حكم من تطوَّع بشيء بغير إّن الوكيل
سؤال:
رجل يعمل في الخير، طلب منه أهل قرية أن يُجهِّز لهم مكانًا لصلاة العيد، فسأل بعض أهل المال فقالوا له أمهلنا حتى نسأل، ولكنَّ أهل القرية تعجَّلوه فأعطاهم من عنده 20 ألفًا؛ اعتمادًا على شبه يقينه أن يُجيبه أهل المال لطلبه، وعلى أمل أن يأخذهم من أهل المال حين يردُّون عليه ويتبرَّعون، ولكنَّهم رفضوا المشاركة بحجَّة قلَّة نفعه، مع كثرة أبواب النَّفع العامِّ الأخرى؛ فمن الذي يتحمَّل هذا المال؟
وللجواب أقول:
بهذه الصَّورة الواردة في السُّؤال فقد تعجَّل صاحبكم في الإنفاق من المال الذي عنده دون جزم أو قطع أو توكيل أو تفويض من صاحبه الذي طالبه بالمشاركة؛ وعليه فإنَّه يتحمَّل المال الذي أنفقه إذا كان له، ويضمنه إن كان للغير؛ فمن تطوَّع بعمل من غير إذن أو توكيل، فهو على نفسه لا على غيره، إلَّا أن يكون مأذونًا له ولو بوعد.
وطالما أنَّ المتصدِّق الذي كان يُرجى نوالُه لم يعد، ولم يجزم بالعطاء فلا يلزمه ضمان أو مشاركة، فليس في المعروف إكراه أو ضمان ما لم يتحمَّل أو يضمن، فلو قيل: "أنفق وأنا أُشارك أو أغطِّي النَّفقات" ضمن القائل وغرم، وهذا لم يحصل في هذا الحال.
وهو حينئذ بالخيار بين أمور:
الأوَّل: أن يحتسب المال عند الله كصدقة له، ويضمن المال بدفعه لأصحابه إن كان على سبيل السُّلفة أو الأمانة.
الثَّاني: أن يُصارح أهل القرية المتعجِّلين له بالأمر ويطالبهم بجمع ما دفعه كمشاركات منهم، ثمَّ يأخذه بعلمهم في مقابل ما دفع، وتكون المعاملة من باب استرداد ما يمكن أن يكون في حكم الإقراض الحسن.
الثَّالث: أن يجمع من أهل الخير مالًا تحت ذات البند الذي أنفق فيه المال، ثمَّ يأخذ ما جمعه من مال في مقابل ما بذله، ويكون العمل للمنفقين المتصدِّقين لا له.
ومن هنا يجب أن نتعلَّم أمورًا:
1 - الوسيط في الخير لا يتعجَّل في تحمُّل شيء ما لم يُعط الضَّمانات الكافية، ولا تحمله عجلة المحتاج على المبادرة ما لم يكن تحت يده ما يعتمد عليه.
2 - اختيار الإنفاق وتوجيهه في الأعمال العامَّة التي يتعدَّى نفعها إلى أكبر عدد ممكن من النَّاس، وترك الأعمال الفئويَّة أو المفردة أو ضعيفة الأثر والاستعمال.
3 - أمثال هذه المشروعات يحسن بأهل القرية أن يتحمَّلوها بجهودهم الذَّاتيَّة، وأموالهم الخاصَّة؛ فهم المنتفعون المستفيدون، فالغُرم بالغنم، ولو أخرج أغنياء كلِّ قرية الصَّدقة والزَّكاة فيها لاستغنت عن خارجها.
4 - جهود المؤسَّسات الخيريَّة تحتاج إلى رقابة من أهل العلم والدِّيانة لضبط الوارد والصَّادر؛ لحفظ مال المنفقين، ووضع المال في يد المستحقِّين، وإيقاف نزيف المجاملات والمحسوبيَّة أو الإحراج ووضع المال في شيء تحت سيف الحياء.
والله أعلم وأحكم، وهو أعزُّ وأكرم