الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

القدس في زمن النُّبوَّة

ومن أهمِّ المراحل التي سبقت الفتح العمريَّ ما كان من جهود مضنية بُذلت في زمن النُّبوَّة، وفي عهد الخلافة البكريَّة، ثمَّ واصلت المسيرة في عهد الخلافة العمريَّة التي تحقَّق فيها الفتح، فلم يكن النَّصر واسترداد بيت المقدس وليد الخلافة العمريَّة، بل تُعدُّ مرحلة النَّتائج والحصاد وقطف الثَّمار التي غُرست في الجيل منذ زمن النُّبوَّة والعهد البكريِّ، ومن أجل هذا كان لابدَّ أن نُلقي الضَّوء على دور الحقبة السَّابقة للفتح العمريِّ في صناعة جيل النَّصر والتَّمكين.

لماذا لم يُفتح بيت المقدس في زمن النُّبوَّة؟

ولم يقع فتح بيت المقدس في عهد النَّبيِّ ﷺ لما كان من عقبات كثيرة في الطَّريق إليه، فكان لابدَّ من إزالة العقبات التي تقف حائلًا في طريق تحريره واسترداده؛ وهو ما سعى إليه النَّبيُّ ﷺ من خلال إرسال السَّرايا والجيوش على تخوم الشَّام والتي كانت بمثابة مقدَّمة الفتح [1]؛ فأزالت العقبات الكبرى في طريقها منذ زمن النُّبوَّة إلى زمن العهد العمريِّ وتحقُّق الفتح، فمواجهة النَّبيِّ ﷺ لجحافل الرُّوم كان سبيل الوصول إلى بيت المقدس الذي كان تحت سيطرة الرُّومان، وهم والرُّوم واحد ضمن الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة القديمة التي انقسمت إلى إمبراطوريَّة الشَّرق (الرُّوم) والغرب (الرُّومان) فكانت الحروب والمعارك التي يخوضها النَّبيُّ ﷺ في أرض الشَّام بمثابة الزَّحف الحربيِّ تجاه بيت المقدس؛ ويقول ابن كثير رحمه الله: "أراد النَّبيُّ ﷺ أن يدنو إلى أداني الشَّام" [2] ولو لانت الأرض للنَّبيِّ ﷺ لما تردَّد في فتح بيت المقدس، ويكفي في الدَّلالة على ذلك ما ذكره النَّبيُّ ﷺ من النَّصوص والأحاديث التي يذكر فيها الأقصى وبيت المقدس ومنزلته في الإسلام، وأنَّه ثاني مسجد في الأرض[3]، وما اختصَّ به من مُضاعفة الثَّواب [4]، وقصده بشدِّ الرِّحال إليه [5]، وعطفه على المسجد الحرام في البناء والحرمة، ويُثني على المرابطين حوله وهم الجند الغربيُّ مَن بأكناف بيت المقدس [6]، وقد ربطت رحلة الإسراء الأمَّة كلَّها بأرض الأقصى فلم يكن الإسراء إليها والمعراج منها إلى السَّماوات اعتباطًا أو صُدفة [7]، بل فيه إشارة صريحة إلى عِظم مكانة هذه البقعة المباركة الطَّاهرة، وانتقال ملكيَّتها من النَّبيِّين السَّابقين الذين صلَّى بهم النَّبيُّ ﷺ إمامًا إلى الأمَّة الإسلاميَّة بقيادة النَّبيِّ ﷺ.

زمن النُّبوَّة تمهيد لما بعده

ومن خلال هذا يبين لنا عظيم اعتناء النَّبيِّ ﷺ بأمر المسجد الأقصى، وحرصه البالغ ﷺ على تحريره وضمِّه إلى مقدَّسات المسلمين التي تحت أيديهم؛ ولقد علم الصَّحابة رضي الله عنهم هذا الحرص الشَّديد من النَّبيِّ ﷺ فلم يهدأ لهم بال، ولم يستقرَّ لهم قرار حتَّى تحرَّر المسجد الأقصى من أسر الغاصبين من الرُّوم، وقد تحقَّق هذا في عهد الفاروق عمر بن الخطَّاب عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وبتمهيد من الصَّديق أبي بكر رضي الله عنه من خلال تضافر الجهود التي تمَّ معها النَّصر.


(1) بعث النَّبيُّ ﷺ بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما لفتح الشَّام وتطهيرها من وجود الرُّوم، والاقتراب من حدود فلسطين وبيت المقدس، لكنَّ المنيَّة وافته قبل الإيغال؛ وفي الحديث عن ‌عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: "بعث النَّبيُّ ﷺ بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض النَّاس في إمارته، فقال النَّبيُّ ﷺ: «‌إن ‌تطعنوا ‌في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحبِّ النَّاس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحبِّ النَّاس إليَّ بعده» متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (فضائل الصَّحابة) باب: (مناقب زيد بن حارثة مولى النَّبيِّ ﷺ) برقم: (3730)، وكتاب: (المغازي) باب: (غزوة زيد بن حارثة) برقم: (4250)، وباب: (بعث أسامة بن زيد في مرضه الذي تُوفِّي فيه ﷺ) برقم: (4469)، وكتاب: (الأحكام) باب: (مَن لم يكترث بطعن مَن لا يعلم في الأُمراء حديثًا) برقم: (7187)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (فضائل الصَّحابة رضي الله عنهم) باب: (فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد رضي الله عنهما) برقم: (2426) وفيه زيادة: «فأوصيكم به فإنه من صالحيكم»

وبالفعل خرج بعث أُسامة رضي الله عنه من المدينة، لكنَّ مرض النَّبيِّ ﷺ جعله يرجع بالجيش؛ وقال ابن كثير رحمه الله: "قال ابن إسحاق رحمه الله: "وبعث رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما إلى الشَّام، وأمره أن يُوطِئ الخيل تُخوم البلقاء والدَّاروم مِن أرض فلسطين، فتجهَّز النَّاس، وأوعب مع أُسامة المهاجرون الأوَّلون" يُنظَر: البداية والنِّهاية، لابن كثير الدِّمشقيِّ (8/23).

(2) يُنظَر: البداية والنِّهاية، لابن كثير الدِّمشقيِّ (6/6).

(3) ففي الحديث عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قلتُ يا رسول الله: أيُّ مسجد وُضع في الأرض أوَّل؟ قال ﷺ: «المسجد الحرام» قلتُ: ثمَّ أي؟ قال: «‌المسجد ‌الأقصى» قلتُ: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة، وأينما أدركتك الصَّلاة فصلِّ فهو مسجد» متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (أحاديث الأنبياء) باب: (حدَّثنا موسى بن إسماعيل) برقم: (3366)، وباب: (قوله تعالى: ووهبنا لداود سليمان) برقم: (3425)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (المساجد ومواضع الصَّلاة) برقم: (520) واللَّفظ له.

(4) وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «‌لا ‌تُشدُّ ‌الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد الرَّسول، ومسجد الأقصى» متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (فضل الصَّلاة في مسجد مكَّة والمدينة) باب: (فضل الصَّلاة في مسجد مكَّة والمدينة) برقم: (1189) واللَّفظ له، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الحجِّ) باب: (لا تُشدُّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد) برقم: (1397).

(5) وفي الحديث عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيُّهما أفضل: مسجد رسول الله ﷺ، أو ‌مسجد ‌بيت ‌المقدس، فقال رسول الله ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولَنِعم المصلَّى، وليُوشكنَّ أن لا يكون للرَّجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدُّنيا جميعًا - أو قال: خير من الدًّنيا وما فيها -» صحيح: أخرجه الحاكم في مُستدركه، كتاب: (الفتن والملاحم) باب: (حديث أبي عوانة) برقم: (8553) وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" ووافقه الذَّهبيُّ في التَّلخيص.

(6) وفي الحديث عن أبي أمامة الباهليِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال: «‌لا ‌تزال ‌طائفة من أمَّتي على الحقِّ ظاهرين على من يغزوهم، قاهرين لا يضرُّهم مَن ناوأهم، حتَّى يأتيهم أمر الله، وهم كذلك» قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس» متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه مختصرًا، كتاب: (الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة) باب: (قول النَّبيِّ ﷺ: لا تزال طائفة من أمَّتي) برقم: (7311)، ومسلم مختصرًا، كتاب: (الإيمان) باب: (نزول عيسى ابن مريم) برقم: (156)، والطَّبرانيُّ في معجمه الكبير - واللَّفظ له - برقم: (7643).

(7) إنَّ المتأمِّل في وقوع رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وصلاة النَّبيِّ ﷺ بالأنبياء إمامًا، والعروج منه إلى سدرة المنتهى في السَّماء يُدرك سرًّا عظيمًا في هذه الرِّحلة، ففيها التَّأكيد على أهمِّيَّة ومكانة المسجد الأقصى المبارك، وممَّا زاد بركته التي جعلها الله تعالى حوله انتقال النَّبيِّ ﷺ إليه وحضور الأنبياء والصَّلاة بهم، وفيها التَّأكيد على مكانة النَّبيِّ ﷺ وأنَّه ذو قدر عظيم عند الله تعالى حيث تقدَّم للصَّلاة بالأنبياء والمرسلين، وفيها إشارة إلى استحقاق أمَّة الإسلام لهذا المكان، وهو ما وقع بعد موت النَّبيِّ ﷺ في خلافة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وفيها ربط الأمَّة بمساجدها الكبرى؛ حيث كان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بالنَّبيِّ ﷺ الذي يُشير في هذه المعادلة إلى المسجد النَّبويِّ الشَّريف، ويمكن الاستدلال بوجود إبراهيم ويعقوب وداود وسليمان وموسى وأنبياء بني إسرائيل عليهم السَّلام في القدس مرورًا أو استقرارًا على أنَّ الله تعالى قد جعل المسجد الأقصى مسئوليَّة أنبيائه في حياتهم، ولذلك أُسري بالنَّبيِّ ﷺ إليه، وتمكَّنت أمَّته من بعده منه وإلى قيام السَّاعة؛ فلن تكون الولاية الشَّرعيَّة لكافر أو وثنيٍّ أو غير مسلم على المسجد الأقصى، فلا يكون إلَّا لنبيٍّ أو لأتباع الأنبياء والرُّسل من بعدهم ممَّن لم يغيِّروا ولم يُبدِّلوا ولم يُحرِّفوا شريعة الأنبياء، وهذا لا يتحقَّق إطلاقًا إلَّا في أمَّة نبيِّ الله محمد ﷺ؛ لأنَّهم الوحيدون الذين آمنوا بجميع الأنبياء والمرسلين، وهم الأمَّة الخاتمة للشريعة الخاتمة للنَّبيِّ الخاتم ﷺ، فقد آمن أصحاب كلِّ نبيٍّ به دون غيره، وآمنت أمَّة الإسلام بنبيِّها ﷺ وبجميع الأنبياء والمرسلين؛ فاستحقَّت بذلك أن ترث النَّبيِّين في مهمَّة حفظ الدِّين والمقدَّسات.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله