الشَّهوة حين أفرط إبليس في شهوة السُّلطة والرِّياسة وحبِّ الظهور فوصل به الأمر أن تجرَّأ على عصيان الأمر بالسُّجود لآدم عليه السَّلام، وتمادى في المعصية فجادل وناظر واستدلَّ على أفضليَّته على من حوله؛ وأخذته العزَّة بالإثمَّ فجادل من لا يُجادَل، واعترض على من أَمر، وحجبت المعصية نورَ الحكمة والوعي عن عقله فأبى أن يسجد لمن أمره الله تعالى بالسُّجود له، وساقه لسانه إلى الاحتجاج والاعتراض مستدلًّا بخيريَّته وفضله لفرط ما ينتج عن الإفراط في الشَّهوة من حماقة وإسفاف؛ فأمر الله تعالى لا يُجادِل فيه مؤمن، ولا يعترض عليه مستسلم، ولا يُناقش فيه مسلم؛ قال تعالى: {وَمَا ‌كَانَ ‌لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا} [الأحزاب: 36] لكنَّ إبليس لم تتحقَّق فيه معاني الإيمان؛ فكفر بالله تعالى واستكبر وحمله ذلك على الامتناع عن السُّجود، ولم يُراجع نفسه، ولم يُصلح ما أفسد؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ‌ٱسۡجُدُواْ ‌لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: 34] ولم يتوقَّف إبليس عند هذا الحدِّ، بل تمادى في التَّعليل والمجادلة؛ قال تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ إلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} [الأعراف: 12] وقال: {قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} [ص: 76] واستمرَّ بإعلان العداوة والتَّحدي لآدم وذرِّيَّته؛ قال تعالى: {قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ * ثمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ} [الأعراف: 16، 17] وقال تعالى: {قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إلَّا قَلِيلٗا} [الإسراء: 62] وبالفعل بدأ في تحقيق ما توعَّد به فعمل على الوسوسة والتَّزيين لآدم حتَّى ظفِر منه بما أراد؛ قال تعالى: {فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ * فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖ} [الأعراف: 20، 22]

الكبر يحجب أنوار الهداية فلا تشرق على القلب

وبالنَّظر إلى تلك النُّصوص نجد أنَّ إبليس - رمز العِناد والكِبر، وعلَم الإسراف والكفر - قد حجبه عن الهداية عدمُ الاعتراف بالذَّنب، والكبر عن الإقرار بالمعصية؛ بدليل التَّمادي في التَّبرير والتَّدليل على أولويَّته بالمجد الَّذي تحقَّق لآدم عليه السَّلام، فحمله ذلك على المهالك، واستمرَّ في عصيانه وضلاله حتَّى استحقَّ أن يكون مطرودًا من الرَّحمة الواسعة، ومحرومًا من النِّعم الجامعة، وزعيمًا ودليلًا لكلِّ نفس طامعة؛ قال تعالى: {قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ} [الأعراف: 13] وقال سبحانه: {قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ * وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} [ص: 77، 78] وكلُّ من عاند وكابر، ونسي قدرَه وغامر، فقد تشبَّه بإبليس في العناد، ولحق به العقوبة؛ حيث تضرب الغفلة على قلبه فلا يهتدي إلى غلطه، ولا ينتبه لشططه، بل يتمادى في المعصية، وهذه أعظم عقوبة تُفرض على المرء، وعلاجها في تذكُّر الذَّنب، والاعتراف بالعيب، والمسارعة في العودة.

الانكسار يجلب أنوار الهداية فتشرق على القلب

وعلى النَّقيض ممَّا فعله إبليس نجد ما فعله آدم عليه السَّلام من الاعترف والاستغفار والانكسار وطلب الرَّحمة؛ وذلك بسبب ما أدركه من عظيم لطف الله تعالى فاعترف وتأثَّر بما وقع منه من مخالفة أمر الله تعالى بالنَّهي عن الأكل من الشَّجرة؛ قال تعالى: {فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 37] وقال سبحانه: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} [الأعراف: 23] فما حصل لآدم عليه السَّلام من الحزن بالمخالفة دعاه إلى التَّعرُّض لرحمة الله تعالى الَّذي أكرمه بالكلمات الَّتي ألهمه إيَّاها للتعبير عن حالة الانكسار والتَّوبة والنَّدم المتحقِّقة له.

تنزيه نبيٍّ ممَّا يرد بشأن استغفاره

وكذلك ما وقع من نبيِّ الله داود عليه السَّلام من الاستغفار بالانكسار بين يدي الله تعالى؛ قال سبحانه: {وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ ‌وَخَرَّۤ ‌رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ ۩} [ص: 24] وأمَّا سبب التَّوبة والإنابة والاستغفار فلم يذكره الله تعالى، ولو كان في ذكره فائدة لما حجبه الله سبحانه، ولم يثبت - لدى الباحث - بالأدلَّة اليقينيَّة سبب ذلك، وما ورد في كتب التَّفسير من روايات لا تسلَم من ردٍّ ونقد، وفي بعضها ما يُفهَم منه الحطُّ من قدر الأنبياء؛ لتنافيه مع عصمتهم المقرَّرة الثَّابتة؛ لذا أعرضت عن بيانها؛ فالعِبرة ما ورد من التَّوبة والاعتراف لله تعالى بالحاجة، فهذا ممَّا يُستفاد منه أنَّ المرء لا يستغني عن الله تعالى طرفة عين ولو كان ممَّن ارتفعت أقدراهم الشَّرعيَّة؛ فالخلق لا يستقلُّون عن الله تعالى، بل يحتاجون إليه دائمًا؛ للثبات على الطَّاعة، والترقِّي في مدارج القرب منه سبحانه، وهذا يحتاج إلى إظهار الإخبات والتضرع الدَّائم.

الاعتراف أوَّل خطوات الاغتراف

وإنَّما كان الاعتراف أوَّلَ خطوات العلاج لأنَّه الدَّافع للمرء إلى البحث عن العلاج والاستفادة منه؛ فإنَّ المريض الَّذي لا يعرف أنَّه مريض لا يشعر بأضرار المرض، ولا يُدرك حقيقته، فلن يبحث عن علاج لداء يجهله ولا يُقرُّ به، فإذا كان عدم إقراره بالمرض الحاصل له عن جهل منه فهو مغفَّل؛ لجهله بما يُهلكه دون تفقُّد أو إحساس، وإن كان عن علم فهو أحمق؛ لإهماله في حقِّ نفسه بالاعتراف بما فيها وبذل سبل العلاج؛ والعاقل لا يفعل ذلك أبدًا.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله