مقدِّمة
الحمد لله الذي يُدبَّر الكون كلَّه وما مسَّه لغوب أو وَسن، لا ردَّ لحكمه ولا معقب لأمره ولا محرِّك لما سكن، قصم الجبابرة وقصر القياصرة وكسر الأكاسرة فما أبقى منهم في الزمن، أغرق فرعون في اليمَّ لمَّا غضب عليه ولعن، وأهلك عادًا الأولى لما قالوا من أشدُّ منَّا فما وهَن، وأما ثمود فطغوا واتَّبعوا سيرة من هلك فأهلكهم وطعن، وقوم نوح لمَّا كذبوا الرسل أغرقهم وجعلهم آية في العلن، وقارون لمَّا تعالى بماله خسف به وجعل ماله له الكفن، وهكذا كلُّ مارد تجبَّر لابدَّ أن يدفع الثَّمن، سبحانه يُنجي الصَّالحين من الفتن، ويُصلح لمن شاء من عباده السَّكن، ويُقلِّب أحوال الأرض والوطن، وأِشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له المالك القادر ذو المنن، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله أصلح ما ظهر وما بطن، وعلى آله وأصحابه وأتباعه السَّائرين على السُّنن.
الحروب بين أظهري المسلمين
وبعد: فلا يخفى على حيٍّ ما يجري من أحداث متسارعة في بلاد العرب والمسلمين، ما بين حروب مدمِّرة يتوعَّد أقطابها بشنِّ هجوم نوويٍّ مبيد، أو باستهداف محطَّات الطَّاقة والوقود والمياه ومصافي النِّفط والبترول، أو باجتياح بعض بلاد المسلمين برِّيًّا والسَّيطرة على المضايق المائيَّة والثَّروات الوطنيَّة، واحتلال تلك البلاد بمن فيها وما عليها، والحرب قائمة بين أعداء الأمَّة عقديًّا، ولكنَّهم جعلوا من بلاد المسلمين مسرحًا لشهود شرارة الحرب التي تكتمل بحرق بلاد المسلمين من النِّيل إلى الفرات بدءًا بالخليج، فالمعسكران المتقاتلان كفر وتشيُّع، وكلٌّ منهما يقصد معسكر السُّنَّة بوضوح وتصريح أو تُقيةٍ وتلميح، وقد ظهر ذلك في تدمير كثير من البُنَى التَّحتيَّة وهلكت المقدَّرات ذات التَّكلفة العالية والأثمان الباهظة، والتي تحتاج إلى زمان وأموال لإعادة ما كان كما كان.
دلالات تغيُّر المناخ
وقد تزامن مع هذه الأحداث الأرضيَّة أحداث سماويَّة متعلِّقة بتغيُّر المناخ ممَّا أدَّى إلى وقوع العواصف والرُّعود والبروق والأمطار الكثيفة التي وصلت إلى حدِّ السُّيول الجارفة في غير أوانها المعتاد، وغرق كثير من بلاد المسلمين وانهيار البُنى التَّحتيَّة، وتذبذب الاقتصاد العالميِّ، وارتفاع أسعار المحروقات والمطعومات والمشروبات والسِّلع والبضائع.
وفي وسط هذه الفتن المدلهمة رفعت بعض دول الكفر وعلى رأسها أعتى قوى الأرض وفي ذيلها عدوُّ الأمَّة الصًّهيوني شارة العزم على هجوم كاسح بالأسلحة الفتَّاكة المحرَّمة دوليًّا على الدُّول الإسلاميَّة والعربيَّة المستقرَّة في الشَّرق الأوسط لإسلامهم لا أكثر؛ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد.
حال الأمَّة والصِّراع على الدُّنيا
وفي ذات الوقت نجد الأمَّة الإسلاميَّة مختلفة فيما بينها على الكراسي والمناصب والرُّتب والوظائف السِّياديَّة، وسارع أكثرهم للانضمام تحت لواء الجيوش الكافرة من أجل الحماية والرِّعاية والسَّلامة والأمن من كلِّ متربِّص متهوِّر، فتفاجأ بأنَّ من احتمى به يُشكِّل عدوانًا صريحًا عليه، فهو ذئب مخادع مكَّار غدَّار يسعى للانقضاض على فريسته بطرق ملتوية خبيثة، ووقعت الأمَّة في موالاة الكافرين، الذين زرعوا العداوة بين أبنائها بحدود جغرافيَّة وسياسات تفريقيَّة حتى تحقَّق لهم أكثر ممَّا كان يُخطِّطون له.
الاختلافات تعصف بالأمَّة
وعلى صعيد الأمَّة الإسلاميَّة نرى الاختلافاتِ المذهبيَّةَ والفكريَّة والثَّقافيَّة والعِرقيَّة والجغرافيَّة تعصف بالصَّفِّ المسلم ليتحوَّل إلى صفوف متخالفة متنازعة متقاتلة، لا يجمعهم شيء من مقوِّمات الاجتماع، وقد نجح العدوُّ في تهييج النُّفوس، وتأجيج الخلافات، ووضع الأسلاك الشَّائكة بين الحدود، وبث السُّموم القاتلة للمودَّات، حتى تحوَّل كلُّ فريق إلى عدوٍّ يحمل في صدره من الكراهية والبغض لغيره ما يفوق عدواته لعدوِّ الدِّين والعقيدة والإيمان؛ فتفرَّغ العدوُّ لتنفيذ مخطَّطاته الشَّيطانيَّة ليتوسَّع على حساب الأمَّة التي تفرَّغ كلُّ فريق منهم لصراع الفريق الآخر، وإذا بنا كما قال النَّبيُّ: "غثاء كغثاء السَّيل..." ليس عن قلَّة، ولكنَّها كثرة لا قيمة لها ولا فائدة منها، ولو اجتمعنا لكنَّا قوَّة مُهابة تُخشى، ولكن بدِّد الجُهد وشتِّت الشَّمل.
تبعيَّة الأمَّة لعدوِّها
إنَّ الأمَّة الآن تعيش أيَّام فتن ومحن وابتلاءات؛ وهي مهزومة نفسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا بين مِطرقة نيران الحروب المستعرة في المنطقة وسِندان الغلاء والوباء، بفعل تلاعب القوى الكبرى بعروشه وقروشه، فقد جعلوا من بلاد المسلمين حلبة للتَّصارع فيها على عرش العالم، فأُقيمت الحروب الاستنزافيَّة المدمِّرة لمقدَّرات الدُّول والشُّعوب العربيَّة المسلمة، وتعرَّت من كلِّ الأغطيَّة التي كانوا يدفعون فيها الأموال الطَّائلة من أجل الحماية والرِّعاية، ووجدت الأمَّة نفسها مكشوفة للعدوِّ من كلِّ ناحية، وانقسمت الفرق المسعِّرة للحرب إلى فريقين: فريق ظاهر متمثِّل في أمريكا وإسرائيل وإيران، فهم المتقاتلون في العلن، وفريق مستتر متمثِّل في روسيا والصِّين ومن وراءهم من بلاد الغرب، فهم مشاركون في الخفاء بشكل من أشكال المشاركة.
لا تُفلح أمَّة لا تصنِّع سلاحها بيدها
وليت الأمَّة الميمونة بجيوشها وعدَّتها وعتادها وأموالها ومقدَّراتها عملت على صناعة كرامة لها بالتَّسلُّح والإعداد لتحمي حدودها بسواعدها دون اعتماد على عدوّها المتربِّص بها، لكنَّها اشتغلت بعمارة الحياة على حساب عُمران الآخرة، دون أن تصل في عمارة الدُّنيا إلى عشر معشار ما وصل إليه العدوُّ في جوانب التَّسليح وإدارة الحروب والأزمات والمعارك، فمدَّت يدها لعدوِّها ليُسلِّحها بأحدث الأسلحة من أجل أن تُقاتله بها إذا بادرها بالهجوم أو باغتها بالحرب، وأنفقت في سبيل ذلك من الأموال ومقدَّرات الشُّعوب ما كان يُمكن توفير نصفه لو اعتمدت على سواعد أبنائها فصنَّعت سلاحها بيد مؤمنة متوضئة مصلِّية، فليست كيد الفاجر الكافر شارب الخمر مرتكب الفواحش منكر الإله الحقِّ أو عابد الوثن والصَّنم، وليت السِّلاح الذي دُفعت فيه أثمان فوق ثمنه ذو شأن يُعتمد عليه في النَّوازل القتاليَّة، بل هو دون ذلك بكثير، فلن يمنح العدوُّ المختلف معي في العقيدة والتَّوجُّه سلاحًا يصمد في القتال ضدَّه، فأيُّ عقول تحملها عجول أمَّتنا؟!.
دلالات علامات السَّاعة
وعلى الزَّاوية الأخرى نُطالع في كتب الفتن وأشراط السَّاعة كثيرًا من النُّصوص التي يُسقطها البعض على مجريات المرحلة الرَّاهنة فيرى تشابهًا أو تطابقًا في الأحداث فيحكم لها بالمآلات الواردة في النُّصوص الحديثيَّة، كمعركة هرمجدون أو هرمجيدو أو نهاية العالم، أو هلاك فارس ثمَّ العرب في زمن الفتن والملاحم، أو نفاد الطَّاقة غير المتجدِّدة وعـودة الحياة إلى ما قبل عصر التُّكنولوجيا بانقطاع التواصل وتعطُّل الآلات والوسائل، وعودة الحروب والمعارك بالسيف والرُّمح على ظهور الأفراس والخيول والجمال، أو قرب ظهور الدَّجَّال والآيات الكبرى التي تسبق يوم القيامة.
قتال العدوِّ عن عقيدة
إنَّ عدوَّ الأمَّة الصُّهيوغربيّ يُقاتل اليوم في معاركه التي يخوضها في بلاد الإسلام - بدءً من فلسطين مرورًا بلبنان وسوريا وصولًا إلى إيران - منطلقًا من العقيدة الدِّينيَّة المحرَّفة لتحقيق نبوءات لديه، فهو يبثُّ في قلوب مقاتليه وأبناء شعبه معاني العقيدة الإيمانيَّة التي يُؤمن بها وإن كانت محرَّفة تأمره بالقتل والتَّوسُّع من النِّيل إلى الفرات وهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل السُّليمانيِّ على أنقاضه تعجيلًا بخروج الملك اليهوديِّ المخلِّص لليهود والذي يعيشون في ظلِّه 1000 سنة يتمتَّعون وحدهم بمقدَّرات الأرض بعد أن يقتلوا أهلها دون بقيَّة متبقيَّة من الأمم والأعراق الأخرى لخدمتهم تحت راية العبوديَّة، وعلى هذه العقيدة الباطلة والمعاني الزَّائفة يُربَّى النَّاشئة من اليهود وأذيالهم في عموم بلاد الغرب، فيخرج جيل يُضحِّي بالغالي والنَّفيس من أجل تحويل تلك العقيدة إلى واقع معيش، وإن تعجب منهم فاعجب من بني قومي الذين لا يُقاتلون ويمنعون من تناول موضوعات الجهاد والمقاومة في المناهج والدَّعوة والمقرَّرات، فالغرب يعمل بعقيدة، والشَّرق يطمس معالم عقيدته التي جاءت بها الشَّريعة.
زوال كيان الصَّهاينة
وعلى الطَّرف الآخر نرى من يُبشِّر بزوال كيان الاحتلال، وقرب وقوع لعنة العقد الثَّامن وضياع حلم دولة إسرائيل الكبرى، وتحرير المسجد الأقصى، ونصر الله تعالى للمسلمين في أرض الشَّام، وعودة أرض العرب مروجًا وأنهارًا، ووفرة الخير والأرزاق، وانتهاء زمن غطرسة الهيمنة الأمريكيَّة والكفريَّة، وبدء التَّحوُّل الظَّاهر في معادلات القوى في العالم لصالح الإسلام والمسلمين.
وفي ثنايا الأحداث يقف المسجد الأقصى وأهله المرابطون حوله قد أجهدهم العدوُّ، وسعى لهدم الأقصى بالحفريات، وإغلاق المسجد وساحاته، ومنع الصلاة فيه، والاقتحامات والمجازر التي تجري على أرضه، كلُّ هذه الأحداث الضِّخام من الفتن المتلاحقة التي تقع في آخر الزِّمان، ويجب على المسلم أن يتعلَّم كيف ينجو من الوقوع فيها؛ فإنَّ الإسلام لم يترك شيئا إلا وأخبر عن أحداثه وأسبابه وعلاماته ووسائل النَّجاة منه؛ ليكون المسلم على بيِّنة وبصيرة ممَّا سيقع في زمانه؛ ليزداد إيمانًا بصدق هذا الدِّين.