الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

رسالة إلى حفَّاظ القرآن الكريم

أيُّها الحفَّاظ الصَّالحون أُبارك لكم هذا الإنجاز العظيم؛ فقد أتمَّ الله تعالى لكم نعمة جليلة بعد نعمة الإسلام؛ إذ ازددتُّم تميُّزًا وانفرادًا عن كثير من أبناء جيلكم؛ فاكتسبتم مكانة بين أهل القرآن بهذا، وأصبحتم معدودين منهم، محسوبين عليهم، مُتشرِّفين بهذه النِّسبة الجليلة، وإذا أردتُّم إدراك مكانتكم فتأمَّلوا هذه الدَّرجات العشر:

الأولى: الخلق:  فقد جعلك الله تعالى واحدًا من جملة خلقه؛ فأوجدك من العدم، وكم من معدوم لم يُخلق!، وكم من مخلوق وكأنَّه المعدوم؛ بسبب مرضه أو قعوده فهو يعدُّ الأيَّام التي تسلِّمه لأجله، وبالنَّظر إلى عدد الخلق من البشر من بني آدم ممَّن يسكن الأرض تذكر الإحصائيَّات بلوغهم 8 مليار، والعدد تقريبيٌّ فالخلق بين تزايُد بالمولد والإيجاد، وتناقص بالوفاة والاسترداد، ويُمكننا أن نعتمد هذه الإحصائيَّة ونصحبها معنا في هذا البيان، فتذكَّر.

الثَّانية: الإسلام: وهذا أجلُّ نِعم الله تعالى بعد الخلق، فالسَّير على طريق الله تعالى وِفق المنهج الذي ارتضاه لخلقه لم يهتدِ إليها كثير من الخلق، والمتتبِّع للإحصائيَّة العدديَّة للمسلمين من جملة الخلق يتأكَّد له معنى الاصطفاء، فعددهم المشهور في الإحصائيَّات المعلنَة قرابة المليار ونصفه، بما يُمثِّل: (25%) من جملة سكَّان الأرض، وبقيَّة الخلق على غير الإسلام بين دين سماويٍّ محرَّف - كاليهود، والنَّصارى - أو أرضيٍّ مجرَّف - كعبدة البشر، والحجارة، والكونيَّات -.

إنَّ الاطِّلاع على مثل هذه الإحصائيَّات المرعبة يدفع المرء إلى:

أ - معرفة عظيم فضل الله عليه باختياره واصطفائه ليدين له بالدِّين الذي ارتضاه لخلقه؛ قال الله تعالى: {إِنَّ ‌ٱلدِّينَ ‌عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} [آل عمران: 19] وقال الله سبحانه: {وَمَن ‌يَبۡتَغِ ‌غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} [آل عمران: 85] وقال الله عزَّ وجلَّ: {ٱلۡيَوۡمَ ‌أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ} [المائدة: 3]

ب - الشُّعور بأهمِّيَّة الدَّعوة إلى الله ؛ لإقامة الحجَّة، وإظهار المحجَّة، وهداية أهل الأرض بالبيان والتَّبليغ؛ فمن النَّاس من لم تبلغهم كلمة الإسلام؛ لذا كان على المؤسَّسات الدِّينيَّة التَّحرُّك المدروس في هذا الجانب بما لهم من صلاحيَّات واختصاصات ليست ممنوحة للأفراد، ثمَّ على الأفراد كذلك الانطلاق في طريق الدَّعوة الفرديَّة بقدر الجهد، والعلم، والإمكانيَّات، والقدُرات؛ فالدَّعوة إلى الإسلام مسئوليَّة الجميع؛ قال الله تعالى: {قُلۡ ‌هَٰذِهِۦ ‌سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [يوسف: 108]

الثَّالثة: العربيَّة لغة الدِّين: فمن عظيم نِعم الله تعالى أن وُلد كثير منَّا في بيئة عربيَّة تُعنى بلغة القرآن الكريم تعلُّمًا وتعليمًا وتحدُّثًا وتعامُلًا؛ فإنَّ لهذا من التَّيسير والتَّسهيل في التَّعامُل مع القرآن الكريم لا يتحقَّق بعضه لكثير من الأعاجم أو المولودين في بلاد العجم.

إنَّ المرء لا يختار بنفسه بيئة مولده، بل يخرج فيجد نفسه في مكان يُفرض عليه، ويتحكَّم في ذلك عِدَّة عوامل كأن يضطرُّ الوالد إلى الانتقال من مكان إلى مكان بهدف العمل والتَّكسُّب؛ فيأتي الأولاد في بيئة الاغتراب والسَّفر؛ فيتأثَّر الغلام بلغة هذا البلد - إن عربيَّة أو عجميَّة - فيُصبح الولد ابن بيئته.

من خلال النَّظر إلى واقع الأعاجم وما يُعانونه من نصب ومشقَّة كبيرة في تعلُّم العربيَّة لغة الإسلام - قرآنًا، وسنَّة، وعلمًا شرعيًّا - حتى تستقيم معارفهم، وفهومهم، وعبادتهم؛ حيث يبدءون في تعلُّم حروف الهجاء وتركيبات الجملة العربيَّة بدءًا من الحرف وضبطه بالشَّكل وإدراك المخرج، وفقه الصِّفات وتطبيقاتها، ومرورًا بالكلمة وإعرابها، وبنائها، ومعناها، وصولًا إلى الجملة بمعرفة أنوعها، وإعرابها، ووقفها وابتدائها، وهلمَّ جرًّا.

إنَّ بعض هذه المشقَّة لم تحصل للعرب المولودين في بيئة عربيَّة من أبوين عربيَّين وأصول عتقية ضاربة في جذور الشَّرف والعُروبة، وهذه نعمة جليلة تستحقُّ الإدراك، والفهم، والعمل، فجملة المسلمين عربهم وعجمهم كما سبق لا يتجاوز المليار ونصفه، وعدد المسلمين العرب من خلال الإحصائيَّات المنشورة: (380) مليون إنسان، ما يُقارب نسبة: (25%) من الإجمالي، وبقيَّة العدد أعجميٌ بنسبة:  (75%) تقريبًا.

إنَّ هذه الإحصائيَّة المرعبة تبيِّن أنَّ أكثر أهل الإسلام عجم لا يتحدَّثون العربيَّة ولا يفقهونها، وهذا يُقعد كثيرًا منهم عن تعلُّمها، وبالتَّالي يصبح انتفاعه بموارد العلم الإسلاميِّ ضعيفًا؛ ولتلاشى هذا أقترح بعض ما يُعالج ذلك:

1 - العناية بابتكار طرق يسيرة لتعليم العربيَّة للمسلمين الجدد.

2 - صناعة الكوادر العربيَّة من العلماء والباحثين لتعليم الأعاجم أمور دينهم؛ حتى لا يضيع من لم يجد قوَّة على تعلُّم العربيَّة.

3 - العناية بترجمة أصول كتب الإسلام إلى لغات العالم الحيَّة من خلال مشروع هو الأضخم في بابه؛ للوصول بالإسلام إلى الأعاجم جميعًا؛ فالمسلم منهم يتعلَّم يتَّقي، والكافر منهم يسمع ويرتقي.

وبهذا يبين لك أيُّها الحافظ عظيم لطف الله بك، وإكرامه سبحانه وبحمده لك؛ إذ خصَّك بهذا اللُّغة العظيمة، وسهَّلها عليك؛ فجلَّ ما ورد في الإسلام من نصوص تفهمها وتُدرك حقيقتها ومعناها ومغزاها، وما خفي - وذاك قليل - فيمكن فيه سؤال العلماء وفهم الجواب.

الرَّابعة: القراءة والكتابة: فلايزال المرء مقيَّدًا مُكبَّل اليدين في العلم والمعرفة ما لم يتحقَّق له إتقان أركان العربيَّة الثَّلاثة: (القراءة، والكتابة، والتَّحدُّث) فبدونه يتلقَّن المعرفة كالِطِّفل الصَّغير، وليس المتلقِّي ممَّن اغترف من بحار العربيَّة كالمغترف منها بنفسه؛ لذا كان من جليل لطف الله بنا إتقان القراءة والكتابة بالعربيَّة - لسان الإسلام -.

إنَّ تعلُّم القراءة والكتابة يأخذ وقتًا كبيرًا من المتعلِّم حتى يُتقنهما؛ ليتحقَّق للمرء الانتفاع بهما في المطالعة، والتَّزود من المعرفة، وكتابة الفوائد، وتحبير الفرائد للتَّثبيت والإتقان؛ فأمَّا العربيُّ فيدرس قواعد القراءة والكتابة والنَّحو والإعراب منذ صغره حتى يصل إلى الإجادة، أمَّا الأعجميُّ فيبذل مجهودًا لأنَّه يتعلَّم كبيرًا - غالبًا - مع ما يُصاحب ذلك من ضعف التَّحصيل، وكثرة الهموم، وعظمة المسئوليَّات؛ فيأخذ وقتًا، وفي النَّهاية لا يكون في درجة العربيِّ ابن العربيَّة نشأة وتطبيقًا.

فائدة: لا يُنكر أنَّ كثيرًا من الأعاجم قلبوا موازين المعادلة، وبرعوا في علوم الإسلام والعربيَّة حتى أصبحوا قادة الأمَّة، وسادة الأيمَّة، وهم كثر ولهم حضور في كلِّ العلوم؛ ومنهم: سيبويه إمام العربيَّة، وأبو عليٍّ الفارسيُّ، وابن فارس الرَّازيُّ، وابن جنِّي الموصليُّ الرُّوميُّ، ومحمد بن إسماعيل البخاريُّ، ومسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريُّ ([1]) وبالنَّظر والتَّأمُّل في الإحصائيَّات المعلنة نطالع تقرير المنظَّمة العربيَّة للتَّربيَّة والثَّقافة والعلوم (الألسكو) الإحصائيَّ لعام: (2021م) بأنَّ هناك (69.4) مليون إنسان ممَّن هم في الفئة العمريَّة (15) عامًا فما فوق يُعانون من الأميَّة، وأنَّ المنطقة العربيَّة تستحوذ على نسبة: (9%) من إجمالي من يُعانون الأمِّيَّة على مستوى العالم، وبناءً على هذا يخرج من جملة العربِ المسلمين والبالغ نسبتهم (25%) تقريبًا نسبة قد تصل إلى (9%) أي أنَّ المتبقِّي قد يكون: (16%) فقط من جملة المسلمين العرب، وهذه النِّسبة مفزعة وتحتاج إلى:

1 - ضرورة تكاتف المؤسَّسات الدِّينيَّة والعلميَّة والفكريَّة والثَّقافيَّة والإعلاميَّة في نشر ثقافة العربيَّة فكرًا، وعلمًا، ودراسة، وتطبيقًا؛ حتى تنخفض نسبة الأمِّيَّة في المجتمعات.

2 - قيام الأفراد المتعلِّمين بواجب المسئوليَّة في تعليم غيرهم؛ سعيًا للمجتمع المتعلِّم الذي يكثر نماؤه وعطاؤه وخيره، وطردًا للأمِّيَّة والجهل.

3 - سرعة تفاعل الأمِّيِّين للمبادرات العامَّة والخاصَّة من أجل التَّعلُّم والارتقاء بالنَّفس، فلا للاعتذار بحجَّة كبر السِّنِّ وضعف الذَّاكرة، فمازل العلم ممكنًا حتى يأتي يزور ملك الموت.

الخامسة: الانتساب لمشروع قرآنيٍّ: لايزال حفظ القرآن الكريم حلم كلِّ مسلم، وقد عجز الكثيرون عن تحقيقه لأسباب متباينة؛ كفقد البيئة التَّعليميَّة القرآنيَّة، أو البُعد عن مواطن العلماء ومواقع المقرئين القرَّاء، أو ضعف المناهج المتَّبعة في الحفظ، أو انعدام الهمَّة لانعدام الحافز والدَّافع، والأسباب الأخرى؛ لذا كان من أجلِّ نِعم الله تعالى على العبد إذا أراد به خيرًا أن يُيسِّر له بيئة علميَّة وإيمانيَّة تحتضنه بالعلم والتَّربيَّة؛ ليسلَم من الفتن المهلكة، ويرتقي بناؤه إلى السَّماء في العلم والإيمان؛ فالمرء ابن بيئته يُؤثِّر فيها ويتأثَّر بها.

إنَّ التَّعليم القرآنيَّ من أدقِّ وأعمق أنواع التَّعليم؛ لأنَّه متعلِّق بنصٍّ مقدَّس شريف، لا يّقبل فيه التَّغيير ولا التَّبديل، ولا النَّقص ولا الزِّيادة، لا يُعبَّر عنه بفهم مضمونه، بل لابدَّ من الالتزام بالنَّصِّ حروفًا، وكلمات وترتيبًا، وهذا يحتاج إلى عناية ودقَّة في وضع المناهج، ورعاية مستويات المشاركين، وضمان الاستمراريَّة على المتابعة، وإسناد الأمر للبارع فيه علميًّا وإداريًّا، وهذه الضَّوابط وغيرها لا يكون إلَّا في بيئة حاضنة لها مواصفاتها الخاصَّة.

ولـمَّا كان حفظ القرآن الكريم قربة من أعظم القربات التي يَتقرَّب بها المسلم إلى الله تعالى، كان لابدَّ من اختيار البيئة التي تمكِّنه من صناعة الحفظ بالطَّريقة السَّليمة التي يستقرُّ بها الحفظ وينجو به الحافظ من النِّسيان والتَّفلُّت، والموفَّق من هُدي إلى البيئة الصَّالحة.

وبالنَّظر إلى عدد المنتسبين للمشروعات التَّعليميَّة القرآنيَّة من جملة نسبة ال: (16%) التي تجيد القراءة والكتابة، فربَّما تبقَّت نسبة تصل إلى نصفها - إن بالغنا - تفاؤلًا واستبشارًا بكثرة المؤسَّسات وإقبال النَّاس، لكنَّ الواقع يُحدِّثنا أنَّهما لا يجتمعان إلَّا قليلًا؛ فإذا وُجدت المؤسَّسة القرآنيَّة غاب المقبلون على التَّعلُّم، وإذا وُجدوا غابت المؤسَّسات الصَّالحة للتَّعليم؛ من أجل هذا يمكن اعتماد نسبة: (8%) في هذا المحور.

السَّادسة: حفظ القرآن الكريم: وهو من نعيم الآخرة ساقه الله تعالى لبعض عباده، وكرَّمهم على جميع الأمم والخلائق؛ لأنَّهم أفضل الأمَّة التي جعلها الله تعالى خير أمٍّة أُخرجت للنَّاس، وهم قلَّة جدًّ في هذه الأمَّة، والسَّبب في قلَّتهم انصراف كثير من المنتسبين إلى المشروعات القرآنيَّة منها قبل إتمام الحفظ؛ لطول الطَّريق، أو ضعف وَقود الهمَّة عن دفعهم وتحفيزهم، أو التَّوقُّف لأسباب من توقُّف المشروع، أو الانتقال بين البلاد، أو حصول العارض والانشغال، وهكذا.

ليس كلُّ من بدأ حفظ القرآن الكريم وصل إلى مجلس ختامه، بل نرى قلَّة فقط تصل إلى خطِّ الختم، وقد يكون السَّبب الأكبر عدم مناسبة المحلِّ= القلب؛ ليكون وعاءً للقرآن الكريم؛ فلا يُعطى القرآنُ إلَّا من كان على رسم أهله الذي أرادهم الله تعالى من أجل ما سبق يمكن القول بانخفاض النِّسبة السَّابقة إلى النِّصف تقريبًا من الإحصائيَّة الإجماليَّة للمسلمين العرب لتكون: (4%) هذا بخلاف المسلمين الأعاجم، وهم لا يبلغون نصف هذه النِّسبة؛ لضعف عربيَّتهم.

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ هذه الإحصائيَّات تقريبيَّة وليست تطابقيَّة؛ لكثرة من يكتم حفظه، ولا تستطيع الجهات الرَّاصدة الوصول إلى جميع الحفظة، فتكتفي بالإحصائيَّات الحكوميَّة الرَّسميَّة، ويبقى غير الرَّسميِّين خارج الإحصائيَّات، لكن يُمكن الاستئناس بهذه الإحصائيَّات للوقوف على صورة تقريبيَّة لما وصلت إليه الأمَّة في هذا الجانب.

السَّابعة: الاصطفاء للتَّعليم القرآنيِّ: إنَّ اختيار الحافظ ليُكمل طريق القرآن الكريم من خلال العطاء والمساهمة في تعليمه للنَّاس مهمَّة اصطفائيَّة إلاهيَّة لا يستحقُّها كلُّ أحد، ولم يقع هذا لكثير من الحفظة، ما يُمكن معه القول بنقص الكوادر التَّعليميَّة القرآنيَّة في الميدان؛ فنتج تصدُّر غير الحفَّاظ والخبراء للمشهد التَّعليميِّ؛ فأفسدوا المشاهد كلَّها.

لا يخفى - على شريف علم القارئ - أنَّه لا يتصدَّر للتَّعليم إلَّا من تمَّ اختياره، وسعى لتطوير ذاته، وصقل موهبة، بمعرفة طرق التَّعليم والتَّوجيه والإصلاح، والتَّدريب على التَّعليم في حضرة من يُقوِّمه ويُقيِّمه ويُعلِّمه، وهؤلاء قلَّة نادرة، فكثير من الحفَّاظ يكتفي بالقرآن الكريم لنفسه عبادة وتعبُّدًا، ولا يحرص على نشره وتبليغه وتعليمه؛ فينتج عن ذلك ضعف شديد في إحصائيَّة المعلِّمين،  أو المًتعلِّمين، ويمكن اعتبارها بنسبة (1%) من إجمالي المسلمين العرب.

الثَّامنة: التَّرقِّي بطلب علومه: وغالب الحفَّاظ يقف دون ولوج هذا الباب، فمنهم من ينصرف فينسى، ومنهم من يثبت على المراجعة والحفاظ على القرآن الكريم دون تقدُّم، ومنهم من يرتقي للتَّعليم بالحلقات القرآنيَّة، وقليل منهم من يبلغ رتبة طلب العلوم والمعارف والتَّخصُّصات المتعلِّقة بالقرآن الكريم، فمن هذه القلَّة نفرٌ يطلب القراءات، وآخر يطلب التَّفسير، وآخر يطلب علوم القرآن، وآخر يطلب علوم الشَّريعة الأخرى المختلفة، وهذا الأخير يبتعد عن القرآن الكريم شيئًا فشيئًا على حسب العلم وتعلُّقه بالقرآن الكريم، وأقربهم منه من طلب القراءات أو التَّفسير؛ لأنَّ موضوعهما مرتبط بالنَّصِ القرآنيِّ الشَّريف لفظًا ومعنًى.

إنَّ المتأمِّل في عدد المقبلين على مرحلة ما بعد الحفظ والتَّعليم يراهم في قلَّة مرعبة تُشير - استمراريَّتها - إلى جهل مطبق وانحرف تسير نحوه البشريَّة؛ ليتحقَّق ما أُخبرنا به من علامات السَّاعة كنقص العلم، وفُشوُّ الجهل، وموت العلماء، وسيادة الجهلة، وحديث الرُّويبضة؛ لذا فإنَّ أهل هذه الشَّريحة في نقص وقلَّة، فلله درُّهم.

التَّاسعة: الإنجاز فيه: لابدَّ أن نُدرك أنَّ الرَّغبة لا ينبني عليها إنجاز إلَّا حين تتحوَّل إلى واقع ملموس، من خلال خطوات وإجراءات لتحقيق الرَّغبة، فليس كلُّ من طلب علمُا استمرَّ في طلبه حتى يُحصله؛ فأنفاس طلَّاب اليوم قصيرة جدًّا؛ فيكتفي المرء في العلم بكتاب أو بعض كتاب، ثم ينزع عن العلم، أو يتصدَّر قبل أوانه، وهاتان مشكلتان عظيمتان، والسَّالم منهما= ناج مواصل التَّقدُّم والارتقاء؛ لذا كان عدد البالغين هذه المرتبة أندر من الكِبريت الأحمر.

إنَّ المتأمَّل في أحوال طلَّاب العلم في مراحل الطَّلب يرى صاحب همَّة يُكمل حتى يصل لمرحلة حسنة تسمح له بالتَّصدُّر، وعلى النَّقيض منه يرى طالبًا كسولًا خمولًا يسير سير الكسير الأعرج، ثمَّ سرعان ما يُغادر هذا المجال إلى فضاء الفراغ، أو إلى علم آخر، وهكذا يتنقَّل بين العلم، وبتشتُّته بين المواصلة والتَّوقُّف والانتقال يضيع عليه وقت كبير، ولو أنَّه حفظ وقته ونفع الأمَّة بالتَّقدُّم والمواصلة لكان خيرًا له وأقوم.

العاشرة: التَّصدُّر لتعليمه: وهذه سقف الإبداع العلميِّ، والتَّشريف الإلهيِّ، ومعناها: استمراريَّة التَّعلُّم حتى يصل المرء إلى هضم مادَّته، واستيعاب مسائله، وفهم تفاصيله، والوقوف على دقائقه، والإبداع فيه بالتَّأليف والتَّصنيف، وشرح كتبه ومظانِّه، وحينها يصبح للمرء معروفًا به بين أقرانه، موثَّقًا بالمعرفة فيه من شيوخه، فيتصدَّر للتَّعليم والمناقشة والتَّقويم، والوصول إلى هذه المرحلة أمر ليس بالهيِّن؛ فيحتاج إلى نفس طموحة إلى التَّرقي في العلم، ونفس طويل في البحث  والقراءة، والسَّماع  والانتقال إلى العلماء باللَّقاء والرِّحلة؛ ومن أجل هذا نرى أصحاب هذه المرتبة في قلَّة لا تُوصف قلَّتها بأبلغ من قلَّة الحديث.

ملحوظة: الإحصائيَّات الواردة في هذا البيان تقريبيَّة وليست تطابقيَّة.

وتلك عشرة كاملة، ولولا خشية الإطالة لما وقفت عن تحديد مكامن الاصطفاء، لكنِّي أحسب الكفاية فيما سبق إليه البيان والتَّنويه، ففضل حافظ الذِّكر لا يُحصيه فقيه، ولا يزهد فيه نبيه، فأدرك قيمة ما أعطاك الله وأولاك، وابذل نفسك لخدمة مولاك، وانشر ولا ترتكن على سِواك.



(1) ومن جميل ما قال ابن خلدون قوله:  "فكان صاحب صناعة النَّحو سيبويه، والفارسيُّ من بعده، والزَّجَّاج من بعدهما، وكلُّهم عجم في أنسابهم‏، وإنَّما ربُّوا في اللِّسان العربيِّ فاكتسبوه بالمربَّى، ومُخالطة العرب، وصيَّروه قوانين وفنًّا لمن بعدهم‏، وكذا حملة الحديث الذين حفظوه على أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللُّغة والمربَّى لاتِّساع الفنِّ بالعراق‏، وكان علماء أصول الفقه كلُّهم عجمًا كما يُعرف، وكذا حملة علم الكلام، وكذا أكثر المفسِّرين‏، ولم يقم بحفظ العلم وتدوييه إلا الأعاجم‏... وأمَّا العرب الّذين أدركوا هذه الحضارة وسُوقها وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرِّئاسة في الدَّولة العبَّاسيَّة وما دُفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم والنَّظر فيه، فإنَّهم كانوا أهل الدَّولة وحاميتها وأولي سياستها مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم حينئذٍ بما صار من جملة الصَّنائع، والرُّؤساء أبدا يستنكفون عن الصّنائع والمهن وما يجرُّ إليها ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم والمولَّدين، وما زالوا يرون لهم حقُّ القيام به فإنَّه دينهم وعلومهم ولا يحتقرون حملتها كلَّ الاحتقار، حتّى إذا خرج الأمر من العرب جملة وصار للعجم صارت العلوم الشَّرعيَّة غريبة النِّسبة عند أهل الملك بما هم عليه من البعد عن نسبتها وأمُّتهن حملتها بما يرون أنَّهم بعداء عنهم مشتغلين بما لا يُغني ولا يُجدي عنهم في الملك والسِّياسة... فهذا الذي قرَّرناه هو السَّبب في أنَّ حملة الشَّريعة أو عامَّتهم من العجم، وأمَّا العلوم العقليَّة أيضًا فلم تظهر في الملَّة إلَّا بعد أن تميَّز حملة العلم ومؤلِّفوه، واستقرَّ العلم كلُّه صناعة فاختصَّت بالعجم، وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلَّا المعرَّبون من العجم شأن الصَّنائع كما قلناه أوّلا، فلم يزل ذلك في الأمصار الإسلاميَّة ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء النَّهر، فلمَّا خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة التي هي سرُّ الله في حصول العلم والصَّنائع ذهب العلم من العجم جملةً لما شملهم من البداوة، واختصَّ العلم بالأمصار الموفورة الحضارة، ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي أمُّ العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصَّنائع، وبقي بعض الحضارة في ما وراء النَّهر لما هناك من الحضارة بالدَّولة الّتي فيها، فلهم بذلك حصَّة من العلوم والصَّنائع لا تُنكر" يُنظر: تاريخ ابن خلدون (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) الفصل الثالث والأربعون: (في أنَّ حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم)، لأبي زيد عبدالرحمن بن محمد بن محمد ابن خلدون الحضرميِّ الإشبيليِّ (ت:٨٠٨ه) دار الفكر، بيروت - لبنان، ط: (١٩٨١م)، (1/749).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله