الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الحكم الثَّاني: (الإدغام بنوعيه)

لغة: الإدخال؛ ومنه قول العرب: "أدغمت اللِّجام في فم الفرس" أي أدخلته فيه، فهو إدخال شيء في شيء.

واصطلاحًا: إدخال حرف ساكن قد استوجب الإدغام في حرف متحرِّك لوجود علَّة من علل الإدغام، بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشدَّدًا. وعرَّفه ابن الجزريِّ رحمه الله بقوله: "هو النُّطق بالحرفين حرفًا كالثَّاني مشدَّدًا" ([1]

حروف الإدغام

حروفه ستَّة أحرف مجموعة في قولهم: (يرملون) بفتح الميم أو ضمِّها، وهي بمعنى يُسرعون، والكلمة لضبط الحروف لا لتعيين المعنى، وكلُّ ما كان من الجمل العلميَّة بهدف حصر الكلمات لم يُشترَط فيه ضبطٌ معلوم، ولو ضُبط على وجه يستقيم به المعنى فحسن، لكنَّه غير لازم، فكلمة: (لتنود) جمعت الحروف السَّاكنة التي يتخلَّص منها بالكسر إذا التقت بحرف ساكن آخر، وقد لا يظهر معناها، وكذلك حروف: (واي) جمعت حروف المدِّ ولا معنى لها، وأمَّا الجملة الجامعة لحروف الإخفاء الحقيقيِّ ذات معنى، وكذلك الجملة الجامعة لحروف الإظهار القمريِّ والإدغام الشَّمسيِّ، وهكذا، والخلاصة أنَّ العلماء يرتِّبون الحروف في الكلمات لتنتظم في سلك جملة مفيدة، فإن تعثَّر ذلك لتنافر الحروف وعدم التَّوصُّل إلى كلمات ذات معانٍ نظموها في صورة كلمات لجمعها فقط في سياق واحد أو جعلوها حروفا مفردة تنطق بأسمائها؛ بهدف تيسير تذكُّرها.

أقسام الإدغام

وهو على قسمين:

الأوَّل: الإدغام بغنَّة: وهو قلب النُّون السَّاكنة أو التَّنوين إلى حرف مماثل لما بعدهما، ثمَّ إدخال الحرف المقلوب فيما بعدهما؛ وذلك إذا وقع بعدهما حرف من حروف: (ينمو) أو: (يومن) أو: (مينو) ووصف بالغنَّة لثبوت الغنَّة فيه تمييزًا له عن أيِّ إدغام آخر؛ كالإدغام بغير غنَّة، والإدغام الشَّفويِّ في الميم السَّاكنة، والإدغام الشَّمسيِّ في اللَّام التَّعريفيَّة السَّاكنة، والإدغام الفعليِّ في اللَّام السَّاكنة في الفعل الأمر إذا وقع بعده لام أو راء، والإدغام لحرفيِّ في اللَّام السَّاكنة في حرف هل وبل إذا وقع بعدهما لام أو راء، والإدغام لعلَّة التَّماثل الصَّغير في كلِّ حرفين متمثلان سكن الأوَّل وتحرَّك الثَّاني، والإدغام الكبير وليس عند حفص منه شيء، والإدغام اللِّينيُّ في واو اللِّين إذا وقع بعها واو متحرِّكة تمييزًا له عن التقاء واوين أوَّلهما مدِّيَّة.

فائدة مهمَّة

لم تُشدَّد الياء والواو في رسم المصحف الشَّريف عند إدغامهما في النُّون السَّاكنة والتَّنوين؛ تفريقًا بين حالة تشديدهما مع الغنَّة في الإدغام، وحالة تشديدهما مع غير الإدغام؛ لئلَّا يلتبس الرَّسم على العامَّة، وهذا ليس مطَّردًا في كلِّ المصاحف، فالمصاحف الباكستانيَّة والإندونيسيَّة رُسمت بإثبات التَّشديد على الواو والياء.

واعلم - وفَّقني الله وإيَّاك - أنَّ التَّشديد غير كامل في الواو والياء بخلاف النُّون والميم؛ فإنَّ الإدغام مع الأخيرين كامل التَّشديد والغنَّة معًا؛ لوقوع الإدغام بسبب التَّماثل مع النُّون والتَّقارب مع الميم، فالتَّشديد كامل في إدغامهما لأنَّ الغنَّة فيهما فالتقت غنَّة النُّون مع غنتهما فنتج التَّشديد لبيان قوَّة مرتبة الغنَّة حيث تكون أعلى من غيرها، وأمَّا الواو والياء فلا يكتمل التَّشديد فيهما لأنَّه لا غنَّة فيهما، وإنَّما الغنَّة للنُّون أو التَّنوين دونهما، فنزع التَّشديد من الحرف للإشارة إلى ضعف مرتبة الغنَّة معهما.

اختلاف في حروف الإدغام

وقد ذهب بعض العلماء إلى اعتبار الواو والياء من حروف الإخفاء لا الإدغام؛ قال السَّخاويُّ رحمه الله: "واعلم أنَّ حقيقة ذلك في الواو والياء ‌إخفاء ‌لا ‌إدغام، وإنَّما يقولون له: إدغام مجازًا وهو في الحقيقة إخفاء على مذهب من يبقِي الغنَّة لأنَّ ظهور الغنَّة يُمنع بمحض الإدغام إلَّا أنَّه لابدَّ من تشديد يسيرٍ فيهما وهو قول الأكابر، وقالوا: الإخفاء ما بقيت معه الغنَّة، وقالوا: النُّون تحوَّل مع الواو والياء غنَّة مخفاة غير مدغمة لأنَّها لو أُدغمت لم تثبت الغنَّة" [2] وعليه جعل بعض العلماء الإدغام حقيقيًّا في النُّون والميم، ومجازيًّا مع الواو والياء، وعبَّروا عنه بالإخفاء، ومنهم من جعله شبيهًا بالإخفاء، والأصحُّ أنَّه إدغام ناقص كما حقَّق ذلك الإمام أبو الخير ابن الجزريِّ رحمه الله في قوله: "‌والصَّحيح ‌من ‌أقوال الأئمَّة أنَّه إدغام ناقص من أجل صوت الغنَّة الموجودة معه" [3]

الخطوات الإجرائية في الإدغام

لأداء حكم الإدغام أداءً علميًّا صحيحًا ينبغي مراعاة الخطوات العمليَّة التَّالية:

أوَّلًا: قلب النُّون السَّاكنة أو التَّنوين إلى حرف مثل الواقع بعدهما.

ثانيًا: إدخال الحرف المقلوب في الحرف الأصليِّ مع إثبات ما يترتَّب على ذلك من تغييرات شكليَّة.

ثالثًا: ثبوت الغنَّة بمقدار حركتين في الإدغام بغنَّة.

وإلى هذه الخطوات أشار ابن الجزريِّ رحمه الله في قوله: "وأمَّا الإدغام فهو عبارة عن خلط الحرفين وتصييرها حرفًا واحدًا مشدَّدًا وكيفيَّة ذلك أن يصير الحرف الذي يُراد إدغامه حرفًا على صورة الحرف الذي يُدغم فيه، فإذا تصير مثله حصل حينئذ مثلان، وإذا حصل مثلان وجب الإدغام حكمًا إجماعيًّا" [4]

الثَّاني: الإدغام بغير غنَّة: وهو قلب النُّون السَّاكنة أو التَّنوين إلى حرف مماثل لما بعدهما، ثمَّ إدخال الحرف المقلوب فيما بعده؛ وذلك إذا وقع بعدهما حرف: (اللَّام، والرَّاء).

شرط الإدغام: شرط الإدغام بنوعيه أن يكون من كلمتين، فلا يجوز الإدغام من كلمة واحدة، ويكون إظهارًا مطلقًا؛ لما فيه من لَبس واقع في صورة الكلمة الصَّرفيَّة حيث تشتبه بالمضعَّف، فكان شرط الإدغام انفصال المدغم عن المدغم فيه كلٌّ في كلمة، وقد وقع اجتماع الواو والياء مع النُّون السَّاكنة في كلمة واحدة في أربع كلمات في القرآن الكريم، وهي كلمة: {ٱلدُّنۡيَا} حيث وردت في القرآن العظيم تعريفًا وتنكيرًا، وكلمة: {بُنۡيَٰنٞ} حيث وردت فيه مفردة ومضافة، وكلمة: {قِنۡوَان} في موضع سورة الأنعام، وكلمة: {صِنۡوَانٞ} موضعي سورة الرَّعد، وهذه فقط= مواضع الإظهار المطلق في القرآن الكريم.

