الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

مبادئ علم التَّجويد العشرة

إنَّ لكلِّ علم من العلوم جملة من المبادئ التَّعريفيَّة التي يجمل بالدَّارس أن يبدأ تحصيله للعلم بمعرفتها؛ لأنَّها بمثابة مقدِّمة مجملة بين يدي موضوع العلم؛ ومن خلال النَّظر فيها يتمكَّن الدَّارس من معرفة مهمَّات هذا العلم الذي يدرسه؛ لذا كان هذا التَّمهيد الذي يعنى ببيان جملة من المبادئ التَّعريفيَّة لعلم التَّجويد؛ فلا أراه يحسن بالدَّارس أو المدرس أن يهمل العلم بمثل هذه المسائل اليسيرة المفيدة.

ومبادئ علم التَّجويد التي ذكرها العلماء هي كما ذكرها الصَّبان:

إِنَّ مَبَــــــادِي كُلِّ فَـــــنٍّ عَشـــرَه .. الحَـــدُّ وَالمَوضُـــــوعُ ثُمَّ الثَّمَرَه 

وَفَضلُــــهُ وَنِسبَــــةٌ وَالوَاضِـــــع .. وَالِاسمُ الِاستِمدَادُ حُكمُ الشَّارِع 

مَسَائِلُ وَالبَعضُ بِالبَعضِ اكتَفَى .. وَمَن دَرَى الجَمِيعَ حَازَ الشَّــرفـــا

وتعالوا بنا نفصل القول في هذه المبادئ:

تعريف علم التَّجويد

المبدأ الأوَّل: حدُّه: والمراد به التَّعريف؛ وهو ما يحدُّ المراد من اللَّفظ من جميع جوانبه؛ ولابدَّ أن يكون جامعًا لكلِّ أفراد المعرف، مانعًا من دخول غيرهم معهم.

والتَّجويد لغة: مأخوذ من جوَّد يجوِّد تجويدًا؛ أي حسَّن تحسينًا؛ فالتَّجويد يُراد به التَّحسين في لغة العرب؛ ويُطلق على المعنى فيُقال: "كلام جيِّد" يعني معناه حسن، كما يُطلق على الحسِّ فيُقال: "بناء جيِّد" يعني حسن في هيئته وهيكله، والمعنيان متحقِّقان في التَّجويد؛ فمعناه حسن في المعنى لأنَّه يعتني بتحسين التِّلاوة، وحسن في الحسِّ لأنَّه يعتني بإقامة الحروف والكلمات.

والتَّجويد في الاصلاح: مختلف بين علماء التَّجويد في تعريفه؛ ويمكن أن أختصر للقارئ الكريم بعض التَّعريفات التي أثبتها العلماء؛ فقيل هو: علم يبحث في كيفية قراءة القرآن قراءة صحيحة موافقة لما تُلقِّي مِن فِي النَّبيِّ  وأصحابه رضي الله عنهم.

وقيل هو: علم إتقان تلاوة القرآن الكريم الحاصل عن معرفة ودليل.

وقيل هو: علم إجادة الأداء القرآنيِّ من حيث المخارج والصِّفات والأحكام التَّركيبيَّة.

ومن أشهر التَّعريفات: "أنَّه إخراج كلِّ حرف من مخرجه مع إعطائه حقَّه ومستحقَّه"

وحقُّه يتمثَّل في: المخارج، والصِّفات، والمدود الطَّبيعيّة، والأحكام الأصليّة؛ ومستحقُّه يتمثَّل في: الأحكام الفرعيَّة النَّاشئة عن الأحكام الذَّاتيَّة الأصليَّة؛ مثل أحكام التَّنوين والنُّون والميم السَّاكنتين، والمدود الفرعيَّة، وغيرها.

اعلم أنَّ التَّجويد علم لا يُتقنه دارسوه إلَّا إذا حقَّقوا أمرين:

الأوَّل: التَّلقِّي من أفواه عارفيه وضابطيه؛ فهو العمدة في هذا الباب؛ قال الإمام ابن الجزريِّ رحمه الله: "ولا أعرف سببًا لبلوغ نهاية الإتقان والتَّجويد، ووصول غاية التَّصحيح والتَّسديد مثل رياضة الألسن، والتَّكرار على اللَّفظ المتلقَّى من فم المحسن، وأنت ترى تجويد حروف الكتابة كيف يبلغ الكاتب بالرِّياضة وتوقيف الأستاذ، ولله درُّ الحافظ أبي عمرو الدَّانيِّ رحمه الله حيث يقول: "ليس بين التَّجويد وتركه إلَّا رياضة لمن تدبَّره بفكَّه" فلقد صدق وبصر، وأوجز في القول وما قصَّر،  فليس التَّجويد بتمضيغ اللِّسان، ولا بتقعير الفم، ولا بتعويج الفكِّ، ولا بترعيد الصَّوت، ولا بتمطيط الشَّدِّ، ولا بتقطيع المدِّ، ولا بتطنين الغنَّات، ولا بحصرمة الرَّاءات، قراءة تَنفُر عنها الطِّباع، وتمجُّها القلوب والأسماع، بل القراءة السَّهلة العذبة الحلوة اللَّطيفة، التي لا مضغ فيها ولا لوك، ولا تعسُّف ولا تكلُّف، ولا تصنُّع ولا تنطُّع، لا تخرج عن طِباع العرب وكلام الفصحاء بوجه من وجوه القراءات والأداء" [1]

وإنَّما كان هذا العلم الجليل من العلوم التي تفتقر إلى التَّلقِّي لأنَّه طريقة توقيفيَّة في الأداء لا مجال فيها للاجتهاد؛ بل لابدَّ من تأدية الألفاظ على النَّحو المتلقَّى من فِي رسول الله  والذي تناقل إلينا بالتَّواتر المفضي إلى اليقين القاضي بأنَّ القرآن الكريم قد تواتر لفظًا وأداءً؛ لذا كان لابدَّ من قراءته بهذه الطَّريقة التي نزَّل بها؛ والتي لا سبيل لإتقانها إلَّا من خلال ملازمة عالم، قد تلقَّى من عالم إلى أن يتَّصل السَّند بأمين وحي الأرض خير من قرأ القرآن على الصِّفة التي أقرأه بها أمين وحي السَّماء؛ من هنا برزت أهمِّيَّة التَّلقِّي من أفواه السَّادة المقرئين؛ فالقراءة سنَّة متَّبعة يأخذها الآخر عن الأوَّل؛ وقديمًا قالوا: "لا تأخذ العلم عن صحفيٍّ، ولا القرآن عن مصحفيٍّ" لأنَّه لم يتحقَّق لهما الضَّبط الكافي.

الثَّاني: التَّكرار والإعادة للأحكام التَّجويديَّة التَّطبيقيَّة حتى يتعوَّد المرء على القراءة السَّليمة بسجيَّته وطبيعته؛ ولن يتحقَّق هذا إلَّا بإدمان التَّكرار؛ فما تكرَّر تقرَّر؛ والعضلات التي في أعضاء النُّطق لا تتحرَّك بمرونة إلَّا بالتَّعوُّد؛ ولله درُّ ابن الجزريِّ رحمه الله:

وَلَيسَ بَينَهُ وَبَينَ تَــركِهِ إلَّا رِيَاضَــةُ امرِئٍ بِفَكِّهِ

ولـمَّا تشعَّبت طرق أداء الملفوظ تبعًا لتعدُّد اللُّغات واللَّهجات والألسن والبيئات التي تتحكَّم في النُّطق أمرنا باتِّباع طريقة واحدة، ذات معالم محدَّدة، وواضحة في أداء اللَّفظ القرآنيِّ؛ حفاظًا على وحدة الأمَّة الإسلاميَّة حتى في طريقة التِّلاوة، ونظرًا لكونه قد نزل من السَّماء بواسطة أمين جبريل عليه السَّلام وحيها إلى الأرض على أمين سرِّها كذلك؛ فالتَّجويد: طريقة في الأداء تعتمد محاكاة النَّبيِّ ﷺ عن طريق ما ورد من أسانيد ومرويَّات عن طريق التَّلقِّي والمشافهة، ثمَّ ما قُيِّد من قواعد وأحكام عن طريق العلماء القرَّاء الضَّابطين رحمهم الله.

أركان علم التَّجويد

وأركان علم التَّجويد: لعلم التَّجويد ثلاثة أركان:

الأوَّل: إتقان الحروف المفردة: ويدخل فيه معرفة المخارج والصِّفات.

الثَّاني: إتقان الحروف المركَّبة: ويدخل فيه الأحكام النَّاشئة عن وصل الحروف ببعضها؛ وهي كلُّ الأحكام التي تفتقر إلى الوصل في تحقيقها؛ كأحكام النُّون السَّاكنة والتَّنوين، والميم السَّاكنة، والمدود الفرعيَّة وما تعلَّق بها.

الثَّالث: إتقان التَّراكيب والجمل: ويدخل فيه علم الوقف والابتداء؛ لأنَّه يهتمُّ بالبيان الصَّامت للمعاني الصَّحيحة للمقاطع القرآنيَّة؛ حيث يُظهر جمال المعاني وبلاغة المباني.

وكلُّ التَّعريفات في كلِّ الفنون تحتاج لتعريفها اصطلاحيًّا؛ يعني عند علماء الفنِّ والتَّخصُّص، وقد درج بعض المؤلِّفين في العلوم الدِّينيَّة على وصف التَّعريف الاصطلاحيِّ بالتَّعريف الشَّرعيِّ؛ فيقولون: "التَّجويد شرعًا" و: "الإدغام شرعًا" و: "المدُّ شرعًا" وهذا على اعتبار أنَّه علم من العلوم الدِّينيَّة؛ وفي هذا نظر؛ فالمحقِّقون من العلماء الأكابر رحمهم الله درجوا على وصف التَّعريفات الفقهيَّة وما تعلَّق بها بالتَّعريف الشَّرعيِّ، والتَّعريفات في لسان العرب بالتَّعريف اللُّغويِّ؛ يعني ما يدلُّ عليه اللَّفظ في عُرف اللُّغويِّين، وما سواه فإنَّهم يُعبِّرون عنه بالتَّعريف الاصطلاحيِّ؛ يعني ما يدلُّ عليه اللَّفظ في عرف أهل كلِّ تخصُّص؛ كالمحدِّثين، والمفسِّرين، والمتكلِّمين، وغير ذلك.


(1) النَّشر في القراءات العشر، لأبي الخير محمد ابن عليِّ بن الجزريِّ، تحق: عليِّ بن محمد الضَّبَّاع، (1/213).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله