الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أهمِّيَّة القراءة والاطِّلاع والمذاكرة

إنَّ القراءة للحيِّ العاقل مادَّة غذاء العقل والنَّفس، فإنَّ الأموات والمجانين لا يقرءون، والقراءة الرَّشيدة الصِّحِّيَّة التَّخصُّصيَّة تصنع الفوارق بين النَّاس، فربَّما صنعت فارقًا بين الأتراب والأقران فجعلت أحدهما أكبر من الآخر معرفيًّا بنحو 100 سنة، فالعناية بالقراءة البنائيَّة تبني في المرء العقل ويُغذِّيه بما يجعله في نشاط وتجدُّد وارتقاء، والاهتمام بها من الأفراد والمجتمعات ينقلهم إلى مرحلة مُتقدِّمة من التَّقدُّم الثَّقافيِّ والمعرفيِّ، والذي تنعكس آثاره على حياتهم وتطوُّرهم في كافَّة جوانب الحياة، ولا يهمل القراءة أحد إلَّا تراجع القهقرى وانحدر إلى القاع الأهوى؛ فإنَّ القراءة تنقل للمرء من المعارف والمعلومات ما يتحقَّق له به إدراك الماضي، وفهم الحاضر، واستشراف المستقبل، فهي بمثابة مصباح كاشف يُضيء للمرء طريق الوراء والأمام والمسير، فتتَّضح له معالم الطَّريق بما يجعله مُنتفعًا من عبر الماضي، ومبصرًا بما يفعله في الحاضر، ومُبدعًا في الاستعداد للمستقبل، فلا يزهد في القراءة عاقل حيٌّ.

القراءة عماد العلوم والمعارف

إنَّ القراءة البنائيَّة هي التي تبني في القارئ القيم الأخلاقيَّة، والمعارف السُّلوكيَّة، والمعاني الإيمانيَّة، والثَّوابت التَّربويَّة، والدَّقائق العلميَّة، وترتقي به من دركات الجهل إلى أعلى درجات العلم، فاجعلوا قراءتكم للعلوم والمعارف منهجيَّة لا همجيَّة، وتنظيميَّة لا عشوائيَّة، وتدرُّجيَّة لا تهوُّريَّة، وتعمُّقيَّة لا سطحيَّة، ومشيخيَّة لا ذاتيَّة، فإنَّ من سلك طريق العلم بصحبة عالم انتفع في الزَّمن اليسير بما لا ينتفع به غيره في الزَّمن الطَّويل؛ فالقراءة بإشراف الشَّيخ العليم المربِّي فيها نفع وفهم وحسن إدراك يعقبه جميل استنباط واستدراك، وأمَّا القراءة الذَّاتيَّة للمبتدئين فمجازفة ولا تؤمَن عليهم مثالب القراءة: من سوء الفهم، ونقص الإدراك، وفساد التَّأويل، وسبق العين، وسقوط الأسطر، وركاكة التَّعبير، وضعف الانتفاع؛ فلازموا العلماء الرَّبَّانيِّين الصَّالحين وسيروا على منهجهم في التَّحصيل والقراءة والاطِّلاع.

مكتسبات القراءة

إنَّ الاطِّلاع على الكتب والثَّقافات من خلال القراءة يُكسب القارئ سعة الأفق، وغزارة المعلومات، وتدفُّق الفوائد، وسلاسة القراءة، وسلامة التَّعبير، ويسر الفهم، وقوَّة الملاحظة، ودقَّة الاستنباط، ورقَّة الطَّبع، وحسن السَّجع، والإحاطة بالمقروء، والتَّلذُّذ بالمعرفة، وذوق طعم العلوم، واستغلال الأوقات، وتوجيه الجهود، وفهم الواقع، والاتِّصال بالسَّابقين، ومعايشة مراحل تطوُّر العلم، واكتساب القدرات والمهارات، والانفتاح على تجارب الحضارات، وتغذية العقل، والارتقاء بالقلب، والتَّمكُّن من أسباب العزِّ والسِّيادة، والبعد عن الهامشيَّة الحياتيَّة، ووضع بصمة متميِّزة على صفحات التَّاريخ، وتحصيل الأجور بطلب الخير والاشتغال به، والسَّير في طريق الصَّالحين في كلِّ زمان ومكان، والمشاركة في صناعة مجد الأمَّة، والوقوف على ما ينفع الآخرين بتعليمهم ورفع الجهل عنهم أو إفتائهم وحسن توجيههم، التَّميُّز عن الآخرين بدرجة من درجات التَّميُّز؛ فالعاقل هو من يحرص على الاطِّلاع وبناء الثَّقافة، وضدُّه لا يُبالي.

أهمِّيَّة المراجعة بعد التَّحصيل

إذا قرأتم فأدركوا قيمة المذاكرة وأثرها، واعرفوا فضلها وأجرها؛ فإنَّ العلوم والمعارف عسيرة في تحصيلها، أعسر في المحافظة عليها، ولا سبيل للاحتفاظ بالمحفوظات والمعلومات إلَّا بالمذاكرة المتواصلة وِفق منهجيَّة علميَّة وإداريَّة تدخل حيَّز التَّنفيذ الجادِّ، وبالمذاكرة تدخل المعلومات دائرة الانتفاع بها؛ فإنَّ العلم لايزال غريبًا بعيدًا حتى يُؤلف بالنَّظر المتتابع، فإذا لازم المرء النَّظر فيه انتفع ببركة صحبته، وفُتحت له خزائن المعرفة التي لم تتحقَّق له وقت التَّحصيل الأوَّل، ومن تعجَّل فهجر النَّظر وعطَّل المذاكرة لم يكن له حظٌّ من الانتفاع والارتفاع، فاذكروا ما ذكرته لكم.

أهمِّيَّة الحفظ والاستيعاب

إنَّ من أعظم وسائل الانتفاع بالمقروء تكراره على وجه الحفظ والاستظهار للنُّصوص النَّقليَّة التي يعظم أثر نقلها بألفاظها ولا يحسن التَّصرُّف فيها بالمعنى أو الاختصار أو التَّقريب، أو على وجه الفهم والإحاطة بالمضمون والمعنى ممَّا يُسهِّل على القارئ تذكُّر الإجمال لصناعة المحتوى الخاصِّ به عند شرحه وتحليله وتسليط الضَّوء عليه، وهذا في جانب المعلومات التي يشقُّ حفظها أو لا يلزم استيعاب الفاظها بل يكفي مضمونها، فلا تقرؤوا قراءة عبور وتجاوز وانتهاء، بل قراءة سبر وتريُّث وارتقاء؛ فاحفظوا ما يحتاج إلى حفظ من أصل أو نصوص أو نُقول أو اقتباسات، وافهموا كلَّ ما تمرُّون عليه من ألفاظ وشروح وكلمات، بذلك تتحقَّق ثمرة القراءة، وإلَّا فلا وألف لا.

القراءة والثَّقافة فرق بين الأمم

إنَّ الأمَّة التي لا تقرأ= أمَّة جاهلة محكوم عليها بالتَّراجع والتَّخلُّف والانحدار؛ لأنَّ القراءة أوَّل مقياس الارتقاء، فإذا عجزت الأمَّة أو المجتمع عن القيام بأوَّله فهي عن بقيَّته أعجز، ومًن عجز عن الارتقاء لم يقف في مرحلة متوسِّطة بين الارتقاء والانحدار؛ فلا ثبات لواقف، فمن لم يتقدَّم كان متأخِّرًا منحدرًا بسرعة تحدِّدها القرائن التي تحتفُّ بواقعه وبيئته وذاته؛ قال الله تعالى: {وَقُلِ ‌ٱلۡحَقُّ ‌مِن ‌رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ} [الكهف: 29] وقال الله تعالى: {لِمَن ‌شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 37] فليس أمام الأفراد والمجتمعات إلَّا الأخذ بأسباب التَّقدُّم، أو الخمول والكسل والعجز عن بلوغ قمَّته، فإذا سلكوا طرق الارتقاء ارتقوا، وإذا أخذوا بحظوظ النَّفس أوبقوا، وقد حثَّنا القرآن الكريم على القراءة ومواصلة التَّقدُّم لئلَّا تتراجع الأمَّة؛ قال الله تعالى: {يَٰيَحۡيَىٰ ‌خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا} [مريم: 12] وقال الله تعالى: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ‌ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ} [العلق: 1-4] فجدُّوا يا بنيَّ في القراءة والمطالعة والمذاكرة بنيَّة صالحة تعزمون فيها على طاعة ربِّكم، وإفادة أنفسكم، ونفع مجتمعكم، والارتقاء بأمَّتكم، وتلك والله نيَّة الإحسان.

وصايا لكلِّ ذي لبٍّ

إذا قرأتم فتمهَّلوا، ثمَّ افهموا، ثمَّ اعقلوا، ثمَّ استنبطوا، ثمَّ اعملوا، ثمَّ بلِّغوا؛ فإنَّ المرء لايزال بخير إذا كان كذلك، فإن قصَّر في واحدة منها لم تتحقَّق له المنفعة الكاملة، وقد أدركتُ أُناسًا لا يقرءون، وإذا قرءوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يعملون، وإذا عملوا لا يبلِّغون، فوقع عندهم قصور في جانب أو أكثر فحُرموا لذَّة القراءة، وذهبت عنهم بركة العمل، فاتَّخذوا العبرة ممَّن سبقكم، واقتدوا بالمحسن منهم لا بالمسيء؛ فإنَّ الإساءة مذمَّة لفاعلها في الدُّنيا، ومنقصة في الآخرة.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله