استنفار قريش وخروجهم بطرًا ورئاء النَّاس:
خرجت قريش في ألف مقاتل، ومئتي فرس يقودونها إلى معركة وجوديَّة لا يرجعون فيها إلَّا مدكدكين لجيش المسلمين ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم؛ فهي حرب وجوديَّة لا تتوقَّف عند حدِّ القافلة، وفي أثناء طريقهم جاءهم رسول من أبي سفيان أنَّ القافلة قد سلمت بفضل حيلة أبي سفيان [1]، وأنَّ الأمر لم يعد في حاجة إلى قدومهم لقتال؛ فقد حافظت القافلة على ما فيها ولم يقع لها ما يدعو إلى قيام حرب يهلك فيها الطَّرفان، وتعظم بينهما الخصومة وتشتدُّ العداوة أكثر ممَّا هي عليه، فكان منطق أبي سفيان - ومن يرى رأيه من العرب - الحفاظ والسَّلامة وعدم الدُّخول في المواجهة، وأيَّده على ذلك نفر من قومه لم يكن لهم الفصل والحسم؛ فقد قال الذين غلبوا على أمرهم لنردنَّ بدرًا بطرًا ورئاء النَّاس وصدًّا عن سبيل الله؛ قال تعالى: {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} [الأنفال: 47]
دور أبي جهل في إشعال فتيل الحرب:
لم يكن أبو جهل عمرو بن هشام المخزوميُّ ليستسلم بسهولة لطلب أبي سفيان ومن يرون رأيه بالعودة وعدم القدوم للقتال، بل أصرَّ على مواصلة السَّير وخوض غمار الحرب لتأديب المسلمين لجرأتهم على قافلتهم؛ لئلَّا يعودوا لمثلها، وليأمن طريق التِّجارة من تكرارها، ولتُحفظَ مكانة قريش بين العرب الذي يخوضون في الأمر بالتَّنقيص من قدر القرشيِّين الذين هدَّدتهم قوَّة وليدة بضرب اقتصادهم ثمَّ سلموا منهم؛ فكان رأي أبي جهل أن ينتقم من لمسلمين بالقتال ليُلقِّنهم وغيرهم درسًا قاسيًا، ولم يحسب أبو جهل للمسلمين حسابًا، ولم يتوقع أن تقع هزيمتهم وهم أعتى قوَّة في جزيرة العرب، وأولوا بأس شديد، وأرباب قتال، وأصحاب رايات، وحِماهم مُصان، وجنابهم محفوظ، وهم سادة العرب بلا نزاع؛ فهم سدنة البيت الحرام وحراسه، والعزُّ والمجد فيهم ورثوه كابرًا عن كابر وعظيم عن عظيم.
وبعد مشاورات ومناقشات في صفوف جيش المشركين للمفاضلة بين رأي أبي سفيان ومن معه ورأي أبي جهل رجحت كفَّة الأخير [2]؛ فواصل جيش المشركين طريقه إلى المدينة لخوض المعركة مع انشقاق بني زُهرة وتخلُّف بني عَديٍّ، وبلغ الخبر رسول الله ﷺ فاستشار الصَّحابة رضي الله عنهم في أمر القتال لما فيه من مغامرة ومخاطرة؛ فأشار بعضهم بعدم القتال لضعف الاستعداد الحربيِّ عددًا وعدَّة وحالًا، فلم يكن في حسبان أحد أن تتحوَّل الرَّغبة في الاستيلاء على القافلة التَّجاريَّة إلى حرب تَدقُّ طبولها على رءوس الطَّرفين، وكان تقدير الله تعالى على خلاف ذلك؛ فقد شاء سبحانه أن تحصل مواجهة بين الحقِّ والباطل لينصر الله تعالى جنده المؤمنين، ويُعِزَّ عباده الصَّالحين، ويكسر شوكة المتكبِّرين المعاندين؛ ليعلم النَّاس أنَّ النَّصر من عند الله تعالى وإن تخلَّفت الأسباب البشريَّة الأرضيَّة.
(1) وفي نجاة القافلة وتحوُّل الأمر إلى القتال حكم إلهيَّة تظهر لمن تتبَّع آيات سورة الأنفال؛ فبالقتال عظم أمر المسلمين في نفوس الخلق حين واجهوا قوَّة قريش العاتية وسحقوها سحقًا في معركة بدر، وبه ظهرت قوَّة بأس الصَّحابة رضي الله عنهم في القتال والنُّصرة والدِّفاع عن النَّبيِّ ﷺ والإسلام، وبه تميَّز وتمحِّص الصَّفُّ، وبه قُتل أبو جهل أعظم أعداء المسلمين فرعون هذه الأمَّة، وبه وقعت مغانم للمسلمين، وبه كانت تشريعات تتعلَّق بالأسرى والغنائم، ففي فوات القافلة من المنافع الشَّيء الكثير؛ والله تعالى يقول: {كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [البقرة: 216] وقال سبحانه: {وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 7 لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} [الأنفال: 7-8] وقال تعالى: {لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} [النور: 11] ومن هذا نتعلَّم أنَّ ما يقع في أرض المسرى المباركة من تحرُّش الصَّهاينة بالمسلمين ووقوع القتلى والجرحى والشُّهداء من الخير الذي يجني المسلمون ثمرته بالنَّصر والعزِّ والتَّمكين، وليس من الشَّرِّ في شيء؛ قال تعالى: {هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ 138 وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 139 إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ 140 وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 141 أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [آل عمران: 138-142]
(2) قال ابن إسحاق: "حدَّثني أبو إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا: "لـمَّا اطمأنَّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحيَّ فقالوا: احرزوا لنا أصحاب محمَّد" قال: "فاستجال بفرسه حول العسكر ثمَّ رجع إليهم فقال: "ثلاث مئة رجل يزيدون قليلًا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أ للقوم كمين أو مدد" قال: "فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئًا فرجع إليهم فقال: "ما وجدتُّ شيئًا، ولكن قد رأيت - يا معشر قريش - البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت النَّاقع، قوم ليس معهم منَعة ولا ملجأ إلَّا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يَقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم" فلمَّا سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في النَّاس فأتى عُتبة بن ربيعة فقال: "يا أبا الوليد إنَّك كبير قريش وسيِّدها والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدَّهر؟ قال: "وما ذاك يا حكيم؟ قال: "ترجع بالنَّاس وتحمل أمر حليفك عمرو ابن الحضرميِّ قال: "قد فعلتَ أنت عليَّ بذلك، إنَّما هو حليفي فعليَّ عقلُه، وما أُصيب من ماله، فأتِ ابن الحنظليَّة - والحنظليَّة نسبها قال ابن هشام: والحنظليَّة أمُّ أبي جهل، وهي أسماء بنت مُخرِّبة أحد بني نهشل بن دارم ابن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم - فإنِّي لا أخشى أن يشجر أمر النَّاس غيره" - يعني أبا جهل بن هشام - ثمَّ قام عُتبة بن ربيعة خطيبًا فقال: "يا معشر قريش، إنَّكم والله ما تصنعون بأن تلقَوا محمَّدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرَّجل ينظر في وجه رجل يكره النَّظر إليه قتل ابن عمِّه وابن خاله أو رجالًا من عشيرته، فارجعوا أو خلُّوا بين محمَّد وبين سائر العرب، فإن أصابوا فذاك الذي أردتُّم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون؟"
قال حكيم: فانطلقتُ حتى جئتُ أبا جهل فوجدتُّه قد نثل درعًا له من جرابها فهو يُهيِّئها فقلت له: يا أبا الحكم، إنَّ عُتبة أرسلني إليك بكذا وكذا للذي قال؟" فقال: انتفخ والله سحرُه حين رأى محمَّدًا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمَّد، وما بعتبة ما قال ولكنه قد رأى أنَّ محمَّدًا وأصحابه أكله جزور وفيهم ابنه، فقد تخوفَّكم عليه، ثمَّ بعث إلى عامر بن الحضرميِّ فقال هذا يريد أن يرجع بالنَّاس وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فأنشد خَفرتك ومقتل أخيك، فقام عامر بن الحضرميِّ فاكتشف ثمَّ صرخ: واعمراه، واعمراه، فحميت الحرب وحقب النَّاس واستوسقوا على ما هم عليه من الشَّرِّ، وأفسد على النَّاس الرَّأي الذي دعاهم إليه عُتبة، فلمَّا بلغ عُتبة قول أبي جهل: "انتفخ والله سَحْره" - قال ابن هشام: السَّحْر: الرِّئة وما حولها ممَّا يعلق بالحلقوم من فوق السُّرَّة - قال: "سيعلم مصفِّرُ استه من انتفخ سَحْره أنا أم هو؟"
قال حكيم بن حزام: "خرجنا حتى إذا نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرًا، ثمَّ خرجنا حتى نزلنا العُدوة التي ذكرها الله، فجئتُ عتبة بن ربيعة فقلت: "يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟" قال: "أفعل ماذا؟" قلت: "إنَّكم لا تطلبون من محمَّد إلَّا دم ابن الحضرميِّ وهو حليفك فتحمل ديته وترجع بالنَّاس" فقال: "أنت وذاك، وأنا أتحمَّل بديته، واذهب إلى ابن الحنظليَّة - يعني أبا جهل - فقل له: "هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمِّك؟" فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا ابن الحضرميِّ واقف على رأسه وهو يقول: "قد فسخت عقدي من عبد شمس وعقدي إلى بني مخزوم" فقلت له: "يقول لك عُتبة بن ربيعة: "هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمِّك بمن معك؟" قال: "أما وجد رسولًا غيرك؟" قلت: "لا، ولم أكن لأكون رسولًا لغيره" فخرجت مبادرًا إلى عتبة لئلَّا يفوتني من الخبر شيء، وعتبة متَّكئ على إيماء بن رحضة الغفاريِّ وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشَّرُّ في وجهه فقال لعُتبة: "انتفخ سحرك" فقال له عتبة: "ستعلم" فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه فقال إيماء بن رحضة: "بئس الفأل هذا" فعند ذلك قامت الحرب" سيرة ابن هشام، (1/624).