منهج الإمام يحيى بن معين في نقد الحديث
يعدُّ الإمام الكبير يحيى بن معين من أئمَّة الحديث وأعيانهم، فشهرته طبَّقت الآفاق، ومكانته لا يجهلها أحد، وله منهجيَّته الخاصَّة به في نقد الحديث، ويمكن إجمال منهجيَّته رحمه الله في النَّقد في النِّقاط التَّالية:
الأولى: منهجه في الجرح:
اعتمد الإمام يحيى بن معين رحمه الله منهجيَّة في الجرح تتَّسم بالشِّدَّة في نقد الرُّواة؛ حماية لجناب النُّصوص الحديثيَّة؛ فكان يُجرِّح الرُّواة بأقلِّ جرح، ويردُّ روايتهم، ويستعمل في ذلك مصطلحات في الجرح متنوِّعة تتفاوت في القدح والذَّمِّ قوَّة وضعفًا على حسب ما يراه من مُعطيات تؤدِّي للحكم على الرُّواة بما ظهر له؛ يقول الباحث محمَّد كامل القصَّار: "استعمل إمامنا رحمه الله في الجرح ألفاظًا متعددة تتباين قوة في القدح وضعفًا، وذمًّا مغرقًا وخفيفًا، حسب ما يراه واجب الأداء في التَّرجمة دونما هوادة أو لين؛ فنراه يستعمل في جرحه مادَّة الكذب، والضَّعف، ونفي الوثوق والقوَّة، في صيغ متعدِّدة وقوالب متنوِّعة" [1]
ومن خلال تصنيف العلماء النُّقاد في علم الرِّجال يظهر أنَّهم وضعوا الإمام يحيى بن معين رحمه الله في مرتبة المتشدِّدين في الجرح والتَّعديل، وعليه فإنَّه ممَّن سلك مسلك التَّشديد في جرح الرُّواة بأدنى جرح؛ يقول الأستاذ الدُّكتور نور الدِّين عتر: "فكثيرًا ما يوجد أمر يكون مانعًا من قبول جرحه، وله صور كثيرة لا تخفى على مهرة كتب الشَّريعة، فمنها: أن يكون الجارح من المتعنِّتين المشدِّدين، فإنَّ هناك جمعًا من أئمَّة الجرح والتَّعديل له تشدُّد في هذا الباب يجرحون الرَّاوي بأدنى جرح، فمثل هذا الجارح توثيقه معتبر، وجرحه لا يعتبر إلَّا إذا وافقه غيره ممَّن يُنصف ويعتبر، فمنهم أبو حاتم، والنَّسائيُّ، وابن معين، وابن القطَّان، ويحيى القطَّان، وابن حبَّان، وغيرهم رحمهم الله تعالى فإنَّهم معروفون بالإسراف في الجرح والتَّعنُّت فيه، فليثبت العاقل في الرُّواة الذين تفرَّدوا بجرحهم وليتفكَّر فيه" [2]
الثَّانية: منهجه رحمه الله في التَّعديل:
يعتمد الإمام رحمه الله منهجيَّة رصينة في تعديل الرُّواة، باستخدام ألفاظ التَّعديل الموافقة لدرجة الرَّاوي ومرتبته في العدالة عنده، ولاختلاف مراتب الرُّواة تعدَّدت الألفاظ المستعملة في التَّعديل لديه، وكان يجمع للرَّاوي الواحد بين أكثر من صفة، وكان يُفاضل بين الرَّاويين بطريقة بديعة، قال القصَّار: "ولقد كان يسلك في طريقة المفاضلة بين الرَّجلين مسلكًا دقيقًا وخطَّة متحرَّاة، هي في فنَّ التَّرجمة مثال عجيب [3] فنراه يقول في عبَّاد بن العوام: ثقة، صدوق، مأمون، مقنع جائز الحديث، هو والله أوثق بن يزيد بن هارون، أفيزيد ليس بثقة؟! بلى والله إنَّه لثقة، وإن عبَّادًا لأوثق منه" [4]
ويمكن توجيه الضَّوء إلى منهج الإمام يحيى بن معين رحمه الله تعالى في التَّعديل من خلال ما ذكره الحافظ ابن حجر في بيان طريقته في التَّعديل حيث قال رحمه الله: "قال ابن أبي خيثمة: "قلت لابن معين: "إنَّك تقول: "فلان ليس به بأس، وفلان ضعيف" قال: "إذا قلت لك ليس به بأس فهو ثقة، وإذا قلت هو ضعيف فليس هو بثقة، ولا يُكتب حديثه" [5]
وممَّا يميِّز منهجيَّته رحمه الله في النَّقد ما يلي:
1 - اختلاف أحكامه على الرَّاوي الواحد جرحًا وتعديلًا؛ جاء في مقدِّمة موسوعة تاريخ ابن معين: "وما تميَّز به الإمام النَّاقد يحيى بن معين رحمه الله من بين الأئمَّة الآخرين كثرة أقواله، واختلافها في طائفة كبيرة من الرُّواة" [6] وليس في مثل هذا مطعن على الإمام الكبير يحيى بن معين رحمه الله؛ لأنَّ ملابسات الإجابة مختلفة ومتفاوتة؛ قال السَّخاويُّ رحمه الله: "أمَّا إذا كان الاختلاف في الجرح والتَّعديل من قائل واحد كما يتَّفق لابن معين وغيره من أئمَّة النَّقد، فهذا قد لا يكون تناقضًا، بل نسبيًّا في أحدهما، أو ناشئًا عن تغيُّر الاجتهاد" [7] وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيليُّ رحمه الله: "وليس ذلك بتناقض ولا إحالة، ولكنَّه صدر عن حالتين مختلفتين، عرض أحدهما في وقت والآخر في غيره" [8]
وفيما يلي ذكر أسباب اختلاف الأحكام على الرَّاوي الواحد، وهذا بيانها:
أ - كثرة ما وجِّه إليه من أسئلة تتعلَّق بالرِّجال وأقواله فيهم؛ فتعدَّدت أقواله بتعدُّد المواقف والسَّائلين، وطريقة سؤالهم، ولكثرة طلَّابه سارت أقوله مع الركاب، ولعلو كعبه في العلم تناقله كلامه الطلاب؛ قال الحافظ السَّخاويُّ رحمه الله: "وولاة الجرح والتَّعديل بعد من ذكرنا يحيى بن معين، وقد سأله عن الرِّجال غير واحد من الحفَّاظ، ومن ثمَّ اختلفت آراؤه وعبارته في بعض الرِّجال كما اختلف اجتهاد الفقهاء وصارت لهم الأقوال والوجوه، فاجتهدوا في المسائل، كما اجتهد ابن معين في الرِّجال" [9]
ب - نتاج منهجيَّة المفاضلة بين الرُّواة كما سبق؛ فقد يكون اختلاف حكمه على الرَّاوي بسبب مفاضلته بين الرُّواة؛ فيكون ما ضعَّفه بالمقارنة بمن ذكر معه في المفاضلة، وليس المعنى أنَّه ضعيف مطلقًا؛ قال ابن حجر رحمه الله عند تعرُّضه لترجمة أبي بَلْج الفزاريِّ الواسطيِّ: "ووثَّقه يحيى بن معين، ونقل ابن الجوزيِّ عن ابن معين أنَّه ضعَّفه. فإن ثبت ذلك فقد يكون سُئل عنه وعمَّن هو فوقه فضعَّفه بالنسبة إليه، وهذه قاعدة جليلة فيمن اختُلف النَّقل عن ابن معين فيه، نبَّه عليه أبو الوليد الباجي في كتابه رجال البخاريِّ" [10] وقال السَّخاويُّ رحمه الله: "وممَّا يُنبَّه عليه أنَّه ينبغي أن يتأمَّل أقوال المزكِّيين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون به أنَّه ممَّن يُحتجُّ بحديثه، ولا ممَّن يُردُّ، وإنَّما ذلك بالنسبة لمن قُرن معه على وفق ما وجِّه إلى القائل من السُّؤال، كأن يسأل عن الفاضل المتوسِّط في حديثه ويُقرَن بالضُّعفاء، فيقال: ما تقول في فلان، وفلان، وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنَّه ليس من نمط من قُرن به، فإذا سُئل عنه بمفرده بين حاله في التَّوسُّط؛ وأمثلة ذلك كثيرة لا نٌطيل بها، ومنها: قال عثمان الدَّارميُّ: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه كيف حديثهما؟ فقال: ليس به بأس، قلت: هو أحبُّ إليك أو سعيد المقبريُّ؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف. فهذا لم يرد به ابن معين أنَّ العلاء ضعيف مطلقًا، بدليل قوله: إنَّه لا بأس به، وإنَّما أراد أنَّه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبريِّ" [11]
جـ - أنه يُوثِّق الرَّاوي في بداية سماعه منه من خلال ما يسمع من الأحاديث فيستبين له منها ثقته وصلاحه، ثمَّ يسمع منه أحاديث أخرى في وقت لاحق فيُضعِّفه لما يظهر له من حالته؛ وليس هذا عيبًا؛ فإنَّ الحكم على الرُّواة يحصل من خلال الاستماع إلى روايته، وعرضها على القواعد والمرويَّات، ومن ثَمَّ يحكم النَّاقد على الرَّاوي من خلال ما سمع، وقد كان الرُّواة يتعمَّدون إظهار أقوى أحاديثهم في محضر يحيى بن معين رحمه الله؛ اتِّقاءَ نقدهم، ممَّا قد يعتمده ابن معين في توثيق الرَّاوي، والحقيقة أنَّه على خلاف ذلك؛ قال عبد الرَّحمن بن يحيى المعلَّمي رحمه الله: "وعادة ابن معين في الرُّواة الذين أدركهم أنَّه إذا أعجبته هيئة الشَّيخ يسمع منه جملة من أحاديثه، فإذا رأى أحاديث مستقيمة ظنَّ أنَّ ذلك شأنه فوثَّقه، وقد كانوا يتَّقونه ويخافونه، فقد يكون أحدهم ممَّن يخلط عمدًا ولكنَّه استقبل ابن معين بأحاديث مستقيمة، ولما بعُد عنه خلَّط، فإذا وجدنا ممَّن أدركه ابن معين من الرُّواة من وثَّقه ابن معين، وكذَّبه الأكثرون، أو طعنوا فيه طعنًا شديدًا؛ فالظَّاهر أنَّه من هذا الضَّرب، فإنَّما يزيده توثيق ابن معين وهَنًا، لدلالته على أنَّه كان يتعمَّد" [12]
د - تغير الاجتهاد في الحكم على الرَّاوي؛ وهذ وارد لكلِّ مجتهد في العلم أن يتغيَّر اجتهاده تبعًا للمستجدَّات التي طرأت على الرَّاوي، أو النَّاقد؛ قال اللَّكنويُّ رحمه الله: "كثيرًا ما تجد الاختلاف عن ابن معين وغيره من أئمَّة النَّقد في حقِّ راو وهو قد يكون لتغير الاجتهاد وقد يكون لاختلاف كيفيَّة السُّؤال" [13]
وفي النِّهاية: فإنَّ التَّعارض الظَّاهر في أقوال النَّاقد الكبير يحيى بن معين رحمه الله يمكن إزالته من خلال جمع النُّصوص، ومعرفة ملابساتها، وجمع نصوص الرُّواة والموازنة بينها، وقد يكون الاختلاف ناجم عن الاجتهاد؛ قال محمد السَّيِّد عثمان: "لا تعارض بين أقوال ابن معين المختلفة في الرَّاوي، وذلك إذا ما جمعت عن رواة أقواله كافَّة، وما ظاهرها التَّعارض فهي تمثِّل اجتهاداته في أولئك الرُّواة بعد ثبوت عدالتهم وتوثيقهم، أو العكس، أو يكون قد خصَّ طائفة من الرُّواة بحكمين، يمثِّل الأوَّل حالة خاصَّة به، والثَّاني وصفه العامُّ في جميع مرويَّاته الأخرى" [14]
فمن أراد أن يعرف حكم ابن معين رحمه الله على الرَّاوي فعليه أن يسبُر كلامه كلَّه، ليعرف المتقدِّم منه والمتأخِّر، ثمَّ يبني الحكم على المتأخِّر؛ لكونه جاء بعد دراية بأحوال الرَّاوي، وتُعتبر رواية الدُّوري هي المقدَّمة عند تعارض أقوال ابن معين رحمه الله؛ لكونه أكثر من لازمه في أواخر حياته، وقد يكون الحكم مطلقًا لم يعارَض؛ فيؤخذ به ويُنسب إليه، وقد يرِد التَّضعيف في سياق المقارنة، وقد يرِد مفردًا، لكلِّ حالة حكمها كما ذُكر. [15] قال الحافظ السَّخاويُّ رحمه الله: "وعلى هذا يُحمَل أكثر ما ورد من الاختلاف في كلام أئمَّة الجرح والتَّعديل؛ فينبغي لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتَّعديل؛ ليتبيَّن ما لعلَّه خفي على كثير من النَّاس، وقد يكون الاختلاف للتَّغيير في الاجتهاد" [16]
2 - أنَّه مع سِعة علمه، وجلالة قدره، واشتهاره بين النَّاس بالدِّراية والمعرفة لم يستنكف أن يقول عمَّن لا يعرفه لا أعرفه، فليس من العيب أن يُنادي المرء على نفسه بعدم المعرفة في مسألة ما، لكنَّ العيب أن يتجرَّأ على القول فيما لا يعلم بما لا يعلم، فما فسدت الحياة العلميَّة العامَّة والخاصَّة إلَّا بمثله؛ قال القصَّار: "على أنَّ ما عُرف به من الشُّهرة الطَّائرة، والذُّيوع المنتشر، ولمكانته الرَّفيعة لم يكن ليمنعه من المجاهرة بقوله عمَّن يسأله عنه ولا يعرفه أن يقول: لا أعرفه" أو يحيل إلى من يثق به من العلماء الذين يعرفون هذا الشَّخص المسئول عنه، أو أن يذكر ما يُقال عنه تاركًا العهدة على غيره" [17]
وقد خلصت من خلال الدِّراسة إلى النَّتائج التَّالية:
1 - عظيم مكانة الإمام يحيى بن معين رحمه الله في علم الحديث، وبيان منهجيَّة التَّعامل مع ما ورد من أقواله مختلفة في الرَّاوي الواحد، مع الاستدلال على ذلك.
2 - اهتمام المحدِّثين بنقد المرويَّات الحديثيَّة بما يدلُّ على وعي عميق، ودقَّة متفانية، وأمانة عالية؛ بغرض التَّوصُّل من خلال ذلك إلى الحكم على المرويَّات قبولًا وردًّا.
3 - زيف شبهات المشكِّكين في مناهج المحدِّثين النَّقديَّة من المستشرقين وأذيالهم، وبيان حججهم الواهية التي لا تعتمد على التَّدليل بل تسوقه الكراهية والحقد على الإسلام ومصادره.
4 - بيان منهج الإمام النَّاقد يحيى بن معين رحمه الله في نقد المرويَّات الحديثيَّة بما يتَّضح معه معالمه من خلال ذكر منهجه في الجرح والتَّعديل، والحكم على الحديث بالقبول والرَّدِّ.
وفي الختام يحسن بي أن أوصي بما يلي:
1 - تسليط الأضواء على جهود العلماء من المحدِّثين في خدمة الحديث الشَّريف من خلال الأبحاث العلميَّة المحكَّمة في شخصيَّات المحدِّثين، وتناول مناهجهم في كتبهم.
2 - الاعتناء بدراسة مناهج المحدِّثين في جزئيَّات علوم الحديث المختلفة؛ لأنَّ دراسة المناهج توسِّع آفاق الباحثين، وتمنحهم الثِّقة أثناء مطالعة الكتب المتخصِّصة في المجالات المتنوِّعة لمعرفتهم مناهج أصحابها.
3 - تخصيص مادَّة دراسيَّة لدراسة تراجم الأعلام من المحدِّثين وغيرهم من أئمَّة العلوم، في المقرَّرات الدِّراسيَّة للطُّلَّاب، والتَّدريبيَّة للسَّادة الأئمَّة والوعَّاظ والدُّعاة بما يُسهم في ربط الأجيال عن طريق المعرفة التَّاريخيَّة؛ لربط الباحث بتلك القامات، وإحياء ذكرهم من خلال مدارسة حياتهم، والاستفادة من ذلك.
(1) معرفة الرِّجال؛ تحقيق: محمد كامل القصَّار، ص: (30).
(2) منهج النَّقد في علوم الحديث، نور الدِّين عتر، ص: (456).
(3) معرفة الرِّجال، تحقيق: محمد كامل القصَّار ص: (24).
(4) معرفة الرِّجال، يحيى بن معين ص: (474).
(5) لسان الميزان، لابن حجر العسقلانيِّ (1/13).
(6) موسوعة تاريخ ابن معين، تحقيق: السيد محمد عثمان ص: (27).
(7) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للسَّخاويِّ (2/36).
(8) النُّكت على مقدِّمة ابن الصَّلاح، للزَّركشيِّ ص: (261).
(9) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للسَّخاويِّ (4/353).
(10) بذل الماعون في فضل الطَّاعون؛ لابن حجر، ص: (9).
(11) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث؛ للسخاوي (2/132).
(12) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة؛ للشَّوكانيِّ (1/30).
(13) الرَّفع والتَّكميل في الجرح والتَّعديل؛ للَّكنويِّ (1/262).
(14) موسوعة تاريخ ابن معين؛ تحقيق: محمد السيد عثمان ص: (43).
(15) مناهج الأئمَّة المتقدِّمين؛ محمد الأمين؛ مقال منشور شبكة الألوكة بتاريخ 22/6/2007م، وهذا رابطه:
(16) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث؛ للسَّخاويِّ (2/132).
(17) معرفة الرجال؛ تحقيق: محمد كامل القصَّار ص: (32).