ومن الأخطاء الشَّائعة في أداء هذا الحكم:

1 - زيادة أو نقص زمن الغنَّة عن المقدار.

2 - مطُّ حركة الحرف الواقع قبل النُّون السَّاكنة ممَّا يتسبَّب في توليد حرف مدٍّ من جنسها.

3 - إخراج الغنَّة من المخرج الفمويِّ.

4 - الوقوف اليسير على حرف الإدغام بدون غنَّة؛ والصَّواب ألَّا يُفصل بين الحروف في النُّطق.

5 - إظهار النُّون السَّاكنة عند ملاقاة حروف الإدغام بسبب الجهل بالحكم أو العجلة والسُّرعة الزَّائدة.

6 - تكرير الرَّاء مع المبالغة الظَّاهرة في ذلك في الإدغام بغير غنَّة.

أمثلة وتوصيفها:

1 - الإدغام بغنَّة مع النُّون السَّاكنة ولا يكون إلَّا من كلمتين: {مِن ‌وَلِيّٖ} إدغام ناقص بغنَّة: حيث وقعت النُّون السَّاكنة، وبعدها حرف الواو، وهو من حروف الإدغام بغنَّة؛ فيجب الإدغام مع ثبوت الغنَّة؛ هكذا.

2 - مع تنوين الضَّمِّ: {قَوۡمٞ ‌يَفۡرَقُونَ} إدغام ناقص بغنَّة: حيث وقع تنوين الضَّمِّ، وبعده حرف الياء، وهو من حروف الإدغام بغنَّة؛ فيجب الإدغام مع ثبوت الغنَّة؛ هكذا.

3 - والإدغام بغير غنَّة مع النُّون السَّاكنة: {مِّن ‌رَّبِّكُمۡ} إدغام تامٌّ بغير غنَّة: حيث وقعت النُّون السَّاكنة، ووقع بعدها حرف الرَّاء، وهو أحد حرفي الإدغام بغير غنَّة؛ فيجب الإدغام التَّامُّ بلا غنَّة، هكذا.

4 - مع تنوين الضَّمِّ: {غَفُورٞ ‌رَّحِيمٌ} إدغام تامٌّ بغير غنَّة: حيث وقع تنوين الضَّمِّ، وبعده حرف الرَّاء، وهو أحد حرفي الإدغام بغير غنَّة؛ فيجب الإدغام التَّامُّ بلا غنَّة، هكذا.

5 - مع تنوين الفتح: {مَالٗا ‌لُّبَدًا} إدغام تامٌّ بغير غنَّة: حيث وقع تنوين الفتح، وبعده حرف اللَّام، وهو أحد حرفي الإدغام بغير غنَّة؛ فيجب الإدغام التَّامُّ بلا غنَّة، هكذا.

6 - مع تنوين الكسر: {لَأٓيَٰتٖ ‌لِّكُلِّ} إدغام تامٌّ بغير غنَّة: حيث وقع تنوين الكسر، وبعده حرف اللَّام، وهو أحد حرفي الإدغام بغير غنَّة؛ فيجب الإدغام التَّامُّ بلا غنَّة، هكذا.


(1) شرح طيِّبة النَّشر في القراءات العشر، لأبي الخير ابن الجزريِّ، تع: أنس المهرة، دار الكتب العلميَّة، بيروت، لبنان، ط: (2/1420ه=2000م)، ص: (54).

(2) فتح الوصيد في شرح القصيد، لعلم الدِّين السَّخاويِّ، تح: أحمد عدنان الزُّعبيِّ، دار البيان، الكويت، ط: (1/1423ه=2002م)، (1/453).

(3) النَّشر في القراءات العشر، لابن الجزريِّ، (2/28).

(4) التَّمهيد في علم التَّجويد، لابن الجزريِّ، تحق: د. عليِّ حسين البوَّاب، مكتبة المعارف بالرِّياض، ط: (1/1405=1985م)، ص: (55).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله