الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أسباب هلاك قوم لوط مقارنة بحال زماننا

إنَّ المتدبِّر للآيات المتعرِّضة بالذِّكر لقصَّة قوم لوط عليه السَّلام يرى بجلاء أنَّ سبب هلاكهم يكمن فيما يلي:

1 - انفرادهم عمَّن سبقهم بفعل فاحشة جديدة من نوعها لم يعتد عليها النَّاس؛ قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80] وهذا يعني أن كل من تبعهم على فعلتهم في ميزان سيئاتهم؛ لأنهم أول من سنوها؛ وفي الصحيحين قال النبي ﷺ: «لا تُقتل نفس ظلمًا إلَّا كان على ابن آدم الأوَّل كفل من دمها؛ لأنَّه أوَّل من سنَّ القتل» وعند مسلم من حديث جرير رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيِّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فمن عصى الله تعالى بمعصية لم يُسبق إليها ثمَّ لم يتب منها فعليه نصيب من وزر من عمل بها.

وفي زماننا: انتشر التَّبرُّج بصورة سافرة لم يُسبق إليها؛ حيث تعرَّت النِّساء في زماننا بصورة كاملة، بينما لم يحصل هذا حتى في زمن الجاهليَّة الأولى؛ حيث كانت قمَّة التبرج = إخراج المرأة خصلة من شعرها!

2 - عدوانهم في المعصية ومجاوزتهم الحدود العرفيَّة والنفسيَّة والذَّوق البشريَّ؛ فإنَّ المركوز في النَّفس أنَّ الجنس لا يميل إلى نفسه، بل يميل إلى غيره؛ لذا كان ميل الرَّجل إلى المرأة والعكس، أمَّا قوم لوط فكانت معصيتهم مخالفة لقانون الميل الجنسيِّ، وتأنف منها النُّفوس السَّليمة، والفطر السَّويَّة المستقيمة؛ لذا قال لهم نبيُّهم عليه السَّلام: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: 165، 166]

وفي زماننا: انتشرت العلاقة المحرَّمة بين أبناء الجنس الواحد؛ فظهر السِّحاق= وهو إتيان المرأة للمرأة، وعاد اللُّواط = وهو إتيان الرَّجل للرَّجل؛ بل وقنِّنت الفاحشة باسم قانون المثليَّة، وجُوِّز زواجهما على نظر وسمع من العالم أجمع، وبإقرار من المجتمع الدَّوليِّ؛ حيث يعتبرونه من حقوق الإنسان!! فلئن هلك قوم لوط بسبب معصية اللُّواط فكيف بمن جمع مع اللُّواط السِّحاق والمثليَّة الجنسيَّة! رحماك بنا ربَّنا!.

3 - فعلهم للمعصية مع علمهم اليقينيِّ بحرمتها وقبحها؛ قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: 54] ففعل المعصية مع اليقين بالحرمة جرأة عظيمة على الله تعالى، ودلالة على فساد المرء وانحرافه؛ قال لوط عليه السَّلام: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: 30]

وفي زماننا: ازدهر التَّبرُّج وتفشَّى في المجتمعات المتديِّنة بطبعها، العالمة بالحلال والحرام، وفيها مؤسَّسات دينيَّة عالميَّة، فلا يخفى على آحاد الناس حرمة إظهار العورات والمفاتن؛ لما يؤدِّي إليه من بلاء وفاحشة.

4 - مجاهرتهم بالمعصية دون حياء أو خوف من الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: 29] أي ترتكبون في مجالسكم الأعمال المنكرة دون خوف من الله ولا حياء فيما بينكم؛ فقد فسد المجتمع كلُّه، وحينها يُهلك الله تعالى الظَّلمة ويُنجي من كان ينهى عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] وفي الصَّحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كلُّ أمتي معافى إلَّا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرة أن يعمل الرَّجل باللَّيل عملًا، ثمَّ يُصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا كذا، وقد بات يستره ربُّه ويصبح يكشف ستر الله عنه» وأخرج الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ ﷺ قال: «اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله تعالى، وليتب إلى الله تعالى، فإنَّه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» وقال ابن عباس رضي الله عنهما عن المذنب في الخلوات: "وخوفك من الرِّيح إذا حرَّكت سِترَ بابك وأنت على الذَّنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذَّنب إذا عمِلته".

وفي زماننا: نرى جرأة لا مثيل لها من كثير من الفتيات في التَّفنُّن في إبداء ما يُثير الغرائز الجنسيَّة عند الشَّباب؛ من خلال التَّمايل في المشي، والخضوع في القول، وتضييق الملابس عند مواضع الفتنة منها، بل وتعرية الجسد إلَّا قليلًا، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله!

5 - جرأتهم على الله تعالى بطلب العذاب؛ قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: 29]

وفي زماننا: تجرأ الكثير على المعصية فطلبوا العذاب طلبا ضمنيًّا؛ لعلمهم أنَّ العذاب مترتِّب على المعصية مع فعلهم لها، بل ومن العجب أنَّ فتاة مسلمة متبرِّجة في بلادنا قالت لرجل حين نصحها بالسِّتر: "لن أفعل ولو نزل الله من السَّماء" فأيُّ جرأة أعظم من هذه!

6 - فرحهم بالمعصية واستبشارهم بها قال تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الحجر: 67] أي: أهل مدينة سدوم التي كان يسكنها لوط عليه السَّلام يفرحون بإتيانهم الفاحشة، وقال سبحانه: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 78] أي يسرعون يدفع بعضهم بعضا بشدَّة فرحًا بالمعصية.

وفي زماننا: انتشت الفتيات بمظهرهنَّ، وسعين للحصول على أحدث صيحات الموضة العالميَّة وهنَّ في فرح وسعادة بادية عليهنَّ من خلال مباهاتهنَّ بأنفسهنَّ والصُّور التي ملأت وسائل التَّواصل.

7 - إصرارهم على المعصية وتماديهم في الغيِّ؛ قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] أي في غيهم وضلالهم يترددون ويتخبطون، فالفرح بالمعصية من الكبائر؛ وقد ذكر ابن حجر الهيتمي رحمه الله في كتابه (الزواجر) أن من جملة الكبائر: (فرح العبد بالمعصية، والإصرار عليها، ونسيان الله تعالى والدَّار الآخرة، والأمن من مكر الله، والاسترسال في المعاصي).

وفي زماننا: نرى إصرارًا عجيبًا على التَّبرُّج من الفتيات وأهليهنَّ حتى أُزكمت الأنوف برائحة المعاصي النَّاتجة منه، وأصبح التَّعرِّي والخلاعة حقًّا مكتسبًا بالقانون ضمن مواد وأبجديَّات حقوق الإنسان والمواطنة.

8 - بطشهم بالصَّالحين واستضعافهم؛ قال تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: 80] وقال سبحانه: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: 167]

وفي زماننا: نلحظ جميعًا استهزاء المجتمع من خلال وسائل إعلامه بكلِّ ما يمت إلى التَّديُّن بصلة؛ فيسخرون من اللِّحية، والنِّقاب، والعمامة الأزهريَّة، والله المستعان.

نتيجة المعصية على المجتمع: حين يصل النَّاس إلى تلك المرحلة في أي زمان ومكان تتبدل ثقافاتهم، وتتغير فطرهم، وتنتكس طباعهم؛ فيرون الحق باطلا والباطل حقا، وتصبح الطهارة تهمة تتوفر فيها أركان الجريمة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82] ففيها دلالة على أن ذيوع المعصية يطمس الفطر ويبدل الحقائق.

وفي زماننا: أصبح العريُّ تمدينًا، والرِّبا= اقتصادًا، والتَّمثيل السَّاقط= فنًّا ونجوميَّة، وشرب الخمر= مشروبا روحيًّا، والخيانة الزَّوجيَّة= صداقة حميميَّة، والدَّياثة= تحرُّرًا وانفتاحًا، وهدم أصول الدِّين= تنويرًا وتجديدًا، وإحياء التُّراث= تخلُّفًا ورجعيَّة، والبلطجة= أسطورة وفتوَّة، والطِّيبة= استضعافًا وخوارًا، وإلى الله المشتكى.

تهديد ووعيد: وفي ختام قصة قوم لوط عليه السَّلام في سورة هود عليه السَّلام قال تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 83] وهي رسالة تهديد ووعيد لكلِّ من سار على منوالهم من عامَّة من يأتي بعدهم؛ فإنَّ الذي أهلك قوم لوط عليه السَّلام لن يعجز عن إلحاق أشباههم في العمل بهم في الجزاء والمعاقبة؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: 10]

وفي زماننا: يجب الحذر من السَّير على طريق الهالكين؛ فمن فعل فعلهم عوقب بعقابهم، فلينتبه بنو قومي فقانون السَّماء لا يُجامل أحدا، فمن صدر منه الذَّنب استوجب العقوبة، وقد تقع العقوبة العامَّة على أهل قُطر من أقطار المسلمين إذا انتشرت الفاحشة دون تصدٍّ لها من قِبل المصلحين؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: 82] وفي الصَّحيحين من حديث أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يُبعثون على نياتهم» وفي الصَّحيحين أيضًا عن أمَّ المؤمنين زينب رضي الله عنها أنَّها قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصَّالحون؟! قال ﷺ: «نعم؛ إذا كثر الخبث».

أي عزيزي: لك أن تتخيَّل مجتمعًا تعرَّت فيه النِّساء من الحياء والملابس؛ فأُذن للمرأة بإقرار مجتمعيٍّ أن تنسلخ من حجابها وعفَّتها وحشمتها لتُظهِر عن مفاتنها أمام شباب ضُيِّق عليهم في معاشهم فعسر عليهم الحلال = الزَّواج، مع قوَّة شهوتهم التي فطرهم الله عليها، فالجنس الذَّكريُّ يميل إلى الجنس الأنثويِّ بفطرته، هل تخيَّلت مجتمعًا بهذا الحال؟!!

وصيَّة لكلِّ مسئول: إنَّ الواجب على عقلاء الأمة ومسئوليها أن يتبنَّوا إعلاء القيم والأخلاق بكلِّ وسيلة ممكنة، كلًّ مسئول يُقدِّم في موقعه من التَّوصيات والقرارات العمليَّة ما يخدم رفع راية الحياء، ويؤدِّي إلى وأد الفحشاء وعدم شيوعها؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وإن تخاذلوا عن القيام بواجبهم فلن يرحمهم التَّاريخ.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله