الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

فنِّ إدارة الوقت

ألا اعلموا يا ليوث الإسلام أنَّ الأنفاس جواهر، وأنَّها معدودة على البالغ والقاصر، فما خرج منها محسوب على العاجز والقادر، وحال النَّاس معه لا يسرُّ السَّامع والنَّاظر، فأكثرهم له هادر، وبنفاده الكلُّ يُغادر، والموفَّق يُحافظ عليه ويُبادر.

إنِّ من أجلِّ نعم الله تعالى على عبده أن منحه أنفاسًا تخرج بسهولة، وجعل له عمرًا يبدأ من الطُّفولة إلى الكهولة، فأعقل النَّاس من أدرك قيمته على الحقيقة، واستثمر كلَّ ساعة ودقيقة، ورضي من الحياة بالعيشة الرَّقيقة، ولم يتَّخذ الشَّيطان خليلًا ولا الفاجر صديقة، وأجهل النَّاس من ضيَّعه وبدَّده، وصرفه في غير وجهه وأفسده، فصاحب المردة، وصادق أحفاد القِردة، ولم يُبالِ بانصرام الأوقات، وضياع الطَّاعات، فكونوا كالعقلاء يا بنيَّ وتنكَّبوا طرق الجهَّال، ولكم في أبيكم القدوة والمثال.

رسالة أب لأبنائه

يقول أحدهم لأبنائه: "أي بنيَّ، لقد أدركتموني منذ نعومة أظفاركم أُنفق الوقت بين الصَّلاة ومزاحمة العبَّاد، والسَّفر في تحصيل العلم من البلاد، فهجرت النَّوم والرُّقاد؛ لنشر الخير في كلِّ ناد وواد، فأدركتم جزءًا كبيرًا من رحلتي، وعايشتم أحداثها ومواقفها قبل قولتي، فتذكرون أنِّي كنت أسافر الزَّمن الطَّويل للتَّحمُّل والجمع، متنقِّلًا بين مجالس الدِّراية والرِّواية والسَّمع، فانتقلت في البلاد أجوب قُراها، وأنزل بكِفارها ونجوعها ورُباها، حتى تجمَّع لي من الشُّيوخ عدد غير محصور، هم في كلِّ فنٍّ ليثه الهصور، ويحياه الحصور، فقوَّتهم كالصُّقور، وعلمهم كالبحور، وعبادتهم كمشاعل النُّور، فأخذت عنهم حتى قدَّموني، ونقلت عنهم حتى عمَّدوني، فتفرَّغت ردحًا من الزَّمن للتَّعليم والنَّشر، فكنت أجلس في الحلقات بالسَّاعات العشر، وربَّما تضاعف في الأسبوع إلى عَشر بعدها عَشر، فبلَّغ الله تعالى عن طريق عُبيده من درر العلوم ودقيق الفهوم ما أنطق المكتوم، وأبرأ المكلوم، وأسعد المحروم، ثمَّ رأيتموني توجَّهت إلى الكتابة والتَّأليف، والتَّحرير والتَّصنيف حتى كتبت نحو مئة كتاب قبل سنِّ الأربعين، والمنَّة في ذلك لله ربِّ العالمين.

ثمَّ كان من نِعم الله تعالى على أبيكم أن جعل عمله وقوته في الدَّعوة والتَّعليم؛ فكنت قبل الخامسة عشرة أعلِّم النَّاس القرآن الكريم، ثمَّ ارتقيتُ إلى التَّدريس في الأزهر الشَّريف قبل سنِّ العشرين، فكنتُ معلِّمًا وطالبًا فيه لسنين، حتى تخرَّجت في الكلِّيَّة وكنت من أوائل المتخرِّجبن، فخيِّرت بين وظائف الجهاز الإداريِّ للمصريِّين، فاختار الله تعالى لي الخير بالدَّعوة ونشر الدِّين".

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله