وثيقة التَّعليم القرآنيِّ المستمرِّ
{وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ}
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده.
وبعد: فإنَّ التَّعليم القرآنيَّ مهمَّة جليلة تستغرق الحياة كلَّها؛ فلا ينتهي زمان التَّعلُّم، ولا يبلغ منتهى القرآن الكريم متعلِّم، ولا يشبع منه مستمع أو متكلِّم، والمسلم معه بين ازدياد في أوقات الفراغ، وتوسُّط في أوقات القدرة، وفتور في أوقات العجز، لكنَّه لا ينقطع عنه البتة؛ لأنَّه مَعين القلب، وغذاء الرُّوح، ومداد النَّفس، ودستور الحياة، ولا يعيش المسلم السَّويُّ بدونه، والبعد عنه = بعد عن التَّوفيق والخير والنُّور، وغرق في الخذلان والشَّرِّ والظَّلام، من هنا حرص العقلاء الصَّالحون في كلِّ زمان ومكان على التَّمسُّك والتَّمسيك بالقرآن الكريم؛ قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ} [الأعراف: 170]
وإنَّ القلب ليسعد ويطرب وينتشي بإقبال النَّشء والفتية على مائدة القرآن الكريم في الإجازات الصَّيفيَّة التي يتفرَّغون فيها من أعباء الدِّراسة والمدارس وما يترتَّب عليها من التَّكاليف والأعمال في فترات الدِّراسة، وفيها يرتبطون بالقرآن العظيم ارتباط حفظ ومراجعة وفهم وإدراك وتدبُّر، وتُجرى لهم النَّشاطاتُ التَّعليميَّةُ القرآنيَّةُ التي تهدُف إلى إحياء الجيل بالقرآن الكريم، فتفرح قلوبُ أهل الإيمان، وتحزن الحجارةُ التي في صدور أهل الكفران، فيسعون بكلِّ طاقتهم لصرف النَّشء عن منابع سقاء الرُّوح بالشَّواغل والصَّوارف التي يستحدثونها ويبذلون في ترويجها في الجيل الغالي والنَّفيس من أجل إبعادهم عن طريق الإيمان والقرآن، ويكون ذلك في صورة صناعة مضمون وسائل التَّواصل الاجتماعيَّة، أو إصدار الألعاب الالكترونيَّة المجَّانيَّة، أو إقامة المسابقات التَّافهة الوهميَّة، أو الاشتغال بالموادِّ الدِّراسيَّة الخالية من النَّفع في الواقع أو أسواق العمل المستقبليَّة، ويُسخِّرون في سبيل ذلك الطَّائل من الأموال، ويعلمون على استغلال الوزارات المعنيَّة بالتَّعليم والقيادة لإثقال كاهل النَّشء وأسرهم وكلِّ من له بهم قرابة عن طريق تثقيل الموادِّ المدروسة وتشعيبها لإهلاك الوقت والجهد والمال، ويظلُّ جهاد النَّفس فيصلًا بين من سقط ومن ارتقى، ويُعين على الارتقاء أن يزرع المرء نفسه في بيئة إيمانيَّة محفِّزة تضمن له الثَّبات الذي يتحقَّق معه الارتقاء والتَّرقِّي.
إنَّ ما يقع في البيئات التَّعليميَّة القرآنيَّة من انسحاب كثير من الدَّارسين مع دخول موسم المدارس النِّظاميَّة خطر كبير يُهدِّد التَّحصيل القرآنيَّ والإيمانيَّ الذي تحقَّق في موسم الإجازة؛ لأنَّ الانسحاب = انقطاع عن إلزاميَّة الارتباط القرآنيِّ اليوميِّ، فتمرُّ الأيَّام على الطُّلَّاب وهم في غاية الانصراف عن المصحف الشَّريف، فلا يُراجع ما حفظ فينسى، ولا يحفظ الجديد فلا يرتقي، وهذان ركنا الانحدار والانتكاسة: (فقد رأس المال - جمود المستوى وتوقُّف الحال).
وحرصًا على هذا الجيل المسكين من تبديد الجهود، وضياع المجهود، وفقد الموجود، وانهيار موروث الجدود، وتسلُّط اليهود، فهذا اقتراح أُقدِّمه بين يدي كلِّ معنيٍّ بأمر القرآن الكريم من معلِّم عظيم، أو متعلِّم كريم، أو وليِّ أمر يسعى للتَّقويم، وهو يقوم على ثلاثة أركان:
الرُّكن الأوَّل: ديمومة الوصال: عن طريق الاستمرار في العمليَّة لتَّعليميَّة القرآنيَّة؛ للحفاظ على المنجزات المكتسبة، مع تنمية بناء القرآن الكريم بالارتقاء والزِّيادة؛ فإنَّ التَّوقُّف يُفسد الإنجازات، ويقبر المكتسبات، وما تقدَّم متوقِّف قطُّ؛ فالتَّقدُّم في التَّحرُّك لا في السُّكون، وعلاقة المسلم بالقرآن الكريم ليست موسميَّة في أصلها، بل في فرعها؛ بمعنى أنَّها تزيد في مواسم الإيمان الزَّمانيَّة كرمضان، والمكانيَّة كالحرمين الشَّريفين، والفراغ كالإجازات الأسبوعيَّة والسَّنويَّة، ولكنَّها لا تنقطع في غير الموسم، بل تستمرُّ بما يناسب الظُّروف والمواقف، وهذا دليل الصِّدق في طلب القرآن الكريم.
الرُّكن الثَّاني: تخفيف الأحمال: عن طريق تقليل عدد ساعات العمل القرآنيِّ، أو تقليص عدد أيَّامه الأسبوعيَّة، مع تخيف مقدار الجديد ليتناسب مع الدَّراسة؛ كأن يدرس الطَّالب ثلاثة أيَّام أسبوعيًّا بدلًا من خمسة أيَّام، ويحضُرَ ساعةً يعرض مقرَّراته من جديد وقريب وبعيد بدلًا من الانتظار والتَّربُّص الذي يحول بينه وبين أعماله المدرسيَّة، ويحفظَ نصف وجه في الحصَّة بدلًا من وجه كامل، ويعرض نصف جزء في المراجعات بدلًا من جزء كامل؛ فالاستمرار مع تقليل الأوراد والأيَّام والأزمان خير من الانقطاع؛ فالوصل خير من فراق جنَّات وبساتين القرآن الكريم.
الرُّكن الثَّالث: جمع الأعمال: عن طريق التَّكيُّف والتَّعايش مع نظام العمل في أوقات الموسم المدرسيِّ؛ لنجمع بين المركز القرآنيِّ والمدرسة التَّعليميَّة من غير تغليب أحدهما على الآخر؛ فالجمع أولى من الإهمال إذا أمكن، وهو ممكن بدليل واقع الحفَّاظ الذين جمعوا بين دراساتهم المتعدِّدة في وقت واحد عن طريق التَّحفيز والدَّفع والدَّعم النَّفسيِّ والإرشاد الأُسريِّ والمجتمعيِّ والبيئيِّ، وإكمال الطَّالب في ميادين الدِّراسة بجانبيها الدِّينيِّ والدُّنيويِّ خير له من إهمال جانب لحساب جانب آخر.
وهذا جدول لبيان ما تقدَّم:
م | أيَّام العمل | مقرَّر الجديد | مقرَّر المراجعات |
1 | السَّبت والاثنين والأربعاء | نصف وجه | نصف جزء |
2 | الأحد والثُّلاثاء والخميس | نصف وجه | نصف جزء |
3 | مدرسة الجمعة يحضرها جميع الطُّلَّاب للتَّربية والتَّوجيه | ||
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين