أسباب حصول الغرابة للفظ القرآني
لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم باللغة العربية الفصيحة على قوم حازوا العلى في البلاغة؛ فهم أرباب فصاحة وأساطين بيان، وعلى الرغم من ذلك ترى الغرابة قد وقعت لهم في بعض الكلمات، وكذلك حصل للصحابة، وبدأت دائرة الغرابة تتسع في عهد التابعين ومن بعدهم إلى يوم الناس هذ، وفي كل جيل تزداد الغرابة، وتكثر الكلمات الغريبة، ويمكن ذكر أسبابها فيما يلي:
1 - شمولية القرآن الكريم للهجات العرب ولسانها، فلم ينزل لقريش وحدها حتى يشتمل على لسانهم فقط، بل نزل ليتحدى الله تعالى به عامة الإنس والجن، فكان التحدي موجها للجميع كل على قدر ما يحسنه ويبرع فيه؛ لذا استخدم القرآن الكريم ألفاظا من لهجات ثقيف وهُذيل وغيرهم، فربما تحصل الغرابة من هنا.
2 - ورود كثير من الألفاظ المعرّبة، والتي كانت موجودة عند السابقين فاستخدمها القرآن الكريم وعربها؛ كـ كلمة: ﴿غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 36] ومعناها صديد أهل النار، وكلمة: ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] معناها الديباج، مما يحصل به الغرابة لكونه غير شائع الاستعمال بالمعنى الذي دل عليه، لكونه وضع في أصله لغيره.
3 - تميز ألفاظ القرآن الكريم بكثير من الخصائص التي تمتاز بها مفردات اللغة العربية؛ كالترادف؛ ومعناه= اتفاق المعنى بين الألفاظ المختلفة= اختلاف اللفظين والمعنى واحد، بحيث يمكن إحلال أحدهما مكان الآخر في غير القرآن الكريم؛ نحو كلمة: (الأسف) فمعناها الحزن في عامة مواضعها إلا في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: 55] فمعناها أغضبونا.
ومما تميزت به ألفاظ القرآن الكريم أيضا: المشترك اللفظي؛ ومعناه= ورود الكلمة الواحدة ذات الحركة الواحدة في مواضع متعددة بمعان مختلفة، ويسمى: (الوجوه والنظائر) نحو كلمة: (الأمة) فقد ذكروا أنها تأتي في القرآن الكريم على تسعة أوجه أشهرها خمسة:
أ - القوم؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 92]
ب - الملة؛ نحو قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: 213]
ج - المدة؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: 8]
د - الإمام؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120]
ه - الخلق عامة؛ نحو قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: 38]
ومما تميزت به ألفاظ القرآن الكريم أيضا: التضاد؛ ومعناه= اتفاق اللفظ مع تقابل المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 227] فالقرء عند أهل الحجاز يعني الطهر، وعند أهل العراق يعني الحيض، فاللفظ واحد، والمعنى متقابل.
4 - الاستعمال الشرعي للألفاظ القرآنية؛ حيث استعمل القرآن الكريم ألفاظ العربية التي كانت مستعملة عند العرب في لسانها لمعان مختلفة عما عرفوه؛ كأسماء الله الحسنى، والاصطلاحات الفقهية والشرعية، وأسماء اليوم الآخر؛ كالصاخة، والقارعة، والواقعة، فتحويل استعمال اللفظ في ما وضع له في أصله أدى إلى حصول الغرابة في ألفاظ القرآن الكريم عند العرب.
5 - كثرة الفتوحات الإسلامية، واختلاط العرب بالعجم، كان له أكبر الأثر في تأثر اللسان العربي، وحصول الغرابة له، وللمسلمين من الأعاجم من باب أولى، فكلما تأخر الزمن وابتعد الناس عن اللغة حصلت لهم غربة مع ألفاظ العربية بما في ذلك القرآن الكريم، حتى تصبح الألفاظ الجلية المعنى خافية؛ يقول الدكتور إبراهيم خليفة رحمه الله: "وكلما طال الزمان على الناس احتاجوا إلى البيان والمزيد منه، فلما اتسعت الدولة الإسلامية، وظهر المولدون، وذهب العرب الخلَّص ، أصبح الاحتياج إلى ما كان ظاهرا بينا، حتى سرى إلى كثير من العامة وإلى بعض الخاصة؛ فصنِّفت كتب النحو، والصرف، وأفردت المصنفات في غريب القرآن الكريم" [1]
6 - تعنت المشركين في التلبيس على القرآن الكريم حيث تجاهلوا فهم الواضحات من المعاني؛ في محاولة منهم للتشغيب على آيات القرآن؛ كقولهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] قال أبو حيان رحمه الله: "والذي يظهر أنهم لما قيل لهم اسجدوا للرحمن فذكرت الصفة المقتضية للمبالغة في الرحمة والكلمة عربية لا ينكر وضعها، أظهروا التجاهل بهذه الصفة التي لله مغالطة منهم ووقاحة فقالوا: وما الرحمن وهم عارفون به وبصفته الرحمانية، وهذا كما قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 23] حين قال له موسى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزخرف: 46] على سبيل المناكرة وهو عالم برب العالمين. كما قال موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: 102] فكذلك كفار قريش استفهموا عن الرحمن استفهام من يجهله وهم عالمون به" [2] فليست الغرابة متحققة في مثل هذا؛ بل هي متصنعة بقصد خبيث من إظهار القرآن الكريم في موقف الملبِّس الناطق بغير المفهوم.
7 - الفهم الخاطئ عن حسن قصد لبعض نصوص التنزيل؛ بسبب النقص في أدوات الاجتهاد الأخرى، مما يدفع للتسرع والعجل، وقد وقع مثل ذلك من بعض الصحابة، كما حصل لعدي ابن حاتم حين نزل قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] ففي الصحيحين عن عَديِّ بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] قلت: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض، وعقالا أسود؛ أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله ﷺ: «إن وسادتك لعريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار» [3] فالمقصود بالخيط الأبيض= بياض النهار، وبالخيط الأسود= سواد الليل، والتعبير بهما مجاز يكاد يلحق بالحقيقة لقوة ضهوره ووضوحه، لكن الصحابي الكريم رضي الله عنه حمل اللفظ على معناه الحقيقي، وفي وقوع مثل هذا من الصحابة رضي الله عنهم دلالة على ضرورة اتخاذ أعلى درجات الاحتياط والعناية والتحري في فهم كلمات القرآن الكريم؛ فالصحابة رضي الله عنهم قد شهدوا منازل الوحي، وعايشوا مجريات التنزيل، ومع هذا يقع منهم رضي الله عنهم ذلك، فعلى غيرهم ممَّن لم يصل إلى عشر معشار ما وصلوا إليه أن يكون أشد في الحذر والتحري لمعاني القرآن الكريم.
8 - أن يكون اللفظ القرآني مصروفا على غير ظاهره؛ كأن يكون عاما ويُراد به الخصوص، أو مطلقا ويقيَّد، أو مجملا ويُفصَّل، أو مبهمًا ويُبيِّن، أو منطوقا لا مفهوم له، أو يُراد الحقيقة الشرعية لا اللغوية، فكل هذا يجعل الغرابة حاصلة للفظ القرآني؛ لأن القارئ يحتاج إلى بيان فيها جميعا، ولو فهم بدون اعتماده على البيان الوارد في كتب التفسير فإن وقوعه في الخطأ متحقق.
(1) الموسوعة القرآنية المتخصصة، الصادرة عن وزارة الأوقاف المصرية صـ: (139).
(2) البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان الأندلسي (8/122).
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (تفسير القرآن) باب: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم...) برقم: (4509) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الصيام) باب: (بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر) برقم: (1090).