مخاطر وآثار الهجرة غير الشَّرعيَّة
إن الهجرة غير الشرعية تحمل في طيَّاتها من المخاطر والمغامرة ما لا يمكن لعاقل - فضلًا عن مسلم مستسلم للشَّرع - أن يقبله على نفسه؛ ذلك لأنَّها هجرة تتمُّ بطريقة ملتوية لا يختلف أحد على شذوذها وخروجها عن المألوف والمعترف به دوليًّا؛ لذا فإنَّ المغامرة بالهجرة غير الشَّرعيَّة إهلاك للنَّفس؛ ويمكن بيان جملة من تلك المخاطر فيما يلي:
أوَّلًا: وقوع المهاجر بطريقة غير شرعيَّة تحت طائلة قانون بلده الذي يمنع ويُجرِّم الهجرة السِّريَّة غير النِّظاميَّة بأيِّ شكل من أشكالها، وهذا التَّجريم يوقع المهاجر في قبضة رجال الدَّولة تحت طائلة مخالفة القانون الدَّوليِّ والدَّاخليِّ؛ وقد نصَّ القانون على تجريم هذا السُّلوك، فجاء في القانون رقم: (97) لسنة: (1959م) المعدَّل بالقانون رقم: (78) لسنة: (1968م) في شأن جوازات السَّفر على أنَّه: "لا يجوز لمصريٍّ مغادرة البلاد أو العودة إليها إلَّا إذا كان حاملًا لجواز سفر، ومن الأماكن المخصَّصة لذلك، وبتأشيرة على جواز سفره، ويُعاقب من يخالف أحكام هذا القانون بالحبس مدَّة لا تجاوز ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تزيد على خمسين جنيهًا" فالقانون في مصر يُجرِّم خروج المهاجر من غير منفذ رسميٍّ، وعليه فلا يصحُّ أن يُتعامل معه على أنَّه ضحيَّة الفقر والأسباب الملجئة، حيث إنَّ القانون رقم: (89) لسنة: (1960م) وتعديلاته عام: (2005م) ينصُّ في مادَّته الثَّانية المستبدلة بالقانون رقم: (88) لسنة: (2005م) على أنَّه: "لا يجوز دخول جمهوريَّة مصر العربيَّة أو الخروج منها إلَّا لمن يحمل جواز سفر أو وثيقة صادرة من السُّلطة المختصَّة بذلك في بلده أو سلطة أخرى معترف بها، يخوِّلانه العودة إلى البلد الصَّادر منها، ويجب أن يكون الجواز أو الوثيقة مؤشَّرًا على أيِّ منهما من وزارة الدَّاخليَّة، أو من إحدى البعثات الدُّبلوماسيَّة، أو أيُّ هيئة تنتدبها حكومة جمهوريَّة مصر العربيَّة لهذا الغرض" وجاء في المادَّة الثَّالثة المستبدلة منه أنَّه: "لا يجوز دخول جمهوريَّة مصر العربيَّة أو الخروج منها إلَّا من الأماكن التي يُحدِّدها وزير الدَّاخليَّة بقرار يُصدره، وبإذن من الموظَّف المختصِّ، ويكون ذلك بالتَّأشير على جواز السَّفر أو الوثيقة التي تقوم مقامه" [1]
وهذه القانون يسمح لأمن السَّواحل الدَّاخليَّة، والدَّوريَّات الشُّرطيَّة المتجوِّلة والثَّابتة أن يتعاملوا مع المخالف بما يقتضيه الموقف الأمنيُّ؛ لأنَّهم يُشكِّلون خطرًا على الوطن بإفساد ما بينه وبين الدُّول المجاورة حيث يخرق مواطنوه العهود والمواثيق الدَّوليَّة التي تمنع استخدام حدود الغير أو العبور من خلال منافذها إلَّا بطرق رسميَّة نظاميَّة متعارف عليها، وعليه تفسد كثير من العلاقات بين الدُّول بمقتضى ما يقوم به بعض الأفراد من تجاوز ومخالفات، وهذا ما يُحتِّم على الدَّولة أن تتعامل مع المخالف بما يحفظ هيبتها بين الدُّول، ويردع المخالف، ويعطي العبرة لغيره، من خلال إلقاء القبض عليه وتقديمه للمحاكمة بمخالفته الصَّريحة لما أصدرته الجهة التَّشريعيَّة المختصَّة، وقد يحاول الهروب من قبضة الأمن فيُطلقون عليه الرَّصاص فيصيبه في مقتل، وحجَّتهم أنَّه خارج عن القانون، ناشر العبث، مقاوم للسُّلطات، إلى غير هذا من التُّهم.
ثانيًا: فإذا نجا المهاجر من حدود بلده وتمكن من مغادرة أراضيه دون أن يعترضه أمن البلاد، فأمامه مشقَّة الطَّريق، ووعورة السفر، وقسوة الجبال والوديان، أو تلاطم المياه والأمواج، فمن الصُّعوبة بمكان أن يسلم من غوائلها، والمطالع لحكايات الهجرة غير الشَّرعيَّة يُدرك أنَّ فيها الموت المحقَّق، والهلاك المتيقَّن؛ بسبب استعمال آلات في النَّقل لا تصلح لقطع مسافة كبيرة، مع ازدحام القوارب والزَّوارق لكثرة الرَّاغبين في الهجرة والانتقال، وعدم تمكُّن المهاجرين من السَّفر عبر وسيلة سفر آمنة كالسُّفن الكبيرة، والطَّائرات الفاخرة، والسَّيارات الفارهة؛ لأنَّهم يتخفُّون من عيون الشُّرَط، مع قلَّة ما في أيديهم ممَّا يسمح بالهجرة الشَّرعيَّة، إنَّ ركوب البحر بوسائل نقل غير مسموح لها بالإبحار في تلك الأماكن الخطيرة التي يعلو فيها الموج، وتتلاطم فيها المياه، مع عدم صلاحيَّة تلك الوسائل للإبحار، وزيادة الأعداد عن الطَّاقة الاستيعابيَّة للوسائل المستخدمة، مع ضعف ظاهر في أخشابها، والسَّير في الدُّروب البحريَّة المهلكة في طبيعتها هو من إلقاء النَّفس في التَّهلكة قطعًا، والمهاجر بهذه الطَّريقة يُلقي بنفسه في تهلكة تكاد تكون متحقِّقة بنسبة كاملة، وهو بذلك يقع في إثم وحرج؛ وقد اتَّفق العلماء على أن البحر إذا كان مظنَّة للهلاك لم يجز ركوبه؛ قال الإمام ابن عبد البرِّ رحمه الله: "ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ البحر إذا ارتجَّ لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه" [2] وقد حث الشَّارع على ضرورة الأخذ بأسباب النَّجاة من خلال اختيار المكان والطَّريق والوسائل الآمنة؛ ففي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظَّها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة، فبادروا بها نقيها، وإذا عرَّستم، فاجتنبوا الطَّريق، فإنَّها طرق الدَّوابِّ، ومأوى الهوامِّ باللَّيل» [3] قال الشَّيخ محمَّد فؤاد عبدالباقي رحمه الله: "وهذا أدب من آداب السَّير والنُّزول أرشد إليه لأنَّ الحشرات ودوابَّ الأرض من ذوات السُّموم والسِّباع وغيرها تمشي في اللَّيل على الطُّرق لسهولتها ولأنَّها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه وما تجد فيها من رمَّة ونحوها فإذا عرَّس الإنسان في الطَّريق ربَّما مرَّ به ما يُؤذيه فلينبغي أن يتباعد عن الطَّريق" [4]
النَّتائج والوقائع: فينتج عن كلِّ هذا غرق القوارب في وسط البحر فلا هم إلى الشَّاطئ فينقذهم أحد، ولا تمرُّ بهم سفن فتقدِّم لهم المدد؛ فيهلكون غرقى في بحار الآمال التي لطالما تخيَّلوها، فكم من شابٍّ كان في ريعان شبابه لم يجد فرصة حياة كريمة في بلده؛ لكثرة السُّكان، أو انتشار البطالة، فقرَّر أن يُهاجر من خلال قوارب الموت؛ فلقي حتفه في وسط بحر خضم واسع لم يرحم ضعفه، أو قلَّة حيلته، ولم يسأله عن سبب تهوُّره ومغامرته بالخوض في غماره، بل التقمه حين ضعُفت أخشابُ زورقه، فوقع فيه مع من وقع، فكسر عظامه بين أمواجه، واختلطت مياهه بلحمه ودمه، واستُلت روحه من بين جسده بمشقَّة بالغة؛ حيث حاول أن يُصارع البحر بأمواجه المتلاطمة، ويبارز الماء بسيوفه المتلاحمة، فلم يجد في وسط البحر حبلًا يُنقِذه، أو ممرًّا يُنفِذه، فغرق بعد مجاهدة قد تطول لأيَّام، وقد تقصر لساعات، لكنَّه في النَّهاية فارق الحياة التي كم حلُم بطولها وعرضها، وزيَّن له رُفقاؤه حسنها وجمالها، وهي كذلك لكن إذا جاءت عن طريق مشروع، يكون فيه المرء مطمئنًّا وهو في سفره، ولا يستطيع أحد أن يعترض عليه لسلامة موقفه، ولكن صاحبنا لم يُدرك هذا لأنَّه سلك طريقًا منحرفًا، كان سببًا في أن يعود لأهله في صندوق يحوي جثمانه ليدفنوه - إذا قُدِّر له الإنقاذ - في وسط صرخات الأمِّ، وصيحات الأخوات، وبكاء الأب، وحزن الإخوة، وتأثُّر الحاضرين لمشهده، وقد لا يصل الجثمان إلى أهله؛ لعدم إنقاذه ليُصبح جسدُه طعاما للأسماك ومخلوقات البحار!.
ثالثًا: وإذا قُدِّر للمهاجر بطريقة غير شرعيَّة أن ينجو من زوارق الموت، وقوارب الهلاك، وطريق الضَّياع، وبحر الجوع - الذي ابتلع في بطنه كثيرًا من الشَّباب الضَّائع ولم يزل فاغرًا فاه يطلب المزيد - فمن الصَّعب أن يفلت من قبضة رجال حرس الحدود في الدَّولة المهاجر إليها؛ فقد وزَّعت الدُّول جنودها على حدودها المختلفة، وأعطت لهم من الصَّلاحيَّات والتَّفويضات ما يحملهم على توجيه السَّلاح في صدر أي متسلِّل للحدود دون الخوض معه في تفاصيل قدومه إليها، بل يهاجمونه مع أوَّل ظهور له على أراضيهم؛ لأنَّه في عُرف القانون الدَّوليِّ متسلِّل منحرف عن الأعراف الدَّوليَّة، مستحقٌّ للإجراءات الصَّارمة ليكون عبرة لغيره.
رابعًا: ومع الاحتمال الضَّعيف بنجاة المهاجر بطريقة غير شرعيَّة من طلقات أسلحة حراس الحدود، فإن تمكَّنهم منه يُعرِّضه للمُساءلة القانونيَّة أمام جهاتهم الشُّرطيَّة والأمنيَّة؛ لأنَّه مشتبه في أنَّه قصد البلاد لأعمال تجسُّس، أو تخريب، أو إيذاء، فالقضيَّة قوميَّة في المقام الأوَّل؛ وحينها يدخل صاحبنا في متاهات الاستجوابات والتَّحقيقات التي تذهب بقوَّته؛ لأنَّهم قد يتعاملون بقسوة وإفراط؛ لأجل أن يُقدَّم لهم من المعلومات ما ليس عنده في الحقيقة، وبعد كلِّ هذا يمكنهم أن يُطلقوا سراحه إذا ثبت عدم تورُّطه في شيء، مع ترحيله إلى بلاده مرَّة أخرى، وحينها يشعر بخيبة الأمل؛ لأنَّ الرحلة التي قطعها في أيَّام عجاف، باءت بالفشل والخسارة؛ إذ لم يتحقَّق له منها إلَّا المشقَّة والعنت، ومعاينة الموت في كلِّ خطوة من خطوات تلك الرِّحلة المرعبة، من هنا وجب على كلِّ عاقل ألَّا يُغامر بحياته في هذا الطَّريق الذي يعود عليه وعلى مجتمعه بالخسارة.
خامسًا: كما أنَّ في الهجرة غير الشَّرعيَّة من معاني إذلال النَّفس للغير ما يُقضي بمنعه ولو رُفعت المخاطر كلُّها؛ فقد حرص الإسلام على تكريم المسلم، ومنع كلِّ شيء يؤدِّي به إلى الذِّلَّة والمهانة والانكسار؛ من أجل هذا حرمت العبوديَّة لغير الله تعالى، وجاء الإسلام ليقضي على الرِّقِّ وبيع النَّاس للنَّاس؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70] وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا ينبغي للمؤمن أن يذلَّ نفسه» قالوا: وكيف يذلُّ نفسه؟ قال: «يتعرَّض من البلاء لما لا يطيقه» [5] ومن صور الذِّلَّة في الهجرة غير الشَّرعيَّة ما يحصل من انكسار للمرء في طريقه، وخوف من حصول الهلاك، ومسكنة إذا وقع القبض عليه وتمَّ اعتقاله، وإهانة من الجهات الأمنيَّة عند التَّحقيقات أو التَّرحيلات، وتسوُّل ومدُّ اليد للغير إذا نجا ولم يجد عملًا يتقوَّت منه، وهكذا..
سادسًا: المفاسد التي تنجم عن الهجرة غير الشَّرعيَّة من قلق وحزن الوالدين على فراق ولدهما دون توفُّر ضمانات العودة، هذا الشُّعور يكفي لقتل الوالدين بالبطيء، وهذا ما يحصل بالفعل؛ فإنَّ كثيرًا من الشَّباب المهاجر بطريقة غير شرعيَّة إذا كتبت له النَّجاة ووصل إلى مقصده يمكث في بلاد الهجرة سنوات كثيرة حتى يُصحِّح إقامته من خلال توفير المبالغ الماليَّة الكبيرة التي يدفعها في صورة غرامة للدَّولة على تجاوزه قوانين الهجرة والإقامة، وبعدها يتمُّ تصحيح أوضاعه، وقد يأخذ من الوقت زمنًا ليُحقِّق هذا، بينما يتقلَّب والده على الجمر بسبب انقطاع الصِّلة بينهما وبين ولدهما، قد يصل الانتظار إلى عشرات السِّنين، ومعه قد يهلك الوالدان خوفًا وقلقًا على ولدهما، وإن بقيا على قِيد الحياة صاحبهما كثير من الأمراض والبلاء.
سابعًا: التَّزوير والغشُّ والخداع الذي يقع فيه المهاجر بطريقة غير شرعيَّة من أجل تحقيق هدفه من الهجرة، فيزوِّر في الوثائق والأوراق من منطلق أنَّ الغاية تبرِّر الوسيلة، وهذا منهج لا يتوافق مع شريعة الإسلام العظيمة، فالوسائل لها أحكام المقاصد، والأمور بمقاصدها، والنِّيَّة الصَّالحة لا تصلح العمل الفاسد، والنِّيَّة الفاسدة تفسد العمل الصَّالح؛ فلابدَّ من توفُّر الغاية الصَّالحة مع الوسائل الصَّحيحة الموصِّلة إليها؛ فلا ينبغي أن يسعى المرء للوصول إلى الكفاف والعيشة الطَّيبة عن طريق اكتساب المال من الحرام الذي نتج عن استعمال الوسائل المحرَّمة؛ فما بُني على باطل فهو باطل؛ وقد نهى الإسلام عن الغشِّ والخداع؛ فقال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعُه بللًا فقال ﷺ : «ما هذا يا صاحب الطَّعام؟» قال أصابته السَّماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطَّعام كي يراه النَّاس، من غشَّ فليس منِّي» [6] وهذا الغشُّ حاصل في الهجرة غير الشَّرعيَّة، والغشُّ نوع من الكذب؛ لما فيه من مخالفة الواقع بالإخبار بالشَّيء على خلاف ما هو عليه، والكذب في القول أظهر، والغشُّ في الفعل أكثر.
ثامنًا: ضياع الشَّباب عن طريق الرَّكض خلف أحلام ورديَّة متوهَّمة من تحصيل المكاسب السَّريعة والغنى الكامل من الهجرة غير الشَّرعيَّة كما حصله من سبقهم ممَّن هاجر وتحقَّقت له بعض صور التَّرف في المسكن والمظهر وتحصيل الأموال، فيسعى الشَّباب إلى تحقيق طموحهم في الثَّراء السَّريع المريح من خلال الهجرة التي تصدمهم بواقعها الأليم المروِّع؛ حيث الذِّلَّة، والمهانة، والانكسار، وإمكانيَّة وقوع الضَّرر بل وتحقُّقه، حينها يُدرك هؤلاء أنَّهم يسعون نحو سراب، ويركضون خلف خيال، ومع هذا كلِّه تضيع الأعمار، ويذهب الشَّباب وفتوَّته - مرحلة قوَّة الأمَّة - وينكسر الظَّهر وتذهب قوَّته، فلا انتفع بشبابه أمَّتُه، ولا اكتسب طموحه ولم تتحقَّق رغبته.
تاسعًا: هروب كثير من المجرمين والمفسدين - القتلة خاطفي أرواح البشر، وتجار المخدِّرات والآثار، ومثيري الشَّغب، وسارقي أموال البسطاء - من أحكام صدرت في حقِّهم بالاعتقال والحبس، أو دفع الغرامات الماليَّة الكبيرة، فيقومون بتغيير وثائقهم ويهربون من الدَّولة عن طريق الحيل والخداع والطُّرق الملتوية في دهاليز الصَّحراء وأعماق البحار، وتبقى القضايا معلَّقة لا نافذة، ويهرب المجرم مخلِّفًا آلام من تسبَّب في حرمانهم ممَّن قتله، أو تسبَّب في إدمانه، أو حبسه، أو تاركًا وراء ظهره جملة من المجرمين الصِّغار الذين صنعهم على عينه، أو متسبِّبًا في موت أناس سلب منهم أموالهم التي بذلوا أعمارهم في جمعها بحجَّة أن سيستثمرها لهم ثمَّ يهرب بها، ويتمتَّع بالمال في بلاد لا تعرف حقيقته بسبب الخداع المحكم الذي قام به من تغيير وثائقه الرَّسميَّة التي غيَّرت هويَّته الحقيقية إلى هويَّة مزيفة ليسهل عليه الهروب من نتائج الجرائم من أحكام والتزامات؛ وكلُّ من ساعد أمثال هؤلاء على الهروب من العقوبة بجرائمهم فهو ملعون كما في الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لعن الله من آوى مُحدثًا، ولعن الله من غيَّر منار الأرض» [7] قال الطِّيبيُّ رحمه الله: "مُحدِثًا: بكسر الدَّال، وهو الذي جني على غيره جناية. وإيواؤه: إجارته من خصمه والحيلولة بينه وبين ما يحقُّ استيفاؤه" [8]
(1) قانون رقم: (89) لسنة: (1960م) في شأن دخول وإقامة الأجانب بأراضي جمهوريَّة مصر والخروج منها.
(2) التمهيد، لابن عبد البر (1/234) ط. وزارة الأوقاف المغربية.
(3) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الإمارة) باب: (مراعاة مصلحة الدواب في السير، والنهي عن التعريس في الطريق) برقم: (1926) وأبو داود في سننه، كتاب: (الجهاد) باب: (في سرعة السير، والنهي عن التعريس في الطريق) برقم: (2569) والترمذي في جامعه، أبواب: (الأدب) باب: (باب) برقم: (2858).
(4) صحيح مسلم بتعليق الشيخ محمد فؤاد عبدالباقي حديث: (1926).
(5) حسن: أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب: (الفتن) باب: (باب) برقم: (2254) وقال: "هذا حديث حسن غريب" وابن ماجه في سننه، كتاب: (الفتن) باب: (قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) برقم: (4016).
(6) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الإيمان) باب: (قول النبي ﷺ: من غشنا فليس منا) برقم: (102) وابن ماجه في سننه، كتاب: (التجارات) باب: (النهي عن الغش) برقم: (2224).
(7) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الأضاحي) باب: (تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله) برقم: (1978) والنسائي في سننه، كتاب: (الضحايا) باب: (من ذبح لغير الله عز وجل) برقم: (4422).
(8) الكاشف عن الحقائق والسنن = شرح المشكاة، للحسين بن عبدالله الطيبي (9/2805) تحقيق: د. عبدالحميد هنداوي، نشر: مكتبة نزار مصطفى الباز (مكة المكرمة - الرياض) الطبعة: الأولى سنة: (1417ه/1997م).