الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

رفع الحرج في الشَّريعة

واعلموا يا حماة الإسلام أنَّه لم يقع في الدِّين حرج أو تكلُّف أو تكليف بما لا يُطاق؛ فالذي أمر ونهى هو الخالق العظيم الذي يعلم ما يُصلح النَّفس وما يُفسدها؛ {أَلَا ‌يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} [الملك: 14] وقال تعالى في بيان التَّكليف: {لَا ‌تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ} [البقرة: 233] وقال الله سبحانه: {لَا ‌يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ} [البقرة: 286] وقال الله جلَّ وعزَّ: {لَا ‌نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ} [الأنعام: 152] و: [الأعراف: 42] وقال الله ربُّ العالمين: {وَلَا ‌نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ} [المؤمنون: 62] وقال الله تعالى: {لَا ‌يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ} [الطلاق: 7] فالنُّصوص تبيِّن وتؤكِّد أنَّ التَّكليف على قدر الطَّاقة؛ لإقامة الحجَّة على المكلَّفين؛ فإنَّ الله تعالى لم يُكلِّف بما يعجز النَّاس عنه فعلًا أو تركًا؛ لينظر ما يعملون.

لقد رفع الشَّارع الحرج عن العباد؛ قال الله تعالى: {هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ ‌مِنۡ ‌حَرَجٖۚ} [الحج: 78] وكلَّفهم بما يقدرون عليه حقيقةً وواقعًا في مجموعهم وأفرادهم، وأنَّ التَّكليف بالمقدور عليه لا يعني خلوَّ الأعمال من المشقَّة النَّاتجة عن توهُّم صعوبة العبادة، وهي أثر من آثار تلاعب الشَّياطين بالنَّاس؛ فليس في الشَّرع الشَّريف من الأعمال ما لا يُطاق للمجموع ولا للأفراد الأصحَّاء المقيمين القادرين، وقد تقع المشقَّة لبعضهم لعارض من مرض أو سفر أو فقر، فيرد التَّخفيف عنهم في الشَّرع الشَّريف بسقوط العبادة بلا كفَّارة - كسقوط الحجِّ عن غير المستطيع - أو بكفَّارة - كسقوط الصَّوم عن صاحب المرض الدَّائم مع الفدية، أو عن المريض المؤقَّت مع القضاء - أو قصر العبادة - كصلاة الرُّباعيَّة ركعتين - وأسقط التَّكليف عن غير المؤهَّل لقبوله فعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النَّائم حتَّى يستيقظ، وعنِ الصَّبيِّ حتَّى يحتلم، وعنِ المجنون حتَّى يعقل» [1] وهذا من التَّخفيف على العباد في التَّشريع لرفع الحرج والمشقَّة؛ فالمقصد من الأمر والنَّهي الإذعان والاستسلام والانقياد لله تعالى في أمره ونهيه وحدِّه؛ وهذا معنى الإسلام في أجلِّ صوره وغاياته؛ قال الله تعالى: {مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ ‌إِن ‌شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا} [النساء: 147]

ومع التَّكليف بالمقدور عليه مع وجود المشقَّة المتوهَّمة أو الواقعة بسبب قصور النَّفس أو تسلُّط الشَّياطين يقع اختبار العباد بالأعمال، وتظهر أهمِّيَّة المجاهدة في الوصول إلى العبادة؛ فإنَّ زوال أثر المشقَّة يحصل بالمدافعة والمواقعة؛ فمن دفع التَّوهُّم بالجهاد والفعل تمكَّن من العبادة؛ قال الله عزَّ وجلَّ: {وَٱلَّذِينَ ‌جَٰهَدُواْ ‌فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [العنكبوت: 69] فمن خوطب بالعبادة فعلًا أو تركًا فأحسَّ بمشقَّة الفعل أو ثقل التَّرك لتوهُّم عدم القدرة عليهما فليعتمد على الله تعالى ثمَّ ليشرع في العبادة بالفعل أو التَّرك متحدِّيًا كلَّ عقبة تحول بينه وبين ذلك؛ فإنَّه يجد من الله تعالى عونًا وتأييدًا؛ لأنَّ الرُّكون إلى توهُّم المشقَّة لا تبرأ به ذمَّة العبد، ولا يسلم من السُّؤال والمؤاخذة، ولا يكفي ذلك في سقوط التَّكليف كلِّيًّا أو جزئيًّا عنه؛ فالجنَّة حفَّت بالمكاره، ولا يخلو طريق الخير من العقبات التي بها يقع اختبار العباد؛ قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن ‌يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} [المائدة: 94] وقال الله سبحانه: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ ‌لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ} [الملك: 2] فلابدَّ من وقوع الابتلاءات في طريق العبادة ليقع الاختبار والتَّمحيص؛ قال الله جلَّ وعزَّ: {وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ} [سبأ: 21] فالاختبار بالعبادة يتحقَّق بالأمر بالفعل والتَّرك مع وجود العقبات التي تُظهر المقبل والمدبر؛ فأدركوا هذا المعنى ليتحقَّق لكم النَّجاح في اختبار العبادة.


[1] صحيح: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (الحدود) باب: (في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا) برقم: (4403) والتِّرمذيُّ في جامعه، أبواب: (الحدود) باب: (ما جاء فيمن لا يجب عليه الحدُّ) برقم: (1423) والنَّسائيُّ في سننه، كتاب: (الطَّلاق) باب: (من لا يقع طلاقه من الأزواج) برقم: (3432) وابن ماجه، أبواب: (الطَّلاق) باب: (طلاق المعتوه والصَّغير والنَّائم) برقم: (2024) وصحَّحه الشَّيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيق سنن ابن ماجه، وقال: "حديث صحيح، وجهالة القاسم بن يزيد لا تضرُّ، لأنَّه مُتابع".

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله