الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

المنهجيَّة العلميَّة للدُّعاة

يمكن من خلال السُّطور القادمة أن أبيِّن منهجًا علميًّا متوسِّطًا يمكن أن يسير عليه الدُّعاة ليرتقي مستواهم العلميِّ، وذلك من خلال عدَّة ضوابط إجماليَّة؛ منها:

1 - أوَّل العلم حفظ القرآن الكريم؛ لا ينبغي لداعية يُعلِّم النَّاس أن يكون بعيدًا عن القرآن الكريم؛ حفظًا، وفهمًا، وتعليمًا، وتأليفًا؛ فإنَّ العلماء يعتمدون في فهم الدِّين عليه، ويرجعون في تبليغه إليه، والدَّاعية إلى الله تعالى إن لم يتسلَّح بالقرآن الكريم فهو كالجندي الذي دخل المعركة بدون سلاح وعدوُّه جبَّار عنيد، قويٌّ مريد، أفتراه ينتصر عليه؟!

إنَّ من المؤسف حقًّا أن أُسجِّل عبر صفحات هذا البحث حقيقة مرَّة أليمة تكمن في أنَّ كثيرًا من المتصدِّرين للعمل الدَّعويِّ لا يُجيدون القراءة الصَّحيحة الخالية من اللُّحون الجليَّة فضلًا عن الخفيَّة، فما بالك بقضيَّة الحفظ للنَّصِّ الشَّريف! نعم إنَّها حقيقة لا يُجادل فيها إلَّا متعصِّب بالباطل، أو جاهل بالواقع؛ والسَّبب في هذا في رأيي: اتِّخاذ كثير من الدُّعاة الدَّعوة مهنة ووظيفة، فتعاملوا معها من منطلق الدُّنيا، مع كون الدَّعوة من أجلِّ أعمال الآخرة التي يُتقرَّب بها إلى الله تعالى؛ فهي رسالة الأنبياء، ودعوة الرُّسل والأولياء.

المنهجيَّة المكِّيَّة والمدنيَّة

     ولي منهجية في تحفيظ القرآن الكريم لغير الحافظين، ومراجعته للحافظين، وقد ضمنتها كتابي: (المنهجيَّة المكِّيَّة في حفظ كتاب ربِّ البريَّة) وخفَّفتها في بحث صغير سمَّيته: (الفتوحات المدنيَّة بتخفيف المنهجيَّة المكِّيَّة) وهما مطبوعان، فإن شئت فراجعهما.

     ولك أن تعجب أيُّها الجبل الأشمُّ من همَّة الدُّعاة غير الرَّسميِّين! إنَّهم لا يتركون مجالًا من مجالات الدَّعوة إلَّا وسارعوا إليها، وتسابقوا فيها، متسلِّحين بطلب العلم، ومبالغين في اهتمامهم بالقرآن العظيم، هذا على الرَّغم من كونهم لا يتقاضون مالًا من وراء دعوتهم، وسعيهم في طلب العلم، بل يحتسبون ذلك عند من لا تضيع عنده الأعمال الصَّالحات، وهو الله تعالى.

     من هذا المنطلق أوجه رسالة للدُّعاة الرَّسميِّين الذين ائتمنهم الله تعالى على حماية دينه، وتبليغ رسالته، وتأدية أمانته، أقول لهم: اعلموا أنَّ ما عند الله تعالى خير وأبقى، وزينة الحياة مهما تجمَّلت فهي إلى زوال، فاتَّقوا الله في دعوتكم، واسعوا لتبليغ دينكم كما أمرتم، ولا تهملوا دعوتكم بحجَّة البحث عن الرِّزق والتَّكسُّب؛ واقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 1: 3] فالله تعالى قد تكفَّل بإكرام أهل القرآن، شريطة أن يستمرُّوا في القراءة والتَّعلُّم.

2 - احفظ من النُّصوص الحديثيَّة ما يمكن أن تستفيد منه في حياتك العلميَّة، والدَّعويَّة؛ وذلك لأنَّ الدَّاعية بدون النُّصوص كالرَّجل يسير في الطَّريق المظلم بدون مشعل يُضيء له طريقه، فقد يُريد الدَّاعية أن يُقرِّر شيئًا في دعوته فلا يتمكَّن من ذلك من خلال النُّصوص فتراه يحور ويدور حول المعنى بكلام من عنده، وكان يمكنه أن يختصر الكلام بذكر النَّصِّ الحديثيِّ مع الاكتفاء به؛ حرصًا على إفادة الجماهير، واختصار للموضوع.

     ومن أجلِّ الكتب الحديثيَّة التي تفيد الدَّاعية في مجال الدَّعوة كتاب: (رياض الصَّالحين من كلام سيِّد المرسلين) للإمام أبي زكريَّا يحيى ابن شرف النَّوويِّ الدَّمشقيِّ، فقد جمع في هذا الكتاب الأحاديث الصَّحيحة المروية عن رسول الله ﷺ في جميع شؤون العقيدة والحياة، ويعرضها مرتَّبة في أبواب وفصول؛ لتكون على موضوعات يسهل على القارئ الكريم العودة إليها والاستفادة منها، ويضمُّ هذا الكتاب (1903) حديث، كلُّها مرويَّة بسند مختصر يبدأ بالرَّاوي الأعلى غالبًا، وبالتَّابعيِّ نادرًا، وقد قسَّمة على: (3722) فصلًا، وينقل أقوال النَّبيِّ ﷺ وفعله، كما يرويه الصَّحابة رضي الله عنهم وفي حالات قليلة ينقل بعض أقوال الصَّحابة رضي الله عنهم، وأفعالهم متأسِّيين بالنَّبيِّ ﷺ أو مجتهدين بهديه، ويوزع الأحاديث في خمسة عشر كتابًا، يضمُّ الكتاب عدَّة أبواب يختلف عددها باختلاف موضوعها، والأبواب مرقَّمة بالعدد المتسلسل من أوَّل الكتاب إلى نهايته، ويبلغ مجموعها (373) بابًا.

     فإن يسر الله تعالى للدَّاعية حفظ هذا السَّفر المبارك فليُراجع شروحه وهي كثيرة من أجلِّها: (شرح رياض الصَّالحين) للدُّكتور محمد سعيد رمضان البوطيِّ رحمه الله، والشَّرح موجود كاملًا حوالي: (966) درسًا صوتيًّا مسموعًا، ولعلَّه يُطبع إن شاء الله، وكذا شرح الشَّيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله، ويقع هذا الشَّرح الماتع في 5 مجلَّدات حِسَان، ويقع مسموعًا على اليوتيوب.

3 - تفقَّه في دينك ليعمَّ النَّفع بك؛ فالدَّاعية الذي يتصدَّر لتعليم النَّاس محلَّ سؤالهم، فإليه يهرع النَّاس لطلب الفتوى في المسائل التي تعرض لهم في دينهم ودنياهم، لذا يجدر بالدَّاعية أن يكون على استعداد تامٍّ لتوجيه النَّاس وإفتائهم، ولا ينبغي أن يهمل في التَّفقُّه في الدِّين حتى يعرض النَّاس عليه مسائلهم، وحينها إمَّا أن يُفتي بدون علم؛ فيهلك ويُهلك، وإمَّا أن يمتنع عن الفتوى فيسقط من أعين جماهيره، من هنا وجب أن يُسارع الدَّاعية بإعداد نفسه علميًّا.

التَّمذهب الفقهيُّ

     ومن الجدير بالذِّكر أن تعلم أيُّها اللَّبيب أنَّ التَّمذهب في دراسة الفقه لغير المتخصَّص أحبُّ إلى العلماء من الدِّراسة المقارنة؛ وذلك لأنَّ التَّمذهب أيسر، وأكمل في استيعاب المسائل والأحكام، وأنَّ التَّمذهب يكون على حسب المشتهِر في بلدك؛ وغالب أهل مصر على المذهب الشَّافعيِّ؛ لذا فإنَّ دراسة المذهب الشَّافعيِّ من أهمِّ أولويات الدُّعاة في بلادنا، ويمكن أن ندرس الفقه الشَّافعيَّ من خلال قراءة متن: (الغاية والتَّقريب) للإمام أبي شجاع الأصفهانيِّ، مع مطالعة أحد شرحيه: (فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التَّقريب) شرح ابن قاسم الغزِّيِّ على متن أبي شجاع، أو: (الإقناع في حلِّ ألفاظ أبي شجاع) للخطيب الشِّربينيِّ، وإن شئت كتابًا مختصرًا فعليك بكتاب: (الفقه الشَّافعيُّ الميسَّر) للأستاذ الدُّكتور وهبة مصطفى الزُّحيليِّ، ويقع في مجلَّدين، وهو مقسَّمٌ على أبواب الفقه المعروفة، ويتميَّز عن كتب الفقه الأخرى ببيان حكمة التَّشريع، وبإبراز العناوين، والأمكنة، والأدلَّة، واعتمد فيه على الآراء المحرَّرة، والمرجَّحة في المذهب، واهتمَّ بالحديث عن الإمام الشَّافعيِّ، وخصائص مذهبه، ومصطلحاته، واستقصى أبواب الفقه جميعًا.

وهذه نصيحة مهمَّة: اعلم يا صاحب القدر العلي أنَّ الألفيَّات العلميَّة لا يحفظها إلَّا المتخصِّص تخصُّصًا دقيقًا في موضوعها؛ والتَّخصُّص الدَّقيق هو: الذي أتقنه الباحث بصورة كاملة؛ حيث مرَّ على جميع الموضوعات المندرجة تحته، وكانت غالب كتاباته، وتأليفاته، وتحريراته، واستدراكاته فيه، بحيث يغلب عليه في كلِّ أحواله.

أمَّا التَّخصُّص العامُّ: فهو الذي يكون بمثابة الأب للتَّخصُّص الدَّقيق، فهو أصله ودائرته الكلِّيَّة؛ فعلم: (مصلح الحديث) تخصُّص ضمن إطار كبير يُسمَّى: (علوم الحديث) وكذلك: (علم القراءات) تخصُّص ضمن علم أصيل يُسمَّى: (علوم القرآن) وكذلك: (علم النَّحو) ضمن علوم اللُّغة العربيَّة، وهكذا كلُّ تخصُّص دقيق يتبع تخصُّصًا أكبر منه، وعلى طالب العلم ألَّا ينشغل بالكلِّ في بداية الطَّلب؛ بل عليه أن يبحث عن التَّخصُّص الدَّقيق، وأن يسعى لمدارسته على المتخصِّصين فيه، ولا يجدر به أن يتوسَّع في المحيط، أو أن يتبدَّل بين التَّخصُّصات؛ فإنَّ هذا ممَّا يُفني الأعمار من غير فائدة ذي فائدة تعود على المسلمين: (فالمتبدِّل متبدِّد).

     فإذا أردت أن تبرع في الطلب فاختر التخصص، ثم قم بانتقاء أتقن المتخصصين فيه؛ فإن لهذا التدقيق أكبر الأثر في تكوين ملكات العلم لديك فلا تهملها.

4 - الاطِّلاع على الشُّبهات المطروحة على السَّاحة مع التَّمكُّن من الرَّدِّ عليها من خلال مطالعة ردود أهل العلم، ففي كلِّ يوم يخرج علينا من يطعن في ثوابت الدِّين، ويهزُّ أركان العقيدة في قلوب المسلمين، وحقيق بالدُّعاة والوعَّاظ أن يتصدَّوا بالعلم والبيان لكلِّ ناعق أراد أن يقوِّض أركان دين الإسلام؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: 52] ثمَّ إنَّه لا ينبغي أن يكون الدَّاعية بعيدًا عن واقع أمَّته، بل يُتابع بحرص كلَّ الموضوعات التي تشغل الرَّأي والفكر في الشَّارع المسلم، ثمَّ يتناولها بالعرض والتَّمحيص، وبيان حكم الدِّين؛ فإنَّ النَّاس في كلِّ نازلة من النَّوازل ينتظرون رأي الدِّين من خلال علمائه والدُّعاة إليه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما هو مقرَّر، ولو خلينا بين النَّاس وبين هؤلاء المشكِّكين في الدِّين، الطَّاعنين في الثَّوابت لصار دين النَّاس في معرض الرِّياح، فهل تنفع الدَّعوة أناسًا يشكُّون في دينهم؟!

     ومن أجلِّ ما يُفيد الباحث في هذا: (موسوعة بيان الإسلام؛ الرد على الافتراءات والشُّبهات) لمجموعة من العلماء، وقد اعتمد المشرفون عليه منهجًا علميًّا رصينًا يعتمد على مناقشة الأفكار من خلال: (بيان فكرة الشُّبهة، ثمَّ القيام ببيان أفكار الرَّدِّ عليها، ثم البدء بالدليل العقليِّ في الرَّدِّ؛ لأنَّ المخالف لا يؤمن بقرآن ولا سنَّة، ثمَّ إلحاق الرَّدِّ النَّقليِّ بعد التَّأسيس العقليِّ له، ثمَّ الختام بخلاصة مهمَّة، مع الالتزام بالوسطيَّة الفكريَّة) وهي مقسَّمة إلى ثلاثة أقسام في 31 مجلَّدًا دُمجت في (24) مجلَّدًا فقط؛ (12) مجلَّدًا للشُّبهات المتعلِّقة بالقرآن الكريم، ثمَّ (13) مجلَّدًا للشُّبهات المتعلِّقة بالسُّنَّة النَّبويَّة، ثمَّ (6) مجلدات للشُّبهات المتعلِّقة بالرَّسول ﷺ.

5 - الاهتمام باللُّغة العربيَّة خاصَّة؛ فالدَّاعية ينبغي أن يهتمَّ بلغة القرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبويَّة، والعلم الشَّريف؛ حتى يتمكَّن من فهم النُّصوص من خلال علمه بقواعد اللُّغة وضوابطها، وقد سألني صديق من الدُّعاة: متى يمكن للدَّاعية أن يؤثر العامِّيَّة على الفُصحى في خطاباته؟ فقلت: الأصل في الدَّعوة أن تكون بلسان عربيٍّ مبين، لكن لمَّا استُعجمت الألسن، وتغرَّب العرب حتى أتقنوا غير لغتهم جاز للدَّاعية أن يترك صعب الكلام وبليغ الخطاب ليتكلَّم بلغة عربيَّة مستقيمة؛ سليمة الإعراب والتَّراكيب، بعيدة عن الإغراب واستعمال ما يحتاج في فهمه إلى بحث واستقصاء، لكن لم تتوقَّف التَّنازلات عند هذا الحدِّ بل سمعنا من يتشدَّق ويثرثر بعدم فهم النَّاس للُّغة العربيَّة مطلقًا، وينادي بضرورة إحلال العامِّيَّة المتدنيَّة مكان العربيَّة الفصيحة.

قلتُ: والحقُّ الذي يُدان به لله تعالى: أنَّه لا يجوز ترك الفصيحة في الخطاب الدَّعويِّ إلَّا في الضَّرورة الملجئة؛ فالفصحى هي الأصل، ولا يترك الأصل للفرع إلَّا لعلَّة وضرورة، والضَّرورة تقدَّر بقدرها كما عند الأصوليِّين.

ولا أظنُّ جواز ترك الفصيح من اللُّغة إلى العامِّيَّة إلَّا إذا اقتضت الضَّرورة الخروج عن سياق الفصاحة لعلَّة ظاهرة، وأراها تتحقَّق في حالتين:

الأولى: إن غلب على ظنِّ الدَّاعية عدم فهم الجمهور للخطاب الفصيح؛ فالغاية من الخطاب وصول الرَّسائل إلى أذهان الجماهير والتَّأثُّر بها، واستمالتهم لما يقرِّره الخطيب، ولا تتحقَّق الغاية بالفصيحة، فعندها يسعى الخطيب لتحقيقها بالعامِّيَّة .

الثَّانية: إذا كان الدَّاعية لا يُجيد اللُّغة العربيَّة الفصيحة، وهذا ممَّا ابتليت به الدَّعوة في الأزمان المتأخِّرة، وإلَّا فلقد كان الدُّعاة قديمًا حتى أواخر القرن الماضي لا تَرى في خطابهم عوجًا ولا أمتًا، أمَّا في زماننا فقد أُسند الأمر لغير أهله، فدخل في الدَّعوة من لا يحسن الحديث، فتركه للفصحى خير من الكلام بالفصحى بطريقة خاطئة.

ثمَّ اعلم يا صاحبي أنَّ اللُّغة بنت السَّماع؛ فإذا أحببت أن يستقيم لسانك، ويرقَّ كلامك، فعليك بالسَّماع إلى الجهابذة من أهل العربيَّة، والقراءة للأُدباء كثيرًا، حينها سوف تشعر بالتَّغيير في أسلوبك الدَّعوي، ومع السَّماع، والقراءة في كتب الأدب احرص على قراءة متن يسير في المسائل النَّظريَّة المتعلِّقة باللُّغة العربيَّة؛ ومن أجل ما يحرص الدَّاعية على قراءته في اللُّغة العربيَّة من النَّاحية النَّظريَّة التَّأصيليَّة؛ متن: (الأجروميَّة) للإمام أبي عبد الله محمَّد بن محمَّد بن داود بن آجروم الصِّنهاجيِّ، مع شرح العلَّامة حسن الكفراويِّ على المتن، وبهامشه حاشية العلَّامة إسماعيل الحامديِّ، نشر: (دار البصائر للطِّباعة والنَّشر والتَّوزيع) وإن شئت أن تسمع شرحها فعليك بنفيس شرح العلَّامة الأستاذ الدُّكتور محمَّد عبد المعطي، وهو موجود على اليوتيوب على الشَّنكبوتيَّة في أحد عشر درسًا مرئيًّا، وقد شرحه أيضًا الأستاذ الدُّكتور محمَّد حسن عثمان، وهو موجود على الشَّنكبوتيَّة.

6 - العمل بالعلم؛ فالعلم لا يصل نفعه لصاحبه حتى يعمل به؛ فكن عاملًا بعلمه ما استطاع إلى ذلك: فالعالم الذي يعمل بعلمه كمثل الدَّاعي إلى الجنَّة بعلمه وعمله، ومثل الذي يعلم ولا يعمل كمثل الدَّاعي إلى الجنَّة بعلمه وإلى النَّار بعمله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقرنهما؛ ليدلِّل على أنَّ العلم من غير عمل نفاق وعصيان؛ وقال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلَّا ارتحل" ومن كلام المسيح عيسى ابن مريم عليه السَّلام: "من علم وعمل فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوت السَّماوات" وقال ابن عبد البرِّ رحمه الله: "وخير العلوم ما ضُبِطَ أصلُه، واستُذكِر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودلَّ على ما يرضاه".

العمل بالعلم

     ولتعلم أيُّها القارئ أنَّ من علم ولم يعمل كان على شعبة من شعب النِّفاق حتى يتوب ويعمل؛ فالمنافق يعلم أن الإسلام هو الدِّين الذي ارتضاه الله للنَّاس ومع ذلك فعلمه يخالف عمله؛ لأنَّه يكتم الكفر في قلبه، وأمَّا من عمل ولم يعلم كان مبتدعا في الدين؛ لأنه يُدخِل فيه ما ليس منه؛ لأنَّه يعبد بعاطفة قلبية، لا بأدلَّة علميَّة، وصاحب هذا الطَّريق يَضِلُّ وهو يظنُّ أنَّه في طريق الهداية يسير، ويبتدع وهو يظنُّ أنَّه ممَّن اقتفوا أثر السُّنَّة ولازموها؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا[الكهف:104: 105] قال الحسن رحمه الله: "رأيت أقوامًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: "من عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه، والعامل بغير علم كالسَّائر على غير طريق، فاطلبوا العلم طلبًا لا يضرُّ بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضرُّ بالعلم، وكان الرَّجل يطلب العلم فيهم حتى لا يلبث أن يُرى ذلك في تخشُّعه، وزهده، ولسانه، وبصره. وقال الخطيب رحمه الله: "لا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشًا من العلم، ولا تأنس ما كنت مقصِّرًا من العمل، ولكن اجمع بينهما وإن قلَّ نصيبك منهما" فلا بارك الله في علم لا يهدي إلى العمل، وإنَّما يكون العلم نافعًا إذا أُريد به وجه الله تعالى، فإن دخل في العلم الرِّياء والتَّسميع لم ينتفع به صاحبه، ومات العلم في قلبه، نسأل الله أن يصلح نفوسنا، وقلوبنا.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله