يُمكن ردُّ الزِّيادة في الطَّاعة إلى نوعين:
الأوَّل: أن يكون مُثبِتًا لما لم يثبت عن النَّبيِّ ﷺ مبتدِعًا في الشَّرع ما ليس فيه، فالبدعة [1] معصية وتُعتبر تفريطًا في اتِّباع هدي النُّبوَّة؛ لأنَّ فاعلها عزف عن هدي النَّبيِّ ﷺ وفرَّط في متابعته فوقع في البدعة الَّتي تطعن فيه وتتَّهمه في دينه، وتُعدُّ الزِّيادة فيها إفراطًا وتجاوزًا لما أقرَّه الشَّرع الشَّريف من أحكام وهيئات وصفات وأعداد؛ وكلُّ زيادة عمَّا جاء به النَّبيُّ ﷺ هدر= غير معتبرة؛ قال تعالى: {وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} [الأحزاب: 2] وقال سبحانه: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الأحزاب: 21] وقال عزَّ وجلَّ: {ثمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨ إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18، 19] في الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ» [2] فالمسلم مأمور بالاعتدال والالتزام بما شرعه الله تعالى في كتابه، ونبيُّه ﷺ في سنَّته القوليَّة والفعليَّة والتَّقريريَّة، ولا يزيد عليها؛ لما فيه من القول بنقص الشَّريعة، والطَّعن في النَّبيِّ ﷺ بلسان الحال؛ فقد أدَّى الأمانة دون نقص أو زيادة؛ من أجل هذا كانت السَّلامة في لزوم غرزه ﷺ، واتِّباع سنَّته ﷺ، والوقوف عند أثره ؛ وفي الحديث أنَّ أبا بكر الصِّديق رضي الله عنه قال لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يوم الحديبية: «أيُّها الرَّجل، إنَّه لرسول الله وليس يعصي ربَّه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنَّه على الحقِّ» [3]
الثَّاني: أن يكون قائمًا بهدي النَّبيِّ ﷺ عاملًا بسنَّته دون زيادة أو نقصان، ولكن لكثرة تقصير النَّاس وفساد دينهم وتفريطهم رأوا أنَّ عبادته زيادة؛ إذ قارنوا عملهم بعمله؛ كطول صلاته وقصر صلاتهم، وكثرة صيامه وانعدام صيامهم، وهذا خطأ في التَّقدير؛ لأنَّ هذا المنهج الأوسط في العبادة، فلا يُعدُّ إفراطًا، بل يُقاس عليه التَّفريط نقصًا، والإفراط زيادة.
والإفراط مذموم في جميع أحواله، وفيه إجهاد للنَّفس من غير ثمرة إذا كان في طاعة، وإهلاك لها في الغواية والشَّهوة إذا كان في معصية، والنُّفوس السَّليمة والفِطر المستقيمة ترفضه ولا تقبله؛ ومثال ذلك الإفراط في المدح والثَّناء، فلا يُقبل من المدَّاحين مدحهم؛ لأنَّه منفذ من منافذ النِّفاق، ولا يُقبل ممَّن عرَّض نفسه للمدح صنيعه؛ لأنَّه مدخل من مداخل الرِّياء؛ لهذا جاءت وصية النَّبيِّ ﷺ: «إذا رأيتم المدَّاحين، فاحثوا في وجوههم التُّراب» [4] والمدَّاحون: هم من اتَّخذوا مدح النَّاس عادة بباطل وكذب بهدف التَّزلُّف والتَّقرُّب نِفاقًا ومُداهنة، أو بما يُؤدِّي إلى باطل وزيف يُؤدِّي إلى الوقوع في الرِّياء والإعجاب بالنَّفس.
وكذلك من أمثلته الإفراط في تحسين القراءة وتجويدها حتَّى تخرج عن حدِّها المقرَّر عند علماء الصَّنعة على وِفق المتلقَّى من فِي النَّبيِّ ﷺ، والاعتدال أن تكون القراءة على النَّحو الصَّحيح الثَّابت بالسَّند المتَّصل عن أئمَّة الأداء عبر العصور إلى أن يصل القارئ بقراءته إلى النَّحو الَّذي قرأ به النَّبيُّ ﷺ من خلال المحافظة على الأزمنة، والمقادير، والأحكام التَّركيبيَّة دون مُبالغة أو زيادة أو نقص؛ لأنَّها توقيفيَّة لا مجال فيها للاجتهاد؛ فقد نزل به جبريل عليه السَّلام هكذا مرتَّلًا مجوَّدًا؛ قال الله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا} [الفرقان: 32] وقال سبحانه وتعالى: {أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا ٤ إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا} [المزمل: 4، 5]
(1) البدعة: في اللُّغة هي: "كُلُّ أمرٍ جديدٍ مختَرَع على غير مثال سابق، وعند إطلاقها تعني ما استُحْدِث من الأمور والأفعال، سواءً كان ذلك في الدِّين أو في غيره؛ قال ابن فارس: "الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشَّيء وصنعه لا عن مثال... كقولهم: أبدعت الشَّيء قولًا أو فعلًا: إذا ابتدأته لا عن سابق مثال؛ والله بديع السماوات والأرض، والعرب تقول: ابتدع فلان الركي: إذا استنبطه، وفلان بدع في هذا الأمر؛ قال الله تعالى: {قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡ} [الأحقاف: 9] أي: ما كنت أول" يُنظَر: مقاييس اللُّغة لابن فارس (1/209) ويقول ابن كثير: "مبدع السموات والأرض وخالقهما ومنشئهما ومحدثها على غير مثال سبق... ومنه سميت البدعة بدعة؛ لأنه لا نظير لها فيما سلف" يُنظَر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/308).
والبدعة في الاصطلاح: فعند الجمهور تعرَّف بأنَّها: "ما ابتُدع وأُحدث من الأمور حسنًا كان أو قبيحًا" يُنظَر: تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري، لأبي القاسم بن عساكر، ص: (97).
ولفظ البدعة إذا أُطلق دون تقييد، فإنَّه يُراد به البدعة المذمومة شرعًا - غالبًا - وقد يُراد بها معناه اللُّغوي الاستحداث والإيجاد، وعليه يعرّف البعض البدعة بأنها: "ما استُحدث في الدِّين مما لم يدُل عليه دليل شرعيٌّ، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، ولا يدخل تحت القواعد والمبادئ العامَّة للإسلام، أو أُحدث على ما يُخالف شيئًا منها" يُنظَر: البدعة في المفهوم الإسلامي الدَّقيق لعبدالملك بن عبدالرَّحمن السَّعديِّ، نشر: مكتبة الأنبار للطباعة والنشر، العراق، د.ت، ص: (8) بتصرُّف يسير.
وقال تعالى: {وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] قال الطاهر بن عاشور: أي أحدثوها فإن الابتداع الإتيان بالبدعة، والبدع وهو ما لم يكن معروفا، أي أحدثوها بعد رسولهم؛ فإن البدعة ما كان محدثا بعد صاحب الشريعة" يُنظَر: التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (27/422).
(2) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الصلح) باب: (إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود) برقم: (2697) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الأقضية) باب: (نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور) برقم: (1718).
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الشروط) باب: (الشروط في الجهاد) برقم: (2732) واللَّفظ له، وكتاب: (الجزية) باب: (باب) برقم: (3182) وكتاب: (تفسير القرآن) باب: (قوله: إذ يُبايعونك تحت الشجرة) برقم: (4844) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الجهاد والسِّير) باب: (صُلح الحديبية في الحديبية) برقم: (1785).
(4) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الزهد والرقائق) باب: (النَّهي عن المدح، إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح) برقم: (3002) وأبو داود في سننه، كتاب: (الأدب) باب: (في كراهية التمادح) برقم: (4804).