الحلال بيِّن والحرام بيِّن
إنَّ الله تعالى قد حرَّم الحرام، وأحلَّ الحلال؛ فحرَّم الرِّبا، وأحلَّ البيع؛ لذا حرص الصَّالحون من المسلمين على مدى الزَّمن على المرابحة المشروعة، والتِّجارة غير الممنوعة، لكنَّ النَّاظر في حال كثير من التًّجَّار يرى أنَّهم قد أحدثوا كثيرًا من المخالفات التي تتنافى مع مشروعيَّة التِّجارة، وإني أومن إيمانا تتزلزل الجبال الشوامخ ولا يتزلزل أن كلَّ بلية يحياها النَّاس الآن في زماننا نتجت عن معاملة محرَّمة؛ كالرِّبا، والغشِّ، والنَّهب، والسَّرقة، والرِّشوة، وأكل أموال النَّاس بالباطل، وأكل أموال اليتامى ظلمًا، ونحو هذا من المعاملات المحرَّمة.
أهمِّيَّة إصلاح التِّجارة
ويجب على كلِّ مصلح أن يهتمَّ بتصحيح مسار التِّجارة، والمرابحة المشروعة بعد أن أساء النَّاس استخدامها، وتوجيهها، فإنَّ الأمم تُبنى بصلاح دينها عن طريق إقامة الدِّين، وصلاح دنياها عن طريق قوَّتها الاقتصاديَّة التي لا تجعلها لقمة سائغة في فم عدوِّها، وتضمن لأفرادها العيشة الكريمة.
الحياة كلُّها لله تعالى
ومن عظمة هذا الدِّين أنَّ دُنيا أتباعه متعلِّقة بآخرتهم؛ فلا يصحُّ أن يبني دُنياه على حساب آخرته، بل يسعى لإقامة الدُّنيا عن طريق تطويعها لمراد الدِّين، وسلطان الإيمان؛ فلا يُقبل من صاحبه تجارة ولا بيع بصورة مخالفة لنصوصه، ومناهضة لأحكامه؛ لذا حدَّد الإسلام كلَّ معالم التِّجارة المشروعة، وبين لأتباعه طريق الحلال، وطريق الحرام، ودعاهم إلى اتِّقاء الشُّبهات التي تقع بين الحلال والحرام؛ لأنَّ في اتِّقائه إيَّاها طلبًا للسَّلامة في الدِّين والدُّنيا؛ فالورع عن الحرام يقتضي ترك تسعة أعشار الحلال خشية أن يكون من الحرام.
أخلاق التُّجَّار
فالزُّهد في الحرام= طاعة، والطَّمع في الحلال= طاعة، ومن أعظم سمات التُّجَّار في الإسلام أنَّهم يتمتَّعون بأخلاق دينهم؛ فيتحلَّون بالصِّدق، والأمانة، والوفاء، والرَّحمة، وكلِّ صفة صالحة، ويبتعدون عن الكذب، والخيانة، والغدر، والجشع، وكلِّ صفة سيِّئة؛ لذا فإنَّ انتشار الإسلام في حقبة تاريخيَّة في أرجاء المعمورة كان بسبب أخلاق التُّجَّار المسلمين.
وقد حثَّ الإسلام أتباعه على تحرِّي الصِّدق والأمانة في كلِّ شيء، وفي معاملة النَّاس خاصَّة؛ فإنَّ الكذب لا يجرُّ على صاحبه إلَّا البلاء؛ فقد قال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ الصِّدقَ يهدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَ يهدِي إلى الجنَّةِ، وإنَّ الرَّجلَ ليَصدُقُ حتَّى يكونَ صِدِيقًا، وإنَّ الكذبَ يهدِي إلى الفُجورِ، وإنَّ الفُجورَ يهدِي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجلَ ليَكذِبُ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ كذَّابًا» [1]
(1) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الأدب) باب: (قول الله تعالى: يا أيها الَّذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) برقم: (6094) ومسلم في صحيحه، كتاب: (البرِّ والصِّلة والآداب) باب: (قبح الكذب، وحسن الصِّدق وفضلة) برقم: (2607).