الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تنبيه الأنام

إلى حكم الوقوف في آية النَّصر والانتقام

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

سؤال:

وبعد: فقد وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: ما وجه الوقف على قوله تعالى: {فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا} والابتداء بقوله: {عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ}؟

وللجواب أقول:

للوقف دلالة معنويَّة جُوِّز على إثرها الوقف على كلمة: {حَقًّا} والبدء بكلمة: {عَلَيۡنَا} وخلاصة الكلام في هذه الجملة القرآنية أنَّ العلماء نظروا إلى التَّركيبة الإعرابيَّة للجملة باعتبارين:

الأوَّل: اعتبار اسم كان مضمرًا وخبرها ما بعده، فتكتمل الجملة لفظًا وتتعلَّق معنًى، ويكون الوقف عليه كافيًا، والمعنى: وكان انتقامنا من المجرمين حقًّا لا يتخلَّف، ومقصد الجملة على هذا الوقف تهديد المجرمين وتخويف الكافرين بالإشارة إلى وجوب الانتقام منهم، مع البدء بما يُشار به إلى وجوب نصر الله تعالى للمؤمنين.

الثَّاني: اعتبار: {حَقًّا} خبر كان مقدَّمًا على اسمها، وهو : {نَصۡرُ}، فالجملة غير مكتملة المعنى بالوقف على الخبر المقدَّم؛ لأنَّهما من المتعلِّقات اللَّفظيَّة التي لا يتمُّ معنى جزأيها إلَّا بوصلهما، وعليه يكون الوقف ناقصًا غيرَ مكتمل الأركان، وهو من أمثلة الوقف الحسن الذي يجوز الوقف عليه، ويعود القارئ ليُتمِّم المعنى بالوصل، والمعنى: "وكان..... حقًّا" فلم يظهر المعنى المراد بمجرَّد الوقف، ومقصد الجملة على هذا الوقف تسلية المؤمنين بالإشارة إلى وجوب نصرهم، وعدم تخلُّف النَّصر المستحقِّ لأهل الحقِّ وإن كانوا ضعافًا، وهذا جانب مثوبة.

والمعنيان المترتِّبان على الوقف والوصل صحيحان كما هو ظاهر من البيان السَّابق، وقد جوَّز أئمَّة الوقف والابتداء الوقف والوصل، واعتبروا الوصل هو الأصل، ولم يمنعوا من الوقف للإشارة إلى ما ترتَّب عليه؛ قال ابن الأنباريِّ (ت: 328ه) رحمه الله: "الاختيار يكون النَّصر اسم كان، و: الحقّ خبر كان، و: على متعلِّقة بـ: الحقّ، كأنَّه قال: "وكان نصر المؤمنين حقًا علينا" ويجوز أن تُضمِر في كان اسمها، وتنصب الحقّ على الخبر، فترفع النَّصر بـ: على، كأنَّك قلت: "فانتقمنا من الذين أجرموا وكان انتقامنا حقًا" فيحسن الوقف ههنا، ثمَّ تبتدئ: {عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} أي: إنَّ علينا أن ننصر المؤمنين بالانتقام من أعدائهم وهم الذين أجرموا، ومن الوجه الأوَّل لا يحسن الوقف على: الحقِّ، ويتمُّ الكلام على المؤمنين" [1]

والأمانة العلميَّة

وللأمانة العلميَّة فقد عدَّه الإمام ابن الجزريِّ (ت: 833ه) رحمه الله من الوقوف الفاسدة بالتَّكلُّف؛ لما فيه من اعتماد وجه قائم على التَّأويل، والوجه الأوجه على خلافه، مشيرًا إلى أهمِّيَّة تحرير الوقف ببنائه على المعنى الأكمل، والوجه الأوجه، وليس مجرَّد تأويل يُخالف السِّياق وأصل المعنى [2]؛ قال في النَّشر: "ليس كلُّ ما يتعسَّفه بعض المعربين، أو يتكلَّفه بعض القرَّاء، أو يتأوَّله بعض أهل الأهواء ممَّا يقتضي وقفًا وابتداءً ينبغي أن يُتعمد الوقفُ عليه، بل ينبغي تحرِّي المعنى الأتمِّ والوقف الأوجه؛ وذلك نحو الوقف على... {فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا} ويبتدأ: {عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} بمعنى واجب أو لازم" [3]

ويمكن القول:

إنَّ الوجهين جائزان لعلَّة احتماليَّة الأوجه الإعرابيَّة مع سلامة ما ترتَّب عليها من المعاني التي لا تتعارض مع المراد، فمن وقف لا يُلام، ومن هو وصل في الإمام؛ لقوَّة الوصل وأصالة المعنى [4]، ويمكن التَّنويع بينهما في قراءة المحاريب للإفادة الجماهير بمضمون كلِّ وقف، ويحسن تدريب الطُّلَّاب عليه في ختمات الإجازة والإقراء، ولا تعارض بين هذا وبين كلام الإمام الكبير أبي الخير ابن الجزريِّ رحمه الله؛ لأنَّ يُشير إلى الوجه الأكمل في الآية، ولا يُمنع الوجه الآخر؛ لموافقته لوجه من أوجه العربيَّة ترتَّب عليه وجه في المعنى غير مردود [5].

هذا والله أعلم، وهو أعزُّ وأكرم

والحمد لله ربِّ العالمين

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله