حكم الاشتغال بعلوم الفلسفة والمنطق والتَّصوُّف
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.
وبعد: فإنَّ مُطالعةُ العامَّة لكتب الفلسفةِ والمنطق وعلم الكلام ونصوص الصُّوفيَّة - وما في معناهم من الكتابات الَّتي تحمل كلامًا غير مفهوم إلَّا للعارفين الدَّارسين - ممَّا يُوقِع في الحرج بسبب انعدام الفهم؛ لصُعوبة الكلام وثِقَله، أو سوء الفهم بحمل الكلام على ظاهره، بيد أنَّ للقومِ إشاراتٍ وتأويلاتٍ يقصدون بها المعاني الباطنيَّة للنُّصوص؛ فيفهمها المرءُ فهمًا على غير وجهه فيفسد قلبُه، ويسوء لسانُه بتناول من قرَأ له بالكفر أو الزَّندقة؛ لذا كان البُعدُ عن المطالعة واستعمال شهوة النَّظر في هذه الكتب أولى من الانهماك فيها، إلَّا لعالمٍ بصيرٍ يدرس ما فيها للرَّدِّ أو التَّفنيد أو الاستفادة ممَّا لم يتعارَض مع صريح النَّصِّ الشَّرعيِّ؛ كما أنَّ كُتب الفلسفةِ تعجُّ بكثير من المخالفات العقائديَّة الَّتي تُدخِل النَّاظر في متاهاتٍ فكريَّةٍ يذهب به إلى منطقةٍ حرِجةٍ يُمكن أن ينتقل معها من الإيمان إلى الإلحاد والكفر؛ ذلك لأنَّ أكثرَها وضعَه غيرُ المسلمين ممَّن يدِينون بعقائد كفريَّة لا تتوافق مع مضمون الإسلام وجوهر الشَّريعة، فاطِّلاع العامَّة على تلك الكتابات المشتملة على هذا المحتوى ممَّا يُربِك عقيدتهم، ويُفسِد عليهم إيمانهم، فتركُها أسلمُ للدِّين، وأمَّا العلماء والباحثون المتخصِّصون في دراستها ممَّن درس العقيدة الإسلاميَّة وسبرها وأتقنها وأجادها واستقرَّت مضامينُها في قلبه، فلا مانع من مُطالعتها بغرض الدِّراسة والنَّقد.
حكم الاشتغال بعلوم الفلسفة والمنطق:
اختلف العلماء في حكم الاشتغال بعلوم الفلسفة والمنطق على ثلاثة أقوال:
الأوَّل: التَّحريم:
لأنَّها علوم تُسبِّب الكبر والعجب والغرور لدارسها لما يحصل له من قوَّة الحجَّة، ولما فيها من انحرافات فكريَّة وعقائديَّة قد تصل بالمرء إلى حدٍّ لا يُقبل، وفيه إشغال للعقل عن الأولى من الفهم والتَّدبُّر والتَّبصُّر في الكون والنَّصِّ الشَّرعيِّ، وفيه تعريض الإيمان للشُّبه والشُّكوك بسبب ما يُطالعه المرء من شبهات وردود ومناظرات قد تثبت في قلبه فيهلك؛ وبهذا القول دان الشَّافعيُّ، ونصَّ عليه من أصحابه إمام الحرمين، والغزاليُّ في آخر أمره، وابن الصَّباغ، وابن القشيريِّ، ونصر المقدسيِّ، والعماد بن يونس، وحفيده، والسِّلفيُّ، وابن بندار، وابن عساكر، وابن الأثير، وابن الصَّلاح، وابن عبدالسَّلام، وأبو شامة، والنَّوويُّ، وابن دقيق العيد، والبرهان الجعبريُّ، وأبو حيان، والشَّرف الدِّمياطيُّ، والذَّهبيُّ، والطِّيبيُّ، والملَّويُّ، والأسنويُّ، والأذرعيُّ، والوليُّ العراقيُّ، والشَّرف بن المقري، وأفتى به قاضي القُضاة شرف الدِّين المناويُّ، ونصَّ عليه من أئمَّة المالكيَّة ابن أبي زيد القيروانيُّ، والقاضي أبو بكر بن العربيِّ، وأبو بكر الطرطوشيُّ، وأبو الوليد الباجيُّ، وأبو طالب المكيُّ، وأبو الحسن بن الحصَّار، وأبو عامر بن الرَّبيع، وأبو الحسن بن حبيب، وأبو حبيب المالقيُّ، وابن المنير، وابن رشد، وابن أبي جمرة، وعامَّة أهل المغرب، ونصَّ عليه من أئمَّة الحنفيَّة أبو سعيد السَّيرافيُّ، والسِّراج القزوينيُّ، وألَّف في ذمِّه كتابًا سمَّاه: (نصيحة المسلم المشفق لمن ابتلي بحبِّ علم المنطق) ونصَّ عليه من أئمَّة الحنابلة ابن الجوزيِّ، وسعد الدِّين الحارثيُّ، والتَّقيُّ ابن تيمية، وألَّف في ذمِّه ونقض قواعده مجلدًا كبيرًا سمَّاه: (نصيحة ذوي الأيمان في الرَّدِّ على منطق اليونان) قال الُّسيوطيُّ رحمه الله: "فنُّ المنطق فنٌّ خبيث مذموم، يُحرم الاشتغال به، مبنيٌّ بعض ما فيه على القول بالهيوليِّ الَّذي هو كفر، يجرُّ إلى الفلسفة والزَّندقة، وليس له ثمرة دينيَّة أصلًا، بل ولا دنيويَّة، نصَّ على مجموع ما ذكرته أئمَّة الدِّين، وعلماء الشَّريعة" [1]
الثَّاني: الاستحباب:
لما ينتج عن معرفته من قوَّة الحجَّة الَّتي تُفيد العالم وتقوِّي ملكاته وقدراته الفكريَّة والخطابيّة، وبهذا قال الآمديُّ، والبيضاويُّ، وابن الحاجب، وغيرهم؛ قال الغزاليُّ رحمه الله: "هذه المقدِّمة من جملة علم الأصول ولا من مقدِّماته الخاصَّة به، بل هي مقدِّمة العلوم كلِّها، ومن لا يُحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلًا" [2]
الثَّالث: التَّفصيل في الحكم:
بالنَّظر في حال الدَّارس؛ فإذا كان من العلماء أو طلَّاب العلم النُّبهاء، الَّذين ثبتت أقدامهم في دراسة العقيدة، وأصبحوا قادرين على التَّفرقة بين الغثِّ والسَّمين، والصَّحيح والسَّقيم، والزَّين والشَّين، فلا مانع من دراسة ما يحتاجه من علوم المنطق والفلسفة ممَّا يُساعده على الرَّدِّ على المنحرفين والمشكِّكين في الشَّريعة بأسلوب يتوافق مع أسلوب تفكيرهم ومنطقهم؛ فهذا أبلغ في حصول القناعة، وأقوى في صدِّ هجمات الفسدة، وأمَّا من لم يكن متمكِّنًا من العلم معرفة وتطبيقًا، ولم يصل إلى حدِّ الحصانة المعرفيَّة والإيمانيَّة فلا يجوز له أن يقربه؛ لما يترتَّب على ذلك من المفاسد العظيمة الَّتي تعود على الفرد والمجتمع من آثار دراسته ومطالعته لهذه العلوم؛ "ينبغي أن يقدِّم على ذلك الاشتغال بالقرآن والسُّنَّة والفقه حتَّى يتروَّى منها ويرسِّخ في ذهنه الاعتقادات الصَّحيحة وتعظيم الشَّريعة وعلمائها وتنقيص الفلسفة وعلمائها بالنِّسبة إلى الاعتقادات الإسلاميَّة، فإذا رسخ قدمه في ذلك وعلم من نفسه صحَّة الذِّهن بحيث لا تتروَّج عليه الشُّبهة على الدَّليل، ووجد شيخًا ديِّنًا ناصحًا حسن العقيدة، أو من ليس كذلك لكنَّه لا يركن إلى قوله في العقائد، فحينئذ يجوز له الاشتغال بالمنطق وينتفع به ويعينه على العلوم الإسلاميَّة وغيرها، وهو من أحسن العلوم وأنفعها في كلِّ بحث وليس في المنطق بمجرَّده أصلًا" [3]
الخلاصة:
يجوز للعالم المتمكِّن من العلم والمعرفة العقليَّة والإيمانيَّة الَّذي لا يخشى على نفسه الافتتان دراسة هذا العلم بُغية الانتفاع به في مجال المناظرات وتقرير عقيدة الإسلام، والصَّدِّ عن حياض الشَّريعة المباركة، وأمَّا من لم يجد في نفسه القدرة على تحمُّل الشُّبهات الَّتي ترويها الكتب وينسجها الكتَّاب، فلا ينبغي أن يُقحم نفسه في هذا الطَّريق؛ لأنَّه قد يقع في الفتنة والشُّبهة ولا يتمكَّن من الرُّجوع مرَّة أخرى